البطالة في العراق: المظاهر، الآثار وسبل المعالجة

بواسطة عدد المشاهدات : 34202
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
البطالة في العراق: المظاهر، الآثار وسبل المعالجة

يسعى هذا البحث إلى تحديد إطار سياسي لمعالجة البطالة يقوم على أساس حزمة من السياسات الهادفة إلى إصلاح سوق العمل، وتعزيز النشاط الخاص المستوعب للمزيد من العمالة، وتقليل وطأة ما يمكن تسميته الآليات المولدة للبطالة وهي: التدهور الأمني، تباطؤ الإعمار، محدودية النشاط الخاص، ضخامة حجم الدولة. وترتكز المعالجة على دعم القطاعات المستوعبة للعمالة وإصلاح القطاعين الزراعي والصناعي باتجاه زيادة نسبة مساهمتهما في الناتج والتشغيل.

البطالة في العراق: المظاهر، الآثار وسبل المعالجة

 

أ.م. د. حسن لطيف كاظم الزبيدي*

 

 

أولا: الخلاصة والمقدمة

 

لم تحقق السياسة الاقتصادية الهادفة إلى الحد من ظاهرة البطالة إلا القليل من النجاحات والكثير من الإخفاق، فقد أدت سياسة توسيع القطاع العام واستيعاب نسبة مرتفعة من قوة العمل، إلى ترهل هذا القطاع واستفحال ظاهرة البطالة المقنعة. كما إن رسم السياسات وتنفيذها كان في الغالب دون تقويم جدي ومتابعة دقيقة ومراجعة لنتائجها. إن اتجاه الدولة نحو تعزيز القطاع الخاص ومنحه محفزات ومناسبات للعمل والنمو في ظل اقتصاد مضطرب يتزايد إلحاح المؤسسات الدولية لتحريره بحجة جدولة الديون وخفضها تقلل من الأدوات المتاحة لمعالجة البطالة، كما إنها تفرض صعوبات حقيقية فيما يتصل بنتائجها وآثارها على المشمولين بها.

تعتبر البطالة واحدة من أخطر المشاكل التي يواجهها العراق فعلى رغم إن ارتفاع عدد العاطلين عن العمل يمثل هدرا في عنصر العمل البشري، فإن للبطالة نتائج اجتماعية وسياسية واقتصادية خطيرة.

إن خصوصية ظاهرة البطالة وفرادتها تأسيسا على فرادة الوضع العراقي، تفرض على صانع القرار الاقتصادي إيجاد حلول استثنائية للتعامل مع الظاهرة، لأنها تتعلق بالواقع الاقتصادي والسياسي والأمني في البلد، فضلا عن تعلقها، كظاهرة اقتصادية- اجتماعية، بالبنى الاقتصادية الاجتماعية السائدة، وهيكل الاقتصاد وأهمية القطاعات وأنماط التعليم والتدريب والفنون التكنولوجية.

يسعى هذا البحث إلى تحديد إطار سياسي لمعالجة البطالة يقوم على أساس حزمة من السياسات الهادفة إلى إصلاح سوق العمل، وتعزيز النشاط الخاص المستوعب للمزيد من العمالة، وتقليل وطأة ما يمكن تسميته الآليات المولدة للبطالة وهي: التدهور الأمني، تباطؤ الإعمار، محدودية النشاط الخاص، ضخامة حجم الدولة. وترتكز المعالجة على دعم القطاعات المستوعبة للعمالة وإصلاح القطاعين الزراعي والصناعي باتجاه زيادة نسبة مساهمتهما في الناتج والتشغيل.

 


ثانيا: نظرة إلى أوضاع الاقتصاد العراقي

منذ ثمانينات القرن الماضي تزايد اعتماد العراق على قطاع النفط، والتوسع غير المستدام لقطاع الخدمات غير المنتجة وبخاصة تلك المتصلة بالمؤسسة العسكرية، مترافقا مع إهمال القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة، وإهمال الاستثمار الإنتاجي في النشاطات المدنية وتزايد سيطرة النخبة الحاكمة على مؤسسات الدولة. وقد تفجرت مشكلة البطالة مباشرة عقب انتهاء الحرب العراقية -الإيرانية مع تسريح ما يقرب من مليون مجند، ليدخلوا سوق العمل دون مهارات تؤهلهم للحصول على عمل ذي دخل مجز.

وفي ظل العقوبات الاقتصادية تقيدت قدرة الاقتصاد العراقي على توليد فرص عمل كافية لتشغيل العرض الكبير من القوة العاملة مما أنتج معدل بطالة أخذ يرتفع باستمرار مع فقدان القطاع العام لجاذبيته في التوظيف خلال السنوات (1991-2002).

كان الاقتصاد العراقي عشية الغزو الأمريكي يئن تحت وطأة الظروف القاسية ويعيش في أسوأ حالاته. فقد كان اقتصاد محطما بفعل سنوات من الحروب الداخلية والخارجية والعقوبات والإدارة السيئة وتوقف عملية التنمية وإهتراء البنى التحتية ومؤسسات القطاع العام وتضاؤل الفرص أمام النشاط الخاص. وبعد سقوط النظام السابق تفاقمت الأوضاع الاقتصادية وخلق العنف وسيادة الفوضى الأمنية في أنحاء مختلفة من البلد تعطيلا شبه كامل للخدمات العامة وأدى إلى حدوث نقص حاد في الإنتاج المحلي وتوقف شبه تام في إعادة الإعمار.

وخلال كل تلك السنوات ورغم الصعوبات تعايش في الاقتصاد قطاعان متمايزان، فإلى جانب القطاع العام كان هناك قطاع خاص حقيقي يوظف ثلثي اليد العاملة، إلا إن معظم تلك الوظائف كانت في اقتصاد الظل الذي تطور الذي تسارع نموه خلال التسعينات.

ومع أن العمليات العسكرية أحدثت ضررا ضئيلا بالبنية التحتية إلا إن أعمال السلب والنهب التي رافقت الغزو أحدثت معظم الخراب الذي طال هذه البنى. وفي ظل الظروف الصعبة التي برزت بعد الحرب مباشرة، أعدت سلطة الائتلاف المؤقتة والحكومة العراقية المؤقتة تصورا لإعادة إعماره يرتكز على هدفين هما([1]):

·        إعادة ترميم البنى الإنتاجية في قطاعات السلع والخدمات؛

·        القيام بإصلاحات اقتصادية هيكلية لإرساء أسس اقتصاد السوق.

 

في ظل الاحتلال تدهور أمن المواطن واستبيحت حياته مجدداً. وبسبب فشل سلطات الاحتلال في ضمان الأمن والاستقرار شهد العراق انفلاتاً أمنياً غير مسبوق، وانتشرت أعمال القتل والإرهاب في معظم أرجاء العراق([2]). لقد غيَّر الاحتلال الراهن ونتائجه سلم أولويات المشكلات التي يعاني منها الشعب العراقي، وباتت التهديدات الأمنية هي أكثر المشكلات إلحاحا، بل باتت محور لمشكلات أخرى في وقت تحاول الدولة العراقية فيه اكتشاف قدراتها على العمل في بيئة شديدة الخطورة، وخلق نظام سياسي يمكنه أن يلبي متطلبات الناس على الصعيد الوطني.

فرضت هذه الظروف الاستثنائية على سلطات الاحتلال والحكومات العراقية المتعاقبة مواجهة الفوضى الاقتصادية التي أنتجتها الحرب وتفاقم التدهور الأمني، وقادت الأخطاء السياسية والاقتصادية إلى مزيد من الفوضى الاقتصادية. فالأهداف التي أعلنت من جانب سلطة الائتلاف لم تحقق فتدهور امن الإنسان وزادت حالات البؤس والفقر وتراجعت مؤشرات النمو الاقتصادي وتفاقمت حدة بعض المشاكل كالبطالة والنقص في الطاقة. كما إن السير المتعجل نحو اقتصاد السوق لم يؤد إلى زيادة فاعلية تخصيص الموارد، وإنما قاد إلى تدهور حاد الطلب المحلي على عناصر الإنتاج مع إغراق السوق المحلية بالسلع الأجنبية، وتدهور الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، لان معظم الزيادة الحاصلة في الإنتاج القومي مصدرها إنتاج وتصدير النفط الخام في ظل الارتفاع المواتي في الأسعار.

تشير البيانات المتاحة إلى ارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي جاء نتيجة الارتفاع في أسعار النفط، ذلك إن قطاعات الاقتصاد الأخرى لم تلحق بالنمو الذي حققه قطاع النفط حيث بلغ معدل نموها الحقيقي عام 2004 بحدود 8.4 % مقابل انخفاض بنسبة 28 % عام 2003. وقد يعود ذلك إلى استمرار حالة الصراع والتخريب وانعدام الأمن وعدم الاستقرار السياسي التي أثرت سلباً على توقعات رجال الإعمال والمستثمرين وعلى مجمل النشاط الاقتصادي([3]).

على ما يبدو أن العراق، ومنذ الغزو الأمريكي، قد ظهرت عليه أعراض «المرض الهولندي» مجددا بعد اختفائها بسبب العقوبات الاقتصادية، فقد أدى انتعاش الاقتصاد النفطي إلى زيادة الواردات الأجنبية، وفقد منتجو السلع الزراعية والصناعية قدرتهم على منافسة السلع الأجنبية الرخيصة، وأدى ذلك إلى منع نمو استثمارات خاصة داخل الاقتصاد، وقلص بالتالي إمكانية خلق فرص عمل جديدة.

لقد أثرت سياسة الانفتاح الاقتصادي غير المنضبط على العالم الخارجي إلى زيادة في الميل للاستيراد بسبب قصور العرض المحلي وتزايد الطلب على السلع والخدمات الجديدة. وقد قدرت نسبة زيادة الاستيرادات بحوالي 65.6 % عام 2004 مقارنة بعام 2002 دون أن ينعكس ذلك على حالة الإنتاج المحلي، وخاصة الصناعي، الذي استمر معطلاً بسبب الخراب الذي أصابه خلال الحرب وحالة النهب والسلب بعد ذلك من جهة، وعدم قدرته على المنافسة أو مواصلة الإنتاج لأسباب عديدة منها: الدمار الذي أصاب هذه المنشآت، وتقادم خطوط الإنتاج والمعدات الإنتاجية، وعدم توفر الأمان والاستقرار، وشح الطاقة الكهربائية، وعدم كفاية المنتج منها لسد حاجة الاستهلاك المنزلي من جهة ثانية([4]).

إن طبيعة الاقتصاد والحال التي وصل إليها هي أبرز مسبب لتفاقم أزمة البطالة في البلد، فالتدمير الهائل الذي أصاب الاقتصاد بفعل الحروب وسنوات الحصار العجاف، وتوقف عمليات الإنتاج، والتدهور الأمني أدى إلى توقف شبه كامل للإنتاج القومي، الأمر الذي أثر سلبا على نشاط الأعمال في اقتصاد استمرت الفرص والمبادرات الخاصة تضيق وتتقلص فيه باستمرار. فالاقتصاد العراقي يقدم صورة متطرفة للكيفية التي أدت فيها عائدات النفط في زيادة تخلف بينية القطاعات الاقتصادية الأخرى وخاصة الصناعة والزراعة والتجارة الداخلية وفي تشويه هيكل التجارة الخارجية.

 

ثالثا: مؤشرات البطالة في العراق

لعل الملاحظة التي تسجل على مسوحات التشغيل والبطالة المجراة منذ عام 2003 هو تباينها من حيث تعريف البطالة. فعلى سبيل المثال استخدم مسح الأحوال المعيشية تعريفا متحفظا لمعدل البطالة، يستند أساسا إلى معايير منظمة العمل الدولية (ILO) ، لذا قدر هذا المسح معدل البطالة بحوالي 10.5% مثلما قدم نسبة منخفضة لمعدل النشاط الاقتصادي مقارنة بمسوحات التشغيل والبطالة المنجزة قبله([5]).

واستنادا إلى تعريف منظمة العمل الدولية الأشخاص الذين يعملون أقل من 15 ساعة أسبوعيا على أنهم عاطلون عن العمل. ويعود جزء من الفارق بين التقديرات إلى طبيعة الأسئلة في استمارات الاستبانة الخاصة بكل مسح. ذلك أن مسح الأحوال المعيشية يسأل المستطلعين عن استجاباتهم حول نشاطاتهم خلال المدة المرجعية، بينما تسألهم مسوحات التشغيل والبطالة أن يصنفوا كمشتغلين أو عاطلين أو غير نشيطين، وهي ما تقود إلى قياس أعلى لمعدل البطالة حيث أن الشخص الذي يعمل أكثر من 15 ساعة يستمر في تصنيف نفسه كعاطل عن العمل إذا كان العمل غير نظامي، أو أن أجوره متدنية، أو لا يتناسب مع مهاراتهم، أو لأية أسباب أخرى. ويحصل العكس عندما يبلغ الشخص أنه يعمل في مسح التشغيل والبطالة يكون مصنفا كعاطل في مسح الأحوال المعيشية. وعليه يقدر بعض الباحثين أن ذلك قد أحدث فارقا بين التقديرات، فإذا اعتمدنا تعريف منظمة العمل الدولية في مسح الأحوال المعيشية فان معدل النشاط الاقتصادي سوف يرتفع من 41.4% إلى 44.9%، ويصل معدل البطالة إلى 18.4% بدلا من 10.4%. أما إذا اعتمدنا التعريفات المعتمدة في مسح التشغيل والبطالة (2003 و 2004) فان معدل النشاط الاقتصادي يرتفع إلى 44.9% والبطالة إلى 22.5%([6]). مع ذلك فقد جرى استبدال السؤال الخاص بالقوى البشرية الذي يسأل المبحوثين (( خلال الأيام السبعة الماضية ما هي الحالة العملية لـ(الاسم)؟ يعمل، عاطل يبحث عن عمل (سبق له العمل)، عاطل يبحث عن عمل (لم يسبق له العمل)،  ربة بيت تعمل بدوام جزئي، عاطل لا يبحث عن عمل، طالب متفرغ، متفرغة للأعمال المنزلية، متقاعد يعمل، متقاعد لا يعمل، متغيب عن العمل، غير قادر على العمل، لا يرغب في العمل، أخرى))([7]) بالسؤال عن ((خلال الأيام السبعة الماضية هل عمل (الاسم) حتى ولو ساعة واحدة في أي عمل مقابل أجر سواء في مصلحة يملك جزءً منها أو في مصلحة للأسرة دون أجر (كالعمل في مزرعة أو بقالة،...) أو أي عمل آخر))([8]). رغم إقرار مسح الأحوال المعيشية بان اعتماد معدل البطالة القياسي لا يعبر عن حالة البطالة في العراق، وأن حالة البلد تقع ضمن ما يسمى بحالة البطالة المتراخية (relaxed) ((حيث يكون معيار البحث عن العمل متراخيا – ليعالج الحالات التي تكون الطرق التقليدية فيها للبحث عن عمل محدودة المعنى، وحيث يكون سوق العمل غير منظم أو مجاله محدود، وحيث يكون امتصاص العمال غير كاف حينها، أو أن يعمل جزء كبير من القوى العاملة لحسابهم الخاص))([9]). وقد يقع القارئ هنا في لبس أن تفاوت التقديرين (القياسي والمتراخي) هو ما أدى إلى هذا الاختلاف الكبير بين التقديرين، إلا إن الفحص يشير إلى إن الفارق بالدرجة الأساس إلى التعريف المتبنى للعاطل والسؤال الذي يوجه للمبحوثين([10]).

من جهة أخرى، فان تعريف المنظمة لا يشمل الأشخاص المحبطين، أي أولئك الأشخاص الذين لا يبحثون بجد واجتهاد عن وظيفة. ومنشأ الإحباط في حالة العراق ناتج عن فقدان الأمل في الحصول على وظيفة نتيجة نقص فرص العمل. كما التعريف أعلاه يهمل البطالة المقنعة([11]).

 

منذ عام 2003 أجريت العديد من مسوحات للبطالة أشارت إلى انخفاض معدلاتها العامة في البلد من حوالي 28% عام 2003 إلى 17.5% عام 2006. لكن هذه الأرقام تخفي تباينات مرعبة بين المناطق الحضرية والريفية وبين المحافظات، تبعا لمدى تأثر هذه المنطقة أو تلك بمفاعيل توليد البطالة، وطبيعة اقتصادها. لكن تبقى تلك الفروقات وعدم المساواة بين المناطق أكثر خطورة من انعدام المساواة بين الطبقات الاجتماعية في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية بكل ما يحمله تعبير «المرحلة الانتقالية» معنى يؤشر التحول العميق في البنى والمؤسسات والقيم.

 

جدول (1)

 

 

معدلات البطالة في العراق مقارنة بالمعدل العام حسب الجنس للسنوات (2003-2011)

السنة

مجموع

ذكور

إناث

مجموع

2003*

30.2

16.0

-->
الأكثر مشاهدة