الاقتصاد العراقي في زمن كورونا فايروس (4) هل تحتاج رواتب المتقاعدين الى إطلاق الصرف؟

منذ 5 أشهر
10766

 

الاقتصاد العراقي في زمن كورونا فايروس (4) هل تحتاج رواتب المتقاعدين الى إطلاق الصرف؟

د. حسن لطيف كاظم

أستاذ علم الاقتصاد جامعة الكوفة/ كلية الادارة والاقتصاد

 

منذ بداية الازمة الثلاثية وبدء تفاقم الاثار المالية بدأت الحكومة تعاني في كل شهر عُدّ تمويل الرواتب، وفي ظل عدم وجود موازنة اتحادية تعمل الحكومة بحسب قاعدة 1/12 التي تعني أن يكون الصرف على اساس المصروف في الشهر المناظر وخلال الشهر الماضي (نيسان) تأخر تسليم رواتب الموظفين بحوالي أسبوعين، على الرغم من التطمينات التي جاءت على لسان رئيس مجلس الوزراء الجديد والنائب الاول لرئيس مجلس النواب بتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين حتى الاشهر الاربع أو الست القادمة.

قبل مناقشة الموضوع الاساس المتعلق بالرواتب التقاعدية دعنا نراجع الاوضاع المالية للدولة خلال العام الحالي:

بلغت الايرادات النفطية للأشهر الاربعة الاولى من عام 2020 حوالي 15.7 مليار دولار أي 18.7 تريليون دينار عراقي (ينظر الجدول الاتي)

جدول (1): صادرات النفط وايراداته للثلث الاول من سنة 2020

الشهر الصادرات (برميل) متوسط سعر النفط (دولار) الايرادات النفطية (دولار) الايرادات النفطية (دينار)
كانون الثاني 2020 102485591 60.139 6163383000 7334425770000
شحنات اضافية 1938889 60.139 147120321 175073181990
شباط 98347884 51.374 5052528000 6012508320000
اذار 105118523 28.182 2962429000 3525290510000
نيسان 103144911 13.801 1423499000 1693963810000
المجموع 411035798 43.00 15748959321 18741261591990

المصادر:

كانون الثاني 2020 (https://oil.gov.iq/index.php?name=News&file=article&sid=2535)

شباط 2020 (https://oil.gov.iq/index.php?name=News&file=article&sid=2539)

شباط 2020 (https://oil.gov.iq/index.php?name=News&file=article&sid=2578)

نيسان 2020 (https://oil.gov.iq/index.php?name=News&file=article&sid=2580)

 

جدول (2): ايرادات العامة بحسب تقديرات وزارة المالية لشهر كانون الثاني 2020

الايرادات الموازنة الاجمالية

(مليار دينار عراقي)

النسبة المئوية
الايرادات النفطية والثروات المعدنية 6,390 95.0
الضرائب على الدخول والثروات 31,713 0.5
الضرائب السلعية ورسوم الانتاج 97,6 1.5
الرسوم 85,9 1.3
حصة الموازنة من ارباح القطاع العام 19,1 0.3
الايرادات الرأسمالية 0.959 0.0
الايرادات التحويلية 25,9 0.4
ايرادات اخرى 76,3 1.1
المجموع العام 6,727 100

المصدر: وزارة المالية (http://mof.gov.iq/obs/_layouts/obsServices/DownloadObs.aspx?SourceUrl=%2fobs%2fObsDocuments%2fIn-Year+Reports+Folder+-+%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%af+%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b1+%d8%a3%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1+%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9%2fInyear+Report+January+2020.xlsx)

 

وهناك فارق موجب بين ايرادات النفط بحسب مصدر البيانات من وزارة النفط أو من وزارة المالية يبلغ   606.5 مليار دينار لا يمكن أن يكون بسبب سعر الصرف أو اخطاء الحساب، بل انه بحاجة الى فهم آلية احتساب الايرادات النفطية من قبل وزارة المالية.

بالمقابل بلغ اجمالي الانفاق الجاري لشهر كانون الثاني 2020 حوالي خمسة تريليونات فيما بلغت الرواتب الاجور 3.334 تريليون. فيما بلغت النفقات الاستثمارية 44.6 مليار دينار في الشهر نفسه أي ما يساوي 1.3% من الرواتب والاجور، وهي متدنية بسبب عدم اقرار الموازنة الاتحادية وعدم توافر امكانية للبدء بمشاريع جديدة.

جدول (3): النفقات العامة الجارية بحسب تقديرات وزارة المالية لشهر كانون الثاني 2020

  الانفاق (دينار) نسبة مئوية
الرواتــب والاجور 3,334 65.5
المستلزمات الخدمية 8,8 0.2
المستلزمات السلعية 59,1 1.2
صيانة المـــوجودات 5,9 0.1
النفقات الرأسمالـية 2,2 0.0
المنح والاعانات وخدمة الدين 644,8 12.7
الالتزامات والمساعدات الخارجية 00 0.0
البرامـــج الخــــاصة 1,3 0.0
الـــــرعايـــة الاجتــــماعيـة 1,032 20.3
المجـــموع 5,088 100.0

المصدر: وزارة المالية (http://mof.gov.iq/obs/_layouts/obsServices/DownloadObs.aspx?SourceUrl=%2fobs%2fObsDocuments%2fIn-Year+Reports+Folder+-+%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%af+%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b1+%d8%a3%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1+%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9%2fInyear+Report+January+2020.xlsx)

لكن نلحظ أن أعلى الوزارات إنفاقاً كانت وزارة المالية تليها الداخلية فالدفاع، فمجلس الوزراء، وهذا يعني أن إنفاق هذه الجهات الخمس يعادل أكثر من 72% من اجمالي الانفاق، وهذا ما يثير جملة من التساؤلات عن طبيعة إنفاق هذه الوزارات غير المنتجة، لاسيما وزارة المالية، والتي يصعب التكهن بأن جزءا من انفاقها يغطي الرواتب التقاعدية (وأقول إنه مجرد تكهن).

شكل (1): انفاق الوزارات لشهر كانون الثاني 2020 (نسب مئوية)
المصدر: وزارة المالية (http://mof.gov.iq/obs/_layouts/obsServices/DownloadObs.aspx?SourceUrl=%2fobs%2fObsDocuments%2fIn-Year+Reports+Folder+-+%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%af+%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b1+%d8%a3%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1+%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9%2fInyear+Report+January+2020.xlsx)

 

 

إن الموارد المتاحة للحكومة تقصر عن تأمين التزامات الحكومة المالية على وفق البيانات المتاحة، وان هناك عجزاً تراكمياً بحوالي 1.6 تريليون دينار (على اساس ايرادات النفط فقط) وهي تشكل حوالي 10% من مجمل الايرادات النفطية المتحققة في الاشهر الاربعة الاولى من عام 2020.

الآن نعود على التساؤل الاساس هل تحتاج رواتب المتقاعدين الى إطلاق الصرف؟

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي كتاباً يوقف صرف التمويل بأنواعه، ويفهم من إطلاق نص الكتاب انه يشمل جميع أنواع التمويل بما فيها الرواتب والاجور. مع ذلك ظهر في بعض وسائل الاعلام موافقة الحكومة على إطلاق صرف رواتب المتقاعدين.

من المعروف أن رواتب المتقاعدين لا ترتبط بأوضاع الموازنة العامة بل بأوضاع صندوق التقاعد الوطني، التي تتحدد اكتواريا، على أن ارتفاع الانفاق على الرواتب والاجور في الموازنة الاتحادية هو امر ايجابي لصندوق التقاعد، الامر الذي يعني أن هناك 3 ملايين مساهم فيه يقدمون عند نهاية كل شهر ما يعادل 25% من راتب الموظفين يتحمل 10% منها الموظف نفسه، وتتحمل الخزينة العامة 15% المتبقية([1]). وهذا يعني تدفق موارد كبيرة للصندوق شهريا، يمكن أن تجعل الصندوق في وضع أفضل مقارنة بالحكومة، مع ملاحظة أن وزارة المالية قد ربطت منذ عام 2014 بقوة بين تمويل الرواتب شهريا وتسديد التوقيفات التقاعدية من الموظفين ومن دوائرهم، اذ ان نسبة من الرواتب الممولة من وزارة المالية تعطى باليد اليمنى، يعاد جزء منها الى اليد اليسرى، وكل هذه المبالغ لا تظهر في الموازنة، اذ يكتفى بما يظهر منها مدمجا بالرواتب والاجور، من دون المرور بالإيرادات التقاعدية التي تحتسب في كثير من البلدان بأنها ضرائب تقاعدية، لذا فإنها تظهر في الموازنة العامة.

لم يمنح قانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014 صندوق التقاعد الوطني استقلالية تامة عن وزارة المالية، فيما لا تتوافر اية بيانات أو معلومات عن عمل الهيأة، واوضاع صندوق التقاعد الوطني؛ اذ لا يوجد لحد الان موقع الكتروني مستقل لهيأة التقاعد يفصح عن اعمالها وانشطتها ولم يتم تفعيل موقعها القديم (http://pension.mof.gov.iq). لذا فانه من الصعوبة بمكان اجراء تحليل أكثر عمقا للصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المتقاعدين.

مع ذلك فان وضع المتقاعدين مختلف عن موظفي الدولة، اذ أنهم بمعنى من المعاني دائنون للصندوق طوال عمرهم الوظيفي، إذ تراكمت توقيفاتهم التقاعدية واستثمرت من قبل الصندوق، لذا فانهم يستحقون السداد لديونهم من دون تأخير.

لكن ليس كل المتقاعدين في العراق هم من هذا الفئة، فقد تم تداول مقطع فيديو قصير وقديم (يعود الى حوالي عام 2009) ان المنافع الاجتماعية لنائب رئيس الجمهورية يبلغ حوالي مليون دولار (1.200 مليار دينار) يترك أمر التصرف بها تابعا للاجتهاد الشخصي له ولمكتبه، في حين يبلغ “مجموع ما يتقاضاه الوزير وعضو البرلمان، كمرتب اسمي لمدة شهر واحد فقط يبلغ 12 مليونا و900 ألف دينار، أي ما يعادل 10 آلاف و800 دولار”، من جهة أخرى فان راتب عضو مجلس النواب سنويا “يصل إلى نحو 150 ألفا و600 دولار، ليبلغ في أربع سنوات من عمر البرلمان نحو 722 ألف دولار”([2]). بينما يبلغ متوسط راتب الوزير في الولايات المتحدة 97.423 دولار فيما يتقاضى عضو مجلس النواب الامريكي 174 الف دولار سنويا([3]) لكن لا ننسى ان هذه الرواتب هي في بلد يبلغ متوسط دخل الفرد فيه عشرة امثال دخل الفرد في العراق.

مع ملاحظة أن راتب رئيس الولايات المتحدة وهو في المنصب يبلغ 400 ألف دولار سنوياً، وهو ثالث رئيس يتقاضى هذا المبلغ اثناء رئاسته، فقد كان راتب الرئيس كلينتون نصف هذا المبلغ([4])، أي أن المنافع الاجتماعية لمكتب نائب الرئيس العراقي تعادل 30 مرة راتب الرئيس الأمريكي.

تستلزم الشفافية الاعلان عن رواتب اعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية ومقدار ما يتقاضونه، والقانون الذي يحصلون على رواتبهم وفقه، وأن غياب الشفافية يعني احتمال وجود تمادي في صرف الرواتب لمن هم في السلطة أو من تقاعدوا منها، فضلا عن التمادي في ترتيب استحقاقات تقاعدية لفئات خارج اليات الشمول من موظفي الدولة وهم يثقلون كاهل صندوق التقاعد، الذي يحتاج الى إطلاق صرف لتمويل تقاعد الفئات داخل وخارج سياقات الصندوق.

ان رواتب المتقاعدين التي أطلقت في اول اجتماع للحكومة الجديدة تشي بحجم المشكلات والتحديات التي تواجهها حكومة مصطفى الكاظمي، لاسيما ما يتصل بقدرتها على تأمين التزاماتها المالية تجاه الموظفين والمتقاعدين والمتعاقدين والعاملين بأجور يومية، وكل هذا يستلزم من الحكومة وقفة شجاعة لوقف الهدر في الموارد العامة من خلال:

  • ايقاف المصروفات الاخرى مثل مخصصات الضيافة والوقود وغيرها.
  • وقف تعدد الرواتب.
  • عقلنة التقديمات التقاعدية للفئات التي لم تقدم توقيفات تقاعدية.
  • الغاء المخصصات الاستثنائية مثل المخصصات التي ترتبط بالعمل بالمنطقة الخضراء.
  • التحضير لإعادة صياغة الموازنة العامة لتظهر المستفيدين من الصرف بشكل مباشر وغير مباشر.

قالت العرب “ما وقع تبذير في كثير إلَّا هدمه، ولا دخل تدبير في قليل إلا ثمره”. وورد عن الامام علي (ع) “قوام العيش حسن التقدير، ومِلاكهُ حسن التدبير”.

[1] قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014، المادة 17/ أولا

[2] https://www.mawazin.net/Details.aspx?jimare=69719

[3] https://www.senate.gov/CRSpubs/9c14ec69-c4e4-4bd8-8953-f73daa1640e4.pdf

[4] https://www.thebalance.com/presidents-salary-4579867#citation-89

 

لقراءة المقال (http://iraqieconomists.net/ar/2020/05/11/%d8%a3-%d8%af-%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d9%84%d8%b7%d9%8a%d9%81-%d9%83%d8%a7%d8%b8%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b2-2/)

التصنيفات : المقالات