العراق والبحث عن المستقبل

منذ 5 أشهر
314

العراق والبحث عن المستقبل

د. حسن لطيف كاظم الزبيدي

د. عاطف لافي مرزوك السعدون

د. نعمة محمد العبادي

 

المقدمة

 

عجيب أمر هذا العراق، حليف للمأساة والحزن والألم والجروح منذ مئات السنين، ومع ذلك فان أهله كلما اشتد الخطب تجدهم يضحكون حتى في قمة المأساة، وكلما عصفت به الأحداث وقال الناس ذهب العراق ولن تقوم لأهله قائمة، فانه سرعان ما يقف منتصبا يستفز الجبال.

وبأدنى تأمل لأي لحظة من تاريخ العراق القديم والحديث، فانك تكتشف في أي مقطع زمني صغير جملة كبيرة من الأحداث المتناقضة والمتداخلة، فهو لم يعش لحظة من السبات والركود أو سيادة لون اجتماعي أو سياسي أو فكري واحد، فمجتمعه يزخر بالحركة وروح التدافع والبحث عن التغيير، وهي صفات للبسيط منهم والمثقف، حتى أنه يمكن الادعاء أنهم مدمنون سياسة، ونقدا، ومشاكسة في أحيان كثيرة. فهو بلد الانقسام بامتياز عبر العصور والأزمان، وهو مصاب بلعنة العنف فممالكه قامت على الحكم العسكري فشنت حروبا على البلدان المجاورة، وجعلت من البلد ساحة صراع دائم بين الشرق والغرب في التاريخ القديم.

وحتى في أيام الحكم الإسلامي فان ارض العراق شهدت أعنف الحروب مع القوى العظمى آنذاك، كما شهدت أرضه الأحداث الأكثر دموية في التاريخ الإسلامي والتي خلدت الانشقاق بين المسلمين. وتعاقب على سياسة الأمور فيه طغاة عصرهم ولعل النموذج الأبرز بينهم هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لم يعرف التاريخ طاغية مثله. وإبان الحكم العباسي الذي تلا الحكم الأموي اختلط التطور الحضاري بالانحدار السياسي فعرفت قصور بني العباس الدسائس والمكائد حتى بين الأخوة وقضى العشرات من الأمراء والخلفاء اغتيالا. وانتهى المشهد بآخر أكثر دموية عندما اجتاح المغول  العراق عام 1258م وسالت أنهاره بدماء ضحايا الغزو المغولي الذين قضوا على ثلثي سكان البلد.

وإذا كان هذا حال العراق في العصور الماضية، فان القرن الميلادي المنصرم شهد أعلى منحنيات تصاعد الأحداث وتغير المعالم وتبدل الأدوار وتحول المواقف، فمن ولايات تحت الاحتلال العثماني إلى الانتداب البريطاني إلى الدولة الوطنية في ظل ملكية لا تشابه كل الملكيات إلى انقلابات وثورات وانتفاضات، والقاسم المشترك في كل هذه التحولات هو اصطباغها بلون الدم  وصرخات الألم، واستمرار العنف السياسي سمة مميزة للعمل السياسي في العراق. فالبلد شهد أول استخدام للجيش في قمع الشعب، وأول انقلاب يقوم به العسكر، وأول حكومة تستخدم السلاح الكيمياوي ضد مواطنيها، فهو البلد الأول في صور العنف الموجه ضد شعبه، وهو الأول في إثارة الحروب والأزمات مع جيرانه، وهو الأول في أعداد المبعدين والمشردين قسرا أو اختيارا من أرضه…. وهي صور للسبق غير مشرفة.

كانت السنوات الأخيرة الأكثر دموية في تاريخ العراق، فما أن تحرر العراقيون من استبداد حكم البعث الذي حكم البلاد بالنار والحديد، واستباح كل شيء. وما أن احترقت آخر ورقة من تلك الفترة المظلمة حتى استفاق العراق على صفحة جديدة من الصعب توصيفها من شدة الصخب الذي ملأها، وتنافس الجميع على الفوز بمستقبل العراق، وكأن الجميع يصارع الجميع، وهم في ميدان كبير يشبه ميادين المجالدة الرومانية لكن حتى الجمهور عندنا مشترك في اللعبة الدموية في صراع دامٍ بين تيارات مختلفة وكل يسعى لتحقيق هدفه بوسائل متباينة من حيث شرعيتها وعقلانيتها ومقبوليتها حتى ممن يحسبون عليه. وفي وسط ذلك يبدو الشعب العراقي عالقا وسط معركة بلا أخلاق وقواعد، لا صوت فيها أعلى من صوت مفخخة تحصد بالموت المئات عند كل دوي انفجار.

وفي أثناء ذلك، حاولت  أطراف الصراع التشبث بما تملك من وسائل وتوسل ما تستطيع من أسباب لتحقيق أهدافها، وفي خضم ذلك انعكس الصراع على مستقبل العراق، دوليا وإقليميا ومحليا، سلبيا على أوضاع المجتمع في العراق، وكانت له نتائج مدمرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق. وهي آثار ستترك عواقب مدمرة على أكثر من جيل لاحق.

يمثل الكتاب الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم جهدا جماعيا يقوم على قراءة الواقع العراقي بكل تداعياته ويكشف عن جذوره عبر قراءة توخينا أعلى قدر من الموضوعية فيها، غير مكتفين بوصف المظاهر، محاولين تقصي الأسباب والنظر في النتائج، أملا في الوصول إلى هاجس الكتاب الأكبر، إلا وهو استشراف مستقبل البلد، وتشوف البدائل المتاحة في ظل صراع الأضداد والنقائض الجاري على الساحة عبر تحريك كم هائل من الوقائع والقوى التي ستعمل على تشكيل مستقبل البلد.

أملا في الوصول إلى أغراض الكتاب قسمت فصوله على ثلاثة عشر فصلا، مقسمة على جزأين، تناول الجزء الأول الساحة السياسية كما هي، وحدد نقطة الانطلاق عند لحظة استيلاء صدام حسين على السلطة منتصف عام 1979 ليدخل العراق في ظل حكمه نفقا مظلما، كلما سار فيه تقطعت أسباب العودة فاضطر العراقيون مجبرين إلى السير نحو المجهول علهم يبصرون ضوءً في نهاية ذلك النفق. وحتى عندما أبصروا ذلك الضوء لم يكن سوى قاطرة الاحتلال الأمريكي وهي متجهة نحوهم ! لذا فقد تناول الفصل وصول صدام إلى السلطة وتمكنه خلال زمن قياسي من إحكام قبضته على مفاصل الحكم وجعل الدولة والحزب في خدمة طموحاته. كما تناول الفصل مغامرات صدام ابتداء من الحرب العراقية الإيرانية، مرورا بغزو واحتلال الكويت، ثم إصراره على لعبة القط والفار طوال 13 عاما، وانتهاءً بحرب الخليج الثالثة التي أتت على الدولة وجعلت المجتمع العراقي مكشوفا أمام أعدائه.

أما الفصل الثاني فقد انزاح لينظر إلى تصرف المعارضة العراقية التي اختارت المنفى قسرا، ومحاولتها التوحد على صيغة مشتركة توحد المشتركات بينها، إلا أنها لم تتمكن من رصِّ صفوفها للإطاحة بالحكم واستبداله حتى عندما لاحت فرص كان فيها النظام في أشد حالات الضعف. كما نظر الفصل في الممانعات الداخلية ومحاولات بعض القيادات الثورة على الحكم الجائر.

وفي الفصل الثالث تناولنا فيه الاستعدادات لخوض الحرب الأخيرة على الجانبين العراقي والأمريكي، ثم تناولنا وقائع الحرب وما انتهت إليه. ومن اللافت للانتباه، ان القيادة العراقية فشلت وعلى نحو ذريع في فهم الخطط الأمريكية ومجمل الاستعدادات والتحركات الأمريكية التي كانت تشي بأن الأمريكيين قادمون لا محالة، فيما راهنت القيادة العراقية على تردد الإدارة الأمريكية واعتقاد تلك القيادة أن الأمر لا يعدوا الترهيب وجولة جديدة من اللعبة التي اعتادت ممارستها مع الأمريكيين.

وفي الفصل الخامس تناولنا مرحلة ما بعد الاحتلال والكيفية التي تصرف بها الأمريكيون لصياغة الدولة التي أتوا على بنيانها من القواعد. فتعرضنا إلى المشكلات التي رافقت لحظة الانهيار المدوي وفشل الإدارة الأمريكية في تصور أوضاع ما بعد الحرب، ثم الإجراءات التي اتخذها الحاكم الأمريكي السابق بول بريمر.

تناول الفصل السادس حقبة الحكم الانتقالي ومرحلة ما بعد تسلم السيادة وأملنا أن نصل بالقارئ إلى الوقت الحاضر. وهي مرحلة حساسة جدا، فقد استغرقت نتائج العملية السياسية التي وضع أسسها الحاكم الأمريكي، وأملت النخب السياسية العراقية في إتباعها خطوة خطوة دون إبطاء أو تبديل. ولعل استعجال تلك النخب زاد من تشوه تلك العملية، وجعل البلد مهيأً للدخول في أزمات سياسية ناتجة بالأساس عن الأخطاء الكامنة في العملية.

وفي الجزء الثاني المخصص في الأساس لاستشراف المستقبل نظرنا إلى القوى الفاعلة في صياغة مستقبل البلد، لذا توزعت فصوله على تلك القوى (الشيعة، السنة، الأكراد، العلمانيون، دول الجوار، الولايات المتحدة، وتنظيم القاعدة). والكيفية التي تصوغ فيها هذه المجموعات استراتيجياتها للفوز بمستقبل العراق.

فالشيعة العرب وقد وجدوا أن التغيير الذي استتبعه الاحتلال مناسبة لتعديل أوضاعهم السياسية والثقافية بعد عقود من القهر والاستغلال تعرضوا فيها لألوان العذاب على يد النخب الحاكمة في العراق. وقد عكست مشاركتهم الواسعة في الانتخابات والاستفتاء على الدستور ذلك التوق للتغيير، مع ذلك فان الساحة الشيعية تتوافر على تيارات متنوعة وأحزاب وكيانات لها رؤاها وأجنداتها للتعامل مع نتائج التغيير.

ولا يختلف الأكراد كثيرا عن الشيعة، سواء من خلال التعرض للقهر، أو محاولة اغتنام الفرصة، إلا إنهم يبدون في وضع أكثر راحة مما هو الحال بالنسبة لغيرهم، لذا فإنهم ماضون قدما في نيل المكاسب مستفيدين من عدم التوازن في العملية السياسية لصالحهم، لذا فأنهم باتوا طموحين جدا فيما يريدون.

أما السنة العرب فهم اليوم يعتبرون أكبر الخاسرين من عملية التغيير التي فرضت عليهم التراجع في هرم السلطة وفقدان مواقعهم التي احتفظوا بها طوال قرون. لذا فان تنوع الكيانات السياسية والدينية في المجتمع السني لا تعكس تنوع الخيارات السياسية أمامهم، وهم ما يزالون منفعلين بصدمة التغيير وبعض القناعات الخاطئة التي بنوها خلال سنوات الرخاء، لذا فان مفهومهم للمشاركة والاستحقاق السياسي يبدو أوسع من أن تستوعبه المجموعات الأخرى، وأضيق من طموحاتهم.

وفي الوقت الذي أعليت فيه الهويات دون الوطنية، يبدو العلمانيون العراقيون في موقف صعب، فقد كشفت جولات الانتخابات، إن دورهم في تراجع مستمر، وأنهم لم يتمكنوا من إبداع مشروع وطني يستوعب الجماهير التي نكصت إلى الولاءات دون الوطنية.

إذا كان لقوى الداخل ظروفها وأجنداتها في التعامل مع مستقبل العراق، فان لقوى الخارج أجنداتها أيضا، وإذا كانت القاعدة تقف في مقدمة المنافسين الخارجيين على مستقبل العراق، فان ذلك جاء نتيجة استماتتها في الفوز بهذا البلد لاتخاذه قاعدة انطلاق لنشاطاتها المناهضة للغرب.

كما أن الولايات المتحدة وقد دفعت ثمنا باهظا للاحتلال والبقاء في الميدان، فإنها ترغب في أن لا تذهب تضحياتها سدى، فهي لا تتصور عراقا بيد أعدائها، أو حتى بيد من لا تملك تأثيرا قويا عليه. لذا فإنها تصوغ إستراتيجيتها في العراق في ظل جملة من المتغيرات التي تسعى من خلالها إلى جعل العراق ساحة لمنازلة الإرهاب وحليفا استراتيجيا في المعركة الجارية كما في المعارك المحتملة لاسيما ضد من تصنفهم محورا للشر.

أما دول الجوار العراقي، فان لكل منها مشكلاته ورغباته، ومحاولاته لمد نفوذه إلى الساحة العراقية، وتتباين وسائل كل من هذه الدول ودوافعها، لكنها في الإجمال تلعب دورا سلبيا يزيد من تفاقم الأوضاع في العراق.

فيما اختص الفصل الأخير من هذا الجزء من الكتاب بصوغ المشاهد (السيناريوهات) المحتملة لتطور الأحداث، وفق منهج الاستشراف الذي يعتمد صوغ عدد من المشاهد ممكنة أو محتملة (مشروطة)، أو متصورة أو متخيلة وهنا لعب خيال الباحثين دورا في صياغة تلك المشاهد. وهي مشاهد تجمع بين المأمول والمحذور، بين التخويف من المستقبل الموحش، والأمل بالمستقبل الأمن.

تناول المشهد الأول مسارات الأحداث كما هي متجهة في الوقت الحاضر، لذا فهو مشهد اتجاهي يجمل التداعيات السلبية التي تعتمل في الوقت الحاضر والتي ينبأ المشهد بأنها ستضع البلد في أزمة سياسية حادة نتيجة تزايد حدة النزاعات بين الكتل السياسية داخل الحكومة وانسحاب قوى أساسية في الحكومة ومجلس النواب. وسيحتوي المشهد على جميع الآثار السلبية للتدهور الأمني والسياسي والاجتماعي.

فيما تناول المشهد الثاني الذي يمتد بالتداعيات التي ينطوي عليها المشهد الأول إلى أفق الاضطراب الشامل وتدهور العملية السياسية حتى انهيارها، ويناقش احتمالات تقسيم البلد إلى دولتين أو ثلاث دول ويعرض الخيارات المتاحة أمام القوى السياسية والدينية والاجتماعية إزاء عملية التقسيم.

أما المشهد الثالث فهو مشهد إصلاحي يقوم على افتراضات تشخص التوق العام للإصلاح والتغيير الايجابي ووجود رغبة حقيقية لدى جميع الفرقاء السياسيين من إخراج البلد من أزمته. ويرسم المشهد عناصر للإصلاح التي وجد المؤلفون أنها ضرورية لإصلاح العملية السياسية أملا في التعامل الايجابي مع الأزمة السياسية التي ضربت البلد والتي تقوم على ترسيخ أسس الديمقراطية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة التفكير في خلق مشروع وطني جامع، ومحاولة وضع الحلول للمشكلات السياسية العالقة كقضية النفط والمليشيات واجتثاث البعث.

وتأتي أهمية الاستشراف من إنه يضفي على تفكيرنا طابعا مستقبليا بما يمهد لنضجه، ويسمح للمجتمع بان يتخذ قرارات حاضرة واعية لما قد ينتظره في المستقبل. فالاستشراف يساعد على استطلاع النتائج والتداعيات المحتملة للقرارات الحاضرة على البدائل المستقبلية، فهو إذاً يساعد على التحكم في المستقبل، وجعله أفضل إلى حد أكبر. بمعنى آخر يمكن الادعاء، بأن الدراسات المستقبلية تساعد المجتمع على صنع مستقبل أفضل وذلك بفضل منافعها التي تتضمن الكشف عن التحديات والمشاكل التي يحتمل أن يواجهها المجتمع واقتراح بعض الحلول لها في ضوء إمكانات المجتمع وموارده وطاقاته الظاهرة والكامنة وخارطة الصراع والمنافسة بما يمهد لاكتشاف مسارات جديدة يمكن لها أن تحقق ما يصبو إليه المجتمع المعني؛ وبالتالي بلورة الخيارات الممكنة والمتاحة وعقلنة المفاضلة بينها من خلال تحديد تقريبي لما قد يترتب على تلك الخيارات من نتائج. لذا فإن محاولتنا لاستشراف مستقبل العراق واستراتيجيات الجماعات والدول للاستئثار بمستقبل البلد نطمح في أن يوفر إثارة للباحثين في أن يعملوا أقلامهم في هذا الميدان ويؤسسوا قاعدة معلومات مستقبلية مهمة وشاملة لأوضاع المجتمع العراقي الحاضرة والمستقبلية تسمح لمتخذي القرارات أن يُرشدوا قراراتهم، كما يهيء لهم الإطلاع على تصورات النخب المثقفة ورغبات الجماهير المتضمنة في تلك الرؤى والتصورات.

 

ومن الله التوفيق

 

التصنيفات : الكتب المؤلفة
الكلمات المفتاحيه :