التقرير الطوعي الاول حول أهداف التنمية المستدامة 2019

منذ أسبوعين
79

التقرير الطوعي الاول حول أهداف التنمية المستدامة 2019

(أنتصار ارادة وطن)

ترسم أجندة التنمية المستدامة 2030 وأهدافها السبعة عشر والتي نالت اجماعا امميا في أيلول (سبتمبر) 2015 خارطة طريق ذات رؤية استراتيجية للدول والأطراف الفاعلة من أجل تكريس الجهود لخلق عالم ينعم فيه الجميع بالمساواة والازدهار المستدام، مع الحفاظ على موارد كوكبنا من الاستنزاف غير الكفوء وغير المنصف بالنسبة للأجيال القادمة.

لقد تزامن اعلان هذه الخطة وأهدافها وغاياتها مع انشغال العراق في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، وتداعيات انخفاض أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية. مع ذلك فإنَّ العراقيين لم يتركوا يوما التطلع نحو مستقبل أفضل، فقد تواصل مع أهداف الالفية، وهو منغمس اليوم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وغاياتها.

وتأتي هذه المراجعة الوطنية ضمن التقرير الطوعي الأول بوصفها جهدا وطنيا وخطوة ضرورية لمتابعة جدول اعمال التنمية المستدامة، معتمدا على نهج تشاركي، ساعدت التشاورات الوطنية (ورش العمل والندوات) التي عقدت في مناطق البلاد المختلفة على مناقشة التحديات التنموية التي تواجه العراق في المرحلة القادمة.

وتُعدُّ التقارير الوطنية الطوعية (VNRs) اداةً مهمةً في رصد التقدم المحرز على طريق تحقيق خطة التنمية الوطنية والترويج لها محلياً، فضلاً عن انها تسهم في عرض خبرة البلد والدروس التي يمكن ان يقدمها للعالم انطلاقاً من تجربته الذاتية وأنْ توفر هذه الخبرات فرصاً ودروساً للتعلم من الاخرين والافادة من تجاربه.

تعمل اجندة التنمية المستدامة 2030 واهدافها على ضبط مسارات خارطة الطريق للدول كافة، والتي استشعرت بانها امام مسؤولية تضامنية واخلاقية ازاء تحقيق هذه الاهداف ورفع نسب انجازها من اجل ارساء اسس لعالم ينعم فيه الجميع بالعدالة والمساواة والازدهار المستدامة، مع الحفاظ على موارد الكوكب من الاستنزاف غير الكفوء وغير المنصف، بما يضمن حقوق الجيل الحالي والاجيال القادمة في العيش بجودة نوعية حياة عالية. لذا فإنَّ هذه الاهداف عالمية وغير قابلة للتجزئة ومتكاملة ومترابطة تتوخى الموازنة بين الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية المستدامة.

يمثل هذا التقرير اعلاناً عن استمرار المحاولة للعودة بالعراق الى الساحة الدولية قويا معافى ينعم بالأمن والسلام، ويتطلع لتحقيق التنمية التي تتوزع ثمارها على نحو عادل بين الفئات والمناطق من دون تهميش أو إقصاء. لذا سينطلق التقرير من الرؤية الوطنية 2030 التي تشكل منطلق الجهد التنموي فيه.

لقد تطوع العراق من بين 49 دولة([i]) ستقدم استعراض المنتدى السياسي رفيع المستوى في تموز (يوليو) 2019، لعرض تجربته الفريدة في التنمية من عمق الحرب والنزاع، والتشبث بالحياة والتقدم.

لذا فإنَّ هذا التقرير الذي يُعرض في المنتدى السياسي رفيع المستوى إنما يمثل عرضا لتجربة أمة قوية أبت الا أن تختار الحياة والتنمية، وتراهن على الانسان برغم الظروف التي مرّت بها؛ وخرجت للتو من صراع ضارٍ مع الإرهاب، أمة لم تنفك تفكر في التنمية حتى في ظل الحرب وضجيجها؛ وتظهر العزم والطموح على تحقيقها برغم ما تتطلبه من جهود استثنائية لتحقيق ذلك، وحماية حقوق الجميع في حاضرهم ومستقبل اجيالهم، وتؤكد الالتزام “بعدم ترك أحد في الخلف”.

 

1-1: السياق الوطني

العراق دولة عربية ذات اقتصاد ريعي يعتمد بشكل كبير على النفط، وهو يمتلك احتياطي يقدر بحوالي 148.8 مليار برميل (2016) الامر الذي يجعله يقف بالمرتبة الخامسة عالمياً. فيما يبلغ معدل احتياطي العراق من الإنتاج السنوي‎ 93.6 ‎عاماً، أي ما يقرب من ضعف المتوسط العالمي ‏البالغ 50.6 عاماً. ‏

داهمت التحديات الكبيرة خلال العقود الأربعة الأخيرة من تاريخ العراق البنى والموارد والمؤسسات مخلفةً إرثاً من العنف والحروب والفقر وانعدام الاستقرار وضعفاً شديداً للحكم والهشاشة المزمنة وفقدان للكثير من أسس السلام المجتمعي. وتفاقمت أوضاع البلد مع تفاقم الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية وفقدان التوجه الاستراتيجي في عملية التنمية وجهود إعادة الاعمار. ومع ذلك، يمتلك العراق فرص ضمان رفاه جميع مواطنيه، وتحسين أوضاعه الاقتصادية لما يمتلكه من الثروات الطبيعية والبشرية والثقافية. وبدلاً من أن تُسهم موارد النفط الضخمة في تنمية المجتمع والاقتصاد، أدت إلى تفاقم النزاع حول السيطرة على موارد الدولة وسلطتها ونفوذها، واسهمت في ايجاد الانقسامات داخل المجتمع، وعرضت الاقتصاد الكلي لمزيد من عدم الاستقرار. وقد أدى كل هذا إلى تدهور في مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية، فقد توفي عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين منذ عام 2003، ونزوح أكثر من 5 ملايين شخص، وان حوالي 20% من السكان يحتاجون الى المساعدة. كما يحتاج الأطفال الى عناية خاصة نتيجة للظروف الاستثنائية التي مروا بها لا سيما في مجتمع النازحين وسكان الريف، إذ يحصل جزء كبير منهم على التعليم والصحة بجودة متدنية. وتعاني النساء من ظروف فقدان الامن، وتراجع المكاسب اللاتي حصلن عليها خلال عمر الدولة الحديثة، إذ عانين مثلما عانى الرجال من فرص أقل في ميدان العمل وكسب الدخل. ويمكن توقع المزيد من المشكلات في ظل النمو السكاني المرتفع، الذي يوفر فرصة تتأتى من الهبة الديموغرافية على الرغم من تهديدها بالضياع في حال استمرار السياسات السابقة.

في عام 2015، حقق العراق المرتبة 121 من أصل 188 دولة في مؤشر التنمية البشرية، وسجل أقل من دول أخرى في المنطقة (لبنان 76، الأردن 86، وتونس 97). فقد اثرت عقود من الحروب والعقوبات الدولية والعنف وعدم الاستقرار السياسي والضغوط المالية بشدة في قدرة قطاعات الصحة والتعليم على تقديم الخدمات للناس. ولم تحقق مؤشرات صحة الأمهات والأطفال والتعليم في العراق الأهداف الإنمائية للألفية([ii]).

مع حلول الموعد المحدد للانتهاء من تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية عام 2015 كان العراق منشغلا في مواجهة التنظيمات الإرهابية وتداعيات انهيار أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، وقد تم تشخيص الحصيلة النهائية للإنجاز التنموي المتحقق في اطارها، والتحديات التي تواجه البلد في المرحلة الجديدة والفرص التي توفرها اجندة التنمية 2030 بوصفها إطار عملٍ ينبغي أن يستمر لعقد ونصف قادم. وعليه فقد اعدت الحكومة من خلال وزارة التخطيط العدّة للتواصل مع الأهداف وإيجاد السبل لتحقيقها عبر صياغة الخطط والاستراتيجيات المستجيبة لها، فضلاً عن العمل على اعداد رؤية العراق 2030.

هناك حاجة ماسة لتصحيح مسارات التنمية للعراق بعد خروجه من هذه الأزمات الاقتصادية والإنسانية. ويمكن للانتصار على التنظيمات الإرهابية أن يوفر فرصة تاريخية لتغيير مسار التنمية في البلاد نحو الاستدامة ووضع الانسان في محورها. الا أنَّ عودة السلام والأمن، وجهود إعادة الإعمار وتعزيز سلطة الدولة، وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي كلها تتطلب مزيدا من الانفاق العام والخاص، واستثمارا في المشروعات التنموية التي يحتاجها البلد، مع التركيز على المناطق المحررة والأكثر فقراً، لضمان ترسيخ أسس السلام الدائم في تلك المناطق.

 

1-2: العراق والتقرير الطوعي الاول

يسعى هذا التقرير الى تحقيق جملة من الأهداف الوطنية منها:

  • توكيد اعلان الحكومة عن استمرار الخطى نحو عودة العراق الى الساحة الدولية ويتطلع لتحقيق التنمية التي تتوزع ثمارها على نحو عادل بين الفئات والمناطق من دون تهميش أو إقصاء.
  • تشخيص التحديات التي تواجه تحقيق اهداف التنمية المستدامة، وبخاصة تلك التي ترتبط بخطة التنمية المستدامة، والتنافس المحتمل بينها وبين متطلبات الانفاق والاعمار الملحة وطنيا، في ظل بيئة غير مستقرة.
  • تقديم وصف موجز لعملية تحقيق اهداف التنمية المستدامة ومؤشراتها على المستوى الوطني، والخطوات التي ستتبعها الحكومة وشركاؤها في هذا الطريق.
  • تعزيز سياسات ومؤسسات المشاركة وترجمة الاهداف الدولية الى رؤية اهداف وطنية، تساعد على اتخاذ الاجراءات الكفيلة والقادرة على احداث التحول المنشود في إطار اهداف التنمية المستدامة 2030.
  • الترويج لخطة التنمية المستدامة وطنيا، واستثارة الرأي العام والحكومة وكسب دعمهم، ودعم المانحين والمنظمات الدولية التي يمكن أن تسهم في مساعدة العراق لتجاوز الصعوبات التي يواجهها.
  • توفير قاعدة بيانات موجزة لأهداف التنمية المستدامة، وتشخيص فجوة البيانات الموجودة من اجل توجيه الجهد الاحصائي المستقبلي لردمها بالبيانات المناسبة.
  • تقديم رصد رقمي للتقدم المحرز على طريق التنمية المستدامة وطنيا؛ وتشخيص الفجوات التي تعترض تحقيق أهدافها وغاياتها ، انطلاقا من الأولويات الوطنية. مع الأخذ بنظر الاعتبار المجهودات التنموية التي تقدمها خطة التنمية الوطنية والاستراتيجيات القطاعية التي تخدم تحقيق الكثير من الأهداف التي صيغت من أجلها والتي تتوافق مع رؤية العراق 2030.
  • مشاركة تجربة العراق مع تجارب البلدان الأخرى لتبادل الخبرات والتجارب إثراءً للخبرات الدولية.

 

 1-3: هيكل التقرير

يتضمن التقرير سبعة فصول، تناول الفصل الأول مقدمة التقرير عرض السياق الوطني والظروف العامة التي يمر بها العراق، واستعداده لإنجاز التقرير الطوعي الأول، وهيكلية هذا التقرير. وعرض الفصل الثاني للإجراءات المتخذة وطنيا بشأن اعداد التقرير، ومبادئه وعمليات المشاركة وادماج أصحاب المصلحة وأهم التحديات والدروس المستفادة منه. وسلَّط الفصل الثالث الضوء على الوثائق التي تدعم عملية استدامة التنمية وفي مقدمتها الدستور ورؤية العراق 2030 وخطة التنمية 2018-2022 والمنهاج الوزاري، فضلا عن التعرف على الإطار المؤسسي لعملية تحقيق اهداف التنمية المستدامة. وتناول الفصل الرابع التحديات التي تعترض تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتي تشمل: التحديات الاستراتيجية وتشمل: النمو السكاني، طبيعة الاقتصاد الريعية، عدم ‏الاستقرار السياسي، ضعف الأداء المؤسسي ومقومات الحكم الرشيد، وإعادة ‏الاعمار. والتحديات الأخرى التي تشمل: التغير المناخي، التغير العالمي ‏والإقليمي، فجوة النوع، تحدي البيانات، والتحدي التنفيذي للخطط.‏ فيما تناول الفصل الخامس التقدم المحرز وطنيا في مجموعة الأهداف المقابلة للأولويات الوطنية التي حددتها رؤية العراق 2030 والتي تشمل: بناء الانسان، الحكم الرشيد والمجتمع الآمن، تنويع الاقتصاد، والبيئة المستدامة، وتناول التقرير في الفصل السادس وسائل التنفيذ لأهداف التنمية المستدامة وطنيا وادوار الأطراف الشريكة في تحقيقها. أما الفصل الأخير والذي حمل عنوان (التطلع الى الامام) فقد أشار الى أن عملية اعداد التقرير وثماره ينبغي أن لا تنتهي بمجرد عرضه في المنتدى السياسي رفيع المستوى، وأن تستمر لما بعد ذلك الحدث الاممي عبر أنشطة متكاملة لتأمين استدامة الأهداف التي اعد التقرير الطوعي من أجلها.

 

التصنيفات : البحوث والدراسات