العراق تاريخ اقتصادي، الجزء الخامس: الجمهورية الأولى (تموز 1958- شباط 1963)

منذ 5 أشهر
475

مقدمة الجزء الخامس

 

لم يكن هناك حتى صبيحة 14 تموز (يوليو) ما يشير إلى احتمال حصول ثورة أو تغيير سياسي، فالأمور كانت تتسم بالسكون، على الرغم من النمو البارز للمعارضة السياسية، التي لم تتوسل العنف سبيلاً للتغيير. وكان النظام الملكي قد وصل مرحلة من الجمود، وعدم القدرة على التجديد، وبخاصة للنخبة السياسية الحاكمة. لكن وعلى ما يبدو أنَّ هذا النظام قد فشل في قراءة التطورات الدولية والإقليمية، في وقت تصاعدت مشاعر الغضب تجاهه نتيجة السياسة الخارجية التي انتهجها، حتى بدت قوى المعارضة المنقسمة بحدة تجاه القضايا المحلية متفقة على إدانة تلك السياسة، في وقت كانت المنطقة تغلي بالتطورات التي أطاحت ببعض أنظمة الحكم الملكية.

لقد ترتب على التغيير السياسي العنيف في تموز (يوليو) 1958 تبدلات عميقة في الدولة والمجتمع والاقتصاد، ستظل نتائجها السلبية ماثلة في جميع مراحل التطور التاريخي التالية. لقد أدى التغيير إلى هدم المؤسسات الديمقراطية من دون إيجاد بديل مناسب لها، لذا فقد هيأ هذا المسرح لولادة الدكتاتوريات التي ستحكم البلد طوال نصف القرن التالي. من جهة أخرى، فقد أدى التغيير أيضاً إلى هدم مؤسسات الحكم وإعادة بنائها على عجل، على أسس مجهولة، وقيمٍ غير متفق عليها من قبل غالبية المجتمع، وفُسخ العقد الاجتماعي، ليحل مكانه توافقاً هشاً بين الحاكم والمحكوم حول حدود كل منهم والمقابل الذي يُمكن أن يقدمه الحاكم إنْ ضَمِنَ ولاء المحكومين، أو سكوتهم في الأقل. فضلاً عن قيام النظام الجديد بإعادة هيكلة النظام الإداري، واستبدال كبار الموظفين بالموالين له، وبخاصة من ضباط الجيش العاملين والمتقاعدين.

على الرغم من ذلك نجد أنَّ أهم النتائج التي جرتها التغييرات السياسية منذ 14 تموز (يوليو) هو انزياح السياسة وطغيانها على ما سواها، فتراجعت في ظل ذلك القضايا الاقتصادية والاجتماعية، إلا في إطار عدِّها موضوعات سياسية، لكنها لم تصبح يوماً من الأيام قضايا عامة، يُسهم المجتمع المدني والرأي العام في نقاشها وبلورة القرارات تجاهها.

إنَّ الصراعات السياسية التي طبعت هذه المرحلة من تاريخ العراق ينبغي أن لا تصرف النظر عن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي بدأها رجالات الحكم الجديد. وعلى الرغم من أنَّ تلك الإصلاحات استهدفت بالدرجة الأساس تقويض النظام القديم واجتثاث رموزه بأكثر مما استهدفت تشييد صرح النظام الجديد وإرساء دعائمه، فإنَّ الإجراءات التي اتخذت في أعقاب الانقلاب كانت مقدمةً لتغييرات مهمة في تاريخ البلد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

لقد غلبت في بادئ الأمر شعارات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، والتخلص من تبعية العراق للقوى الغربية، واستعادة السيطرة على موارد البلاد، وقد ترافق ذلك مع دعوة واسعة النطاق لتحقيق العدالة الاجتماعية التي عُدَّت غائبة عن العهد الملكي، فضلاً عن الدعوة إلى الوحدة الوطنية واستيعاب المكونات المهمشة في البلد وبخاصة من الأكراد والفئات الفقيرة.

وعلى الصعيد الاقتصادي أوجدت الحقبة الجمهورية سابقة خطيرة في تاريخ العراق، إذ توصلت النخبة الحاكمة الى أنَّه من غير الضروري البحث عن فائض اقتصادي ومالي من النشاط الإنتاجي للقطاع الخاص وعمل المواطنين. لذا فقد أعادت اكتشاف أهمية الريع النفطي غير المقيد بشروط الإنتاج الأمثل، ونظرت إليه على أنَّه القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية للسلطة التي انشغلت بالتحكم في حريات وعمل المواطنين لخدمة أهدافها السياسية.

إنَّ الجزء الخامس من كتاب (العراق: تاريخ اقتصادي) يبحث في أهم الأحداث الاقتصادية خلال المدة تموز 1958 وحتى شباط (فبراير) 1963 وهي مدة الجمهورية الأولى، التي أسهمت الى حدٍ كبيرٍ في تأسيس نمط مشوه للدولة التدخلية في النشاط الاقتصادي. فأصدرت عدة قرارات تنظم الحياة الاقتصادية لعل أبرزها «قانون الإصلاح الزراعي» و«قانون تنظيم الاستثمار النفطي» فضلاً عن خروج العراق من منطقة الإسترليني.

يضم هذا الكتاب، فضلا عن المقدمة تسعة فصول، اهتم الأول بمتابعة ظروف الانقلاب السياسي وحيثياته، ومجمل الظروف السياسية التي نتجت عنه، وبخاصة الصراع السياسي المحتدم الذي أثر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وعني الفصل الثاني بقضية تبدل الفلسفة الاقتصادية للدولة، ووعود الإصلاح، وصعود الخطاب الشعبوي بديلاً الخطاب الليبرالي الذي تبنته الدولة إبان الحكم الملكي.

وعالج الفصل الثالث عملية الإصلاح الزراعي التي تعد الحدث الاقتصادي الأبرز في هذه المرحلة من تاريخ البلد، والنتائج التي ترتبت على تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، والتأثيرات التي رافقت التطبيق وبخاصة تلك التي طالت الإنتاج الزراعي والعمليات الزراعية والإنتاجية المرتبطة بالزراعة، دون إهمال التوتر الاجتماعي في الريف الذي بدأ يقوض أسس السلم ومهد لمزيد من التدهور في اقتصاد الريف.

وركز الفصل الرابع على محاولة الحكومة التعامل مع قضية النفط، والمفاوضات  التي بدأتها مع شركات النفط العاملة، والتي انهارت بعدما وصل الفريقان إلى طريق مسدود أدى بالحكومة إلى إقرار القانون 80 لسنة 1961، ومن ثم محاولة استثمار النفط وطنياً.

وتم تناول قضية صعود القطاع العام في الفصل الخامس، والاتجاه الذي اتخذته الحكومة بالتوجه نحو التوسع المالي، واعتماد التخطيط بديلاً عن السوق، والتدخل الحكومي في القطاع التجاري، وصولا إلى تقويم دور مجلس التخطيط.

وبسبب الأهمية الكبيرة التي منحتها الحكومة لعملية التطور الصناعي في شعاراتها فقد اختص الفصل السادس بهذا القطاع والكيفية التي تدخلت فيها الحكومة في الصناعة.

وركز الفصل السابع على التطورات المالية والنقدية، محللا مصادر الإيرادات العامة، وعملية الإصلاح النقدي التي تبنتها الحكومة، ومحاولتها تعريق القطاع المصرفي، وزيادة الرقابة على الصرف الأجنبي.

أما الفصل الثامن فقد انصرف إلى تلخيص نتائج التنمية الثورية،على مجمل الوضع الاقتصادي العام، وعلى قطاعات الخدمات العامة وبخاصة: التعليم، والصحة، والإسكان.

وانصرف الفصل التاسع والأخير إلى تحليل علاقات العراق الدولية ومحاولة فك الارتباط التي انتهجتها الحكومة من خلال التوجه نحو البلدان الاشتراكية بدلا من البلدان الرأسمالية، والتي توجت بالخروج من منطقة الإسترليني، وإعادة توجيه التجارة الخارجية استيراداً وتصديراً بعيداً على الشركاء التقليديين. فضلاً عن تناول علاقة العراق مع أوبك التي كان السبب في تأسيسها وتراجع دوره فيها.

وختاماً، فإنَّه من الواجب تقديم الشكر الجزيل للدكتور عماد عبد اللطيف سالم لملاحظاته القيمة التي أبداها على هذا الجزء من الكتاب، كما لا يفوتنا أن نشكر الأستاذ الدكتور فلاح ثويني رئيس قسم الدراسات الاقتصادية والسيد بلال الجوادي على دورهما في دعم المشروع.

العراق تاريخ اقتصادي

الجزء الخامس

الجمهورية الأولى

(تموز 1958- شباط 1963)

 

 

 

 

تأليف

أ.د. كامل علاوي الفتلاوي         أ. د. حسن لطيف الزبيدي

 

 

مراجعة

د. عماد عبد اللطيف سالم

 

 

2016

 

 

الموضوع
مقدمة المشروع
مقدمة الجزء الخامس
الفصل الأول: الانقلاب وتغيير النظام السياسي
الهيمنة على الحكم
الصراع مع القوى السياسية
تمرد في الشمال
الفصل الثاني: تبدل الفلسفة الاقتصادية للدولة
وعود الإصلاح
الشعبوية بديلاً عن الليبرالية
إجراءات مواجهة الأزمة الاقتصادية
الفصل الثالث: الإصلاح الزراعي
قانون الإصلاح الزراعي
تطبيق قانون الإصلاح الزراعي
نتائج تطبيق الإصلاح الزراعي
أولا: مشاكل عملية الاستيلاء
ثانياً: مشاكل الإدارة المؤقتة
ثالثاً: مشاكل التوزيع الرئيسة
رابعا: مشكلة التعويضات
قانون الإصلاح الزراعي والإنتاج الزراعي
التعاون والإصلاح الزراعي
التسليف والإصلاح الزراعي
المكننة والإصلاح الزراعي
الـري
التجارة الخارجية الزراعية
استمرار التوتر الاجتماعي في الريف
الفصل الرابع: محاولة السيطرة على النفط
مفاوضات النفط
انهيار المفاوضات
صدور القانون 80 لسنة 1961
محاولة استثمار النفط وطنياً
الفصل الخامس: صعود القطاع العام
التوجه نحو التوسع المالي
الاستغناء عن الضرائب
التخطيط بديلاً عن السوق
التدخل الحكومي في القطاع التجاري
تقويم دور مجلس التخطيط
الفصل السادس: التطور الصناعي
محاولة تحسين أوضاع الطبقة العاملة
التدخل الحكومي في الصناعة
الفصل السابع: التطورات المالية والنقدية
مصادر الإيرادات العامة
الإصلاح النقدي
تعريق القطاع المصرفي
الرقابة على الصرف الأجنبي
السياسة الضريبية
الفصل الثامن: نتائج التنمية الثورية
الوضع الاقتصادي العام
التعليم
الصحة
الإسكان
استمرار الأوضاع السيئة
تشوه التنمية
(1) النفط وصعود نمط الاقتصاد الريعي
(2) تشوه السوق الداخلي
(3) استمرار ترييف المدن
الفصل التاسع:  العلاقات الاقتصادية الدولية وفك الارتباط
التوجه نحو البلدان الاشتراكية
حماية الصناعة المحلية
تعريق القطاع التجاري
الخروج من منطقة الإسترليني
التجارة الخارجية
العلاقة مع أوبك
قائمة المراجع
المراجع باللغة العربية
المراجع باللغة الانكليزية
الملاحق
ملحق (1): قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958
ملحق (2): قانون تعيين مناطق الاستثمار لشركات النفط رقم ( 80 ) لسنة 1961

 

 

التصنيفات : الكتب المؤلفة