الإسلام والتنمية الاقتصادية: سعة المضمون وتكامله

بواسطة عدد المشاهدات : 312404
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الإسلام والتنمية الاقتصادية: سعة المضمون وتكامله

يسعى هذا البحث إلى التعرف على مفهوم التنمية ومضمونها في الإسلام، ورصد العناصر الأساسية فيه، وتبيان الأسس التي تقوم عليها، ومحورية دور الإنسان فيها، بوصفه غايتها النهائية، وكذلك دور الدولة بوصفها صانعةً للتنمية ورقيباً بما تملكه من أدوات ومؤسسات وما تقدم عليه من سياسات.

 

الإسلام والتنمية الاقتصادية: سعة المضمون وتكامله

 

أ.م.د. حسن لطيف كاظم

جامعة الكوفة- كلية الإدارة والاقتصاد

المقدمة

 إن مفهوم التنمية ذو فروع، كما يعد مفهوماً فاعلاً تقاس به مراتب الأمم والدول في سلم تصاعد التقدم، ودرك الهبوط والتخلف والتأخر، واقترنت به اصطلاحات أخرى مثل الدول المتقدمة والدول النامية، الدول الآخذة بالنمو، الدول المتخلفة، فأحدثت هذه التصنيفات حوارات جادة تحولت في مرحلة ما إلى صراع حول الأسماء والمسميات ومدى تحيزها، وكوامنها الأيديولوجية.

على الرغم من عدم وجود نموذج منزل للتنمية سواء الاقتصادية أم السياسية أم الاجتماعية في الإسلام، إلا أن الشريعة الإسلامية حددت على نحو دقيق الممارسات المنبوذة والمحرمة، ورسمت حدود الممارسات العملية. كما رسمت الإطار العام لتحرك الأفراد والمجتمع والدولة نحو تحقيق الغايات التنموية في ظل مفاهيم الاستخلاف والعمارة والتمكين والإحياء، حتى يمكن الادعاء أن مفهوم التنمية ومضمونها في الإسلام أوسع من نظيره الوضعي، ولئن إلتفت الأدب التنموي مؤخرا إلى وضع الإنسان قريبا من محور التنمية، فان الإسلام قد جعل الإنسان محورها وغايتها بما كرمه الله وسخر له الموجودات وأمره بالعدل والإحسان والعمل بضوابط الشريعة، سواءً في تعامله مع أخيه الإنسان، أو حتى مع البيئة والحيوان.

لذا فان زيادة البحث في المفاهيم الإسلامية عموماً، وفي تلك المرتبطة بالتنمية خصوصاً، له أهمية كبرى، من خلال مساهمته في لفت الانتباه للكيفية التي عالج فيها الإسلام القضايا الاقتصادية، وأثراها بمنحها بعدا إنسانيا، ظل بعيدا عن علم الاقتصاد الوضعي حتى أواخر القرن العشرين.

يسعى هذا البحث إلى التعرف على مفهوم التنمية ومضمونها في الإسلام، ورصد العناصر الأساسية فيه، وتبيان الأسس التي تقوم عليها، ومحورية دور الإنسان فيها، بوصفه غايتها النهائية، وكذلك دور الدولة بوصفها صانعةً للتنمية ورقيباً بما تملكه من أدوات ومؤسسات وما تقدم عليه من سياسات.

 تطور مفهوم التنمية

إن لعبارة Development في اللغة الانجليزية معنيين متقاربين في اللغة العربية هما: التطور والتنمية. والفرق الجوهري بينهما هو إن التطور تغير ذاتي، في حين ينصرف معنى التنمية إلى التغيير المتعمد أو القصدي الذي يحصل.

وكان أول استخدام لكلمة تنمية بالمعنى المعاصر من قبل يوجين ستيلي Eugene Staly عام 1939. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كان اصطلاح التنمية الاقتصادية يعني تقريبا نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأقل نمواً. وفي عام 1947 ورد في إحدى وثائق الأمم المتحدة ما يفيد توسيع مفهوم التنمية ليشمل الرفاه القومي. وفي عام 1957 أكد غونار ميردال إن التنمية الاقتصادية هي «ارتفاع مستويات المعيشة للناس العاديين»([1]).

آمن الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي بقوى السوق وقدرتها على تخصيص الموارد الإنتاجية النادرة بكفاءة، مع تعظيم نمو تلك الموارد وزيادتها عبر الزمن، حتى يمكن الاستمرار بالإنتاج في الحاضر والمستقبل. لهذا فان علم الاقتصاد درج على ربط نظرياته بواقعه، حيث النظم رأسمالية خالصة، وذات أسواق تتسم بالمنافسة العالية، وحيث المستهلك والمنتج يتصفان بالرشادة، فيما يتعلق بقرارات الاستهلاك والإنتاج، والادخار والاستثمار. وعلى هذا الأساس، لم ينشغل اقتصاديو المدرسة الكلاسيكية والنيوكلاسيكية بالتنمية بقدر انشغالهم بالنمو.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، احتكرت التفكير في قضية التنمية الاقتصادية تلك التيارات الفكرية المستمدة من علم الاقتصاد الكلاسيكي بفرعيه الرأسمالي والاشتراكي. مثلت النظرية الماركسية – اللينينية الينبوع الأول الذي استقى منه التفكير التنموي (الاشتراكي) مضامينه الفكرية. وقد تم إثراء هذه المضامين من التجربتين السوفييتية والصينية. إلى جانب الاجتهادات الفلسفية والاقتصادية لعدد من الماركسيين كان أبرزهم على صعيد الفكر الاقتصادي: ارنست ماندل، شارل بتلهايم، موريس دوب، بول سويزي، وبول باران. وكانت عملية التنمية وفق هذا الفكر باعتبارها تنمية اقتصادية في قوتها الدافعة تقوم على محورية القطاع الصناعي، وأولوية التقدم التكنولوجي فيه، حيث يلعب تراكم رأس المال، وتعظيم الادخار، وتوسع نطاق الاستثمارات المنتجة دوراً أساسياً في العملية التنموية. وعليه فان التخطيط المركزي الشامل يعد الأداة الضرورية لتحقيق أهداف التحول الهيكلي التصنيعي، وما يرتبط به من تحول اجتماعي، في ظل السيطرة العامة على وسائل الإنتاج.

ومن جهتها ركزت نظرية التبعية تحليلاتها على تفسير الفشل الاقتصادي لبلدان العالم الثالث، ممن رفضوا أفكار مدرسة التحديث القائلة أن وهن التنمية يمكن أن يعزى إلى عجز في قيم التحديث الملائمة وان التعرض لأثر الدول الصناعية المتقدمة يمكن أن ينتج آثارا ايجابية على بلدان العالم الثالث.

ومن جهته، ترك الفكر الاقتصادي الرأسمالي بصماته القوية على نظرية التنمية من خلال مفهومين هما:

الترادف بين النمو (Growth) والتنمية: فاستخدم الكتاب الرأسماليون أي منهما بديلاً للآخر، معتبرين أن الهدف النهائي لكليهما لا يختلف وهو زيادة الدخل الفردي، وهو ما يظهر جليا في النظريات التي تأثرت بالفكر الكينزي، وفي مقدمتها نظرية هارود- دومار.

الترادف بين التنمية والتحديث: واعتبار مسار التطور الأوروبي والغربي عموماً، هو المسار الأمثل للتنمية الذي ينبغي أن تسلكه البلدان الساعية لتحقيق التنمية في أفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما يجد صداه الواضح في نظرية مراحل النمو التي وضعها روستو ولقيت رواجاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية الغربية. كما تبلورت مفاهيم متنوعة حولهما ومراحل النمو على أيدي كتاب مرموقين أمثال آرثر لويس وكندلبرغر وجون كينيث جالبريث.

وبهذا فالفكر الاقتصادي بات يحتوي على مجموعتين من النظريات، تتحدث المجموعة الأولى عن النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة، وتحتوي المجموعة الثانية على نظريات اقتصادية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية تبحث في ظروف التنمية الاقتصادية في دول العالم الثالث واستراتيجيات التنمية الخاصة بها، ونادت معظمها بضرورة تدخل الدولة والبحث في السياسات الاقتصادية المثلى التي تخلق التنمية الاقتصادية([2]). إلا أن تفرقة أساسية بين النمو والتنمية نشأت في الفكر الغربي، ولقيت رواجا متزايدا في سبعينات القرن الماضي، مؤداها أن الفارق بين المفهومين هو درجة التغير الهيكلي في الاقتصاد المعني. فكان لنظرية التغير الهيكلي تأثير كبير في تعميق الجانب التحليلي والتطبيقي للفكر التنموي، وخصوصا من خلال أعمال سيمون كوزنتس وهولس تشينيري.

«إن مفهوم التنمية يختلف من مجتمع لمجتمع آخر, كما تختلف مستوياته من شعب لآخر, ولذا فمن الصعب جداً إيجاد تعريف متفق عليه بين علماء  التخصص, ولكن المتفق عليه أن للتنمية سمات مشتركة لا تختلف من مجتمع لآخر, مثل استهداف الرخاء الاقتصادي ومثل تعبئة الموارد والطاقات لانجازها, إلا أنها من جانب آخر عملية متمايزة من حيث مفهومها وأهدافها»([3]). وان قصرها البعض على مجرد زيادة الدخل القومي الحقيقي للجميع على مدى من الزمن بشكل يسمح له بالتطور ومتابعة الارتقاء.

إلا إن علماء الاقتصاد بدأوا بالتركيز على اصطلاح التنمية الاقتصادية، والتأكيد على الأبعاد الاقتصادية في التنمية، معتمدين على الإحصاءات التي تضعها الحكومات والهيئات المختصة مركزين على مفهوم النمو الاقتصادي. فركزوا على الجوانب الكمية في التنمية دون مراعاة للجانب الاجتماعي فيها.

          شهد منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي بداية مراجعة نقدية لمفهوم التنمية ونماذجها كرد فعل لازمة جهود التنمية في العالم الثالث التي فضحت قصور الأبنية النظرية والتنفيذية لبرامج التنمية([4]).

لقد أثرت الثورة الليبرالية التي انطلقت أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات في بريطانيا والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في صياغة رؤى بديلة للتنمية في بلدان العالم الثالث، لتطرح أن تحقيق التنمية يتأتى من خلال حرية الأسواق، والاقتصاد المفتوح، والقضاء على المشروعات العامة غير الكفوءة. وقد تبنى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هذا التوجه، وكانت الوصفات التي يوصي بها خبراؤهما في إطار برامج الإصلاح والتكييف الهيكلي تعبيرا عن هذه الرؤية.

ولئن كانت الثمانينات قد تأثرت بالفكر الليبرالي، فان التسعينات أفرزت بروز مفاهيم جديدة، في مقدمتها مفهومي التنمية البشرية التنمية المستدامة، وقد ركز الأول على محورية دور الإنسان في العملية التنمية، واتجه إلى اعتبار التنمية البشرية تنمية للناس وبالناس ومن أجلهم، ولعل الانجاز الأبرز في هذا المجال هو إبداع مقاييس جديدة للتنمية تتجاوز القصور الذي يعاني منه مفهوم الدخل القومي بوصفه مؤشرا وحيدا للتنمية. أما مفهوم التنمية المستدامة فقد أقر ببطلان مفهوم التنمية بمحتواها التقليدي، إذ يوضح أنها كانت تنمية مؤقتة ينقصها عنصر الاستدامة. لذا فإن محور مفهوم التنمية المستدامة هو الحفاظ على البيئة ووقف تدهورها واختلال عناصرها، وكذلك الحفاظ على العلاقة المتوازنة بين الأجيال، بحيث تستطيع التنمية الاستجابة للحاجات الحاضرة دون التضحية بقدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لاحتياجاتها.

مما لا شك فيه أن مقولة التنمية هي أوسع من أن نقصرها على علم بذاته، مثلما أننا لا نستطيع أن نفصل بين ما هو اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أو ثقافي في عملية التنمية، وذلك لترابط أنساقها وتأثرها ببعضها البعض بحيث يصعب ذلك في الواقع. إلا إننا من الناحية النظرية يمكن أن نصنف التنمية بإضافة معينة لها: اقتصادية، سياسية، اجتماعية، وذلك أملاً في التوصل إلى فهم أوضح لأبعادها ومضامينها المتعددة. فالتنمية مفهوم شامل ومعقد لأنها تشمل الإنسان وعلاقاته مع غيره وبيئته. لذا ينصرف مفهوم التنمية المستدامة إلى توكيد ثلاث أولويات هي: الحفاظ على البيئة، الاستخدام المستدام للموارد، والحفاظ على التنوع الحيوي. وقد عرفت التنمية المستدامة على أنها «التنمية التي تستجيب إلى حاجات الحاضر دون تهديد قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة».

 إشكالية مفهوم التنمية

يعد مفهوم التنمية من المفاهيم الإشكالية، وأهم مواضعه الإشكالية تنصرف إلى إن محدوديته جاءت بسبب اقتصاره على البعد الاقتصادي عند ظهوره الأول، ثم تحركه ليتخذ أبعاد الحياة المختلفة، فتحرك إلى اطر أوسع من الحقول المعرفية، جعلته أحد فروعها المهمة، لذا فظهرت: التنمية الاقتصادية، التنمية الاجتماعية، التنمية السياسية، التنمية الثقافية، التنمية الأخلاقية... الخ. لذا وصف بأنه أحد نماذج الدراسات البينية التي انتشرت على حواف العلوم المختلفة، فاحتل مفهوم التنمية مكانة معتبرة فيها.

يتضمن مفهوم التنمية، كما هو حال المفاهيم الحضارية الأخرى، رؤية للعالم، رغم اقترانه منذ بداياته بعمليات وإجراءات واليات ومراحل وخطوات.. وما إلى ذلك. إلا إن مفهوم التنمية اخذ يتسع من الاقتصاد ليتعامل مع أسئلة كلية، حتى صارت التنمية ترجمة لكل الجهود المبذولة لبلوغ المجتمع الفاضل. إن التنمية هي عملية تطور تضرب جذورها في كل جوانب الحياة وتفضي إلى مولد حضارة جديدة، أو مرحلة جديدة من مراحل التطور الحضاري. فهي ثمرة التفاعل المستمر بين الأسس المادية والفكرية للتنمية.

          يقع مفهوم التنمية في إطار السياق التاريخي الذي تقع فيه تجربة المجتمع بمعطياته الاقتصادية والاجتماعية- الثقافية والسياسية، وبمستويات أدائه ومؤسساته، والتحديات التي يجابهها والأهداف التي يضعها لنفسه. فالعملية الإنمائية الشاملة ينبغي أن تكون معنية بجوانب الحياة الاجتماعية المواكبة للجوانب الاقتصادية. فالتنمية تتطلب تداخل عدد من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية والسياسية ضمن آلية معقدة، ليس من السهل تبيان طريقة عملها وتفاعل أجزائها([5]). كما أن التنمية بصورتها ومقاصدها المتنوعة التي وضعت منذ بدء الاهتمام بها، ارتباطاً بالتوجه إلى التأثير على الدول حديثة الاستقلال، لم تحقق الغايات والأهداف الكبرى التي وعدت بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتحديث والتطور. بل إن غالبية الدول في العالم الثالث لم تنجح في تحقيق تنمية مستقرة، والخروج من التخلف. كما أنها وقعت في أزمات ومشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة، أدت في النتيجة إلى تزايد اعتمادها على الدول المتقدمة، وتعميق تبعيتها وخضوعها لشروط ومطالب وتدخلات المؤسسات الدولية التي تسيطر عليها الدول الرأسمالية الكبرى.

 

خصوصية المفهوم الإسلامي للتنمية في ظل مفهوم الاستخلاف

تكمن أهمية الفكر الإسلامي في كونه المنهج القادر على الاستفادة من أخلاقيات الإنسان وتحويلها إلى متضمنات لعملية التنمية الشاملة. «فنحن حين نأخذ بالنظام الإسلامي سوف نستفيد من هذه الأخلاقية ونستطيع أن نعبأها في المعركة ضد التخلف»([6]).

الإسلام دين عملي بسيط وسهل الفهم والتسويغ. وهو يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي: التوحيد والخلافة (عن الله) والعدالة. وهذه المبادئ هي الإطار للنظرة الإسلامية العامة إلى الحياة، كما هي منبع مقاصد الشريعة واستراتيجيتها([7]).

يقوم التصور الإسلامي للتنمية على أساس أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون واستخلف الإنسان في الأرض ليقوم بعمارتها، وفق منهج الله وشريعته، وقد خلق سبحانه وتعالى الإنسان متميزاً عن سائر المخلوقات ليكون قادراً على أداء هذه المهمة، وهيأ بفضله وكرمه كل ما يمكّنه من أدائها، وأنه على ضوء قيام الإنسان بهذه المهمة يتقرر مصيره ويتحدد مستقبله في الدنيا والآخرة([8]).

يعبر مفهوم الاستخلاف في أحد مستوياته التحليلية عن منظومة مفاهيمية كاملة، تحدد أبعاد استعمار الأرض بمنهج الله تعالى، تحقيقا لخلافته، وسعيا لعبادته([9]).  وقد ورد في القران الكريم في أكثر من موضع أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض([10]). كما ورد لفظ الخلافة بمعان عديدة منها ما قصد التتابع الزمني أو الوراثة أو الإحلال محل قوم آخرين، أو الوكالة والنيابة. والخلافة «هي تنفيذ أوامر الله عز وجل في شتى لمجالات»([11]). ومن ثم اشتهر الإنسان بأنه خليفة الله في الأرض. وهذا الاستخلاف بجانب أنه يشمل استخلاف النوع البشري على الكائنات، فانه يشمل كذلك استخلاف بعض الأفراد على بعض، واستخلاف بعض الأمم على بعض، كذلك أطلق اللفظ على أمة محمد (ص) بأن الله سيجعلهم خلفاء  الأرض بهم تصلح البلاد، ويخضع لهم العباد وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا([12]).

قال الله تعالى )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ( (البقرة: 30) ولما كانت الجماعة البشرية هي التي مُنحت هذه الخلافة، فهي إذن المُكلَّفة برعاية الكون وتدبير أمر الإنسان، والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية. وهذا يعطي مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة، وهو: أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون وإعماره اجتماعياً وطبيعياً، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله.

  إلا إن عملية الاستخلاف الرباني للجماعة على الأرض بهذا المفهوم الواسع تعني([13]):

أولا: انتماء الجماعة البشرية إلى محور واحد وهو المستخلِف- أي الله سبحان وتعالى- الذي استخلفها على الأرض بدلا عن كل الانتماءات الأخرى.

ثانيا: إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلصة لله، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء التي تمثل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت.

ثالثا: تجسيد روح الأخوة العامة في كل العلاقات الاجتماعية بعد محو ألوان الاستغلال والتسلط. فما دام الله سبحانه وتعالى واحدا ولا سيادة إلا له والناس جميعا عباده ومتساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا إخوة متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق كأسنان المشط على ما عبر الرسول الأعظم. ولا تفاضل ولا تمييز في الحقوق الإنسانية.

رابعا: إن الخلافة استئمان، فهي أمانة، والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب. والمسؤولية ذات حدين: فهي من ناحية تعني الارتباط والتقيد، فالجماعة البشرية ينبغي إن تلتزم الحكم بالحق وتؤدي إلى الله تعالى أمانته بتطبيق أحكامه على عباده وبلاده. وتعني المسؤولية من ناحية أخرى، إن الإنسان كائن حر؛ إذ بدون الاختيار والحرية لا معنى للمسؤولية.

وبناءً على تقدم، فان الاستخلاف مفهوم يؤطر الحركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفرد  والمجتمع والأمة، ويضع الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الممارسات، لأنها تقوم على منهج واضح وضوابط محددة طبقا لما جاءت به الشريعة، فالقرآن الكرم والسنة الشريفة هما دستور الاستخلاف.

لان مجتمع الاستخلاف يجعل غاياته تتصف بالكمال والشمول، لأنها غايات صادرة عن الله عز وجل، هو الذي يحددها، وليس العقل البشري المتلبس بالزمان والمكان. وفي حين تقف نظريات التنمية المعاصرة عند تحقيق مجتمع الاستهلاك الوفير أو دولة الرفاهية كغاية لعملية التنمية، يعتبر الإسلام تحقيق الحياة الطيبة عائداً أو نتيجة أو أثرا لتحقيق العبادة الشاملة لله وحده في جميع نواحي الحياة، سعيا للوصول إلى الجنة. والحياة الطيبة هي مراعاة تقوى الله مع وفرة الإنتاج وعدالة التوزيع، أي تحقيق تمام الكفاية لكل فرد مع سيادة الأمن في المجتمع([14]).

إضافة إلى التبرير الشرعي لضرورة الدولة يبرز التبرير العقلي الذي يقوم على الدور الحضاري الذي تلعبه الدولة لأنها المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة الإنسانية وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع. والدولة الإسلامية تضع الله هدفاً للمسيرة الإنسانية، وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف، فالعدل والعلم والقدرة والقوة والرحمة والجود تشكل بمجموعها هدف هذه المسيرة للجماعة الصالحة وهنا مكمن القوة في الدولة الإسلامية لان هذا التركيب العقائدي المميز هو الذي يمد الحركة الحضارية للإنسان بوقود لا ينفذ. لكن التركيب العقائدي الذي تملكه الدولة ممثلا في تعاليم القرآن الكريم والإسلام التي تحدد المعالم العامة لأخلاقيته، لا يكفي لإقامة الحق والعدل وتحمل مشاق البناء الصالح بل هو بحاجة إلى دوافع من الشعور بالمسؤولية والإحساس بالواجب. وتجاوز الإنشداد إلى الدنيا وزينتها والتعلق بالحياة على الأرض، لان ذلك يجمد الإنسان في كثير من الأحيان ويوقف مساهمته في عملية البناء الصالح([15]).

 

أبعاد التنمية الاقتصادية في الإسلام

لم يرد تعبير التنمية الاقتصادية في الكتاب والسنة فلم نجد في القرآن الكريم على كثرة تناوله للسلوك الاقتصادية, وإحاطته به, وحثه الدائب على ضرورة أن يكون هذا السلوك رشيدا, أن في مجال الإنفاق أو في مجال الكسب والإنتاج, أو غيرهما من المجالات الاقتصادية, لم نجد في القران الكريم استخداماً لمصطلح النمو أو التنمية في معرض الحث والأمر, لكنا وجدنا العديد من المصطلحات التي منها الاعمار, والابتغاء من فضل الله, والسعي في الأرض, وعدم إفسادها ونشدان الحياة الطبية. وهذه هي وسائل التنمية التي تنتج الرخاء والتنمية بكل مظاهرها. وأقرب هذه المصطلحات للعملية التنموية هي: التمكين, الإحياء, العمارة([16]).

 

التمكين

التمكين في اللغة: «هو اتخاذ قرار وموطن, كما يفيد السيطرة والقدرة على التحكم, فتمكن بالمكان استقر فيه, وأمكنه من الشيء جعل له عليه سلطاناً وقدرة وسهل عليه وتسير له».  وبحسب قاموس الاقتصاد الإسلامي قد يستخدم بديلاً عن اصطلاح التقدم الاقتصادي([17]). يقول الله تعالى: )وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ((الأعراف: 10). يرى علماء التفسير «أن هذه الآية تفيد كلا المعنيين, فقد هيأ الله للإنسان وضع السيطرة على الطبيعة, وطلب منه تحقيق ذلك, أي انه يكون قد طلب منه - بتعبير آخر - تحقيق التنمية الاقتصادية»([18]). وبهذا المعنى فالتمكين للجميع في المعايش في ما هو جائز، أو في ما هو محصل بنشاط أو عمل([19]).

          أما إطار التمكين فيعني تهيئة الأسباب اللازمة للاستمتاع بالطيبات. فلما كان الإنسان خليفة الله في الأرض، فقد زوده الله بجميع الخصائص الروحية والعقلية، فضلا عن المادية، لتمكينه من القيام بمهمته على نحو فعال. وهو ضمن حدود الخلافة حر الإرادة. كما أنه قادر على التفكير والمحاكمة والاختيار بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، وعلى تغيير ظروف الحياة ومجتمعه ومجرى التاريخ، إذا رغب في ذلك([20]).

          إن التمكين في الإسلام يحوي مضامين روحية واجتماعية عظيمة، لان رسالة الإسلام تفترض انقلاباً عظيماً في تقويم الحياة وتحديد أهدافها، فالتمكين بالمفهوم الوضعي ينصرف إلى امتصاص أكبر قدر من ممكن من الحياة في إطار ما يمكن التعبير عنه بمصطلح الخلود النسبي بقدر ما تسمح به إمكانات الحياة المادية. فالإسلام يؤكد على خلود العمل، بدلا من خلود الجسد، الذي يجسده الوجه الاجتماعي الثوري للمعاد بوصفه الأصل الخامس من أصول الدين لان المعاد يلعب دوراً اجتماعياً أساسياً بوصفه الأساس الواقعي لما يتبناه الإنسان المؤمن من أهداف وقيم في الحياة.

 

الإحياء

أو إحياء الموات، لغة هو جعل الشيء حيا، أي ذا قوة احساسية أو نامية، وشرعا يراد به التصرف في أرض موات، بالبناء أو الغرس أو الزرع أو السقي، أو غير ذلك مما يحييها ويعمرها. وفي الحديث النبوي «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»([21]). يراد بصفة خاصة في استصلاح الأراضي وتنميتها, حيث يتم إعداد الأراضي الميتة التي لم تسبق زراعتها, وتعميرها, ولم يجر عليها ملك أحد, وتهيئتها, وجعلها صالحة الانتفاع بها في السكن, والزرع, ونحو ذلك. عن عمر بن عبد العزيز: « إن من أحيا أرضاً ميتاً ببنيان أو حرث (زرع) ما لم تكن أموال قوم ابتاعوها من أموالهم, أو أحيوا بعضا وتركوا بعضا, فأجز للقوم إحياءهم الذي أحيوا ببنيان أو حرث», يعلق أبو عبيد على ذلك بقوله: «في حديث عمر تفسير الإحياء. وهو ذكر البنيان والحرث. وأصل الإحياء إنما هو بالماء. وذلك كاشتقاق نهر, أو استخراج عين, أو إحتفار بئر, فان فعل من ذلك شيئاً ثم ابتنى, أو زرع أو غرس, فذلك إحياء كله»([22]).

 

العمارة

من أعمر, وأعمره أي جعله آهلا, وفي اللغة أعمرت الأرض وجدتها عامرة، قال تعالى: )هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا( (هود 61) أي أذن لكم في عمارتها, واستخراج قوتكم منها, وجعلكم عمارها, وعمر عليه أي أغناه. وقوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ)  أي أسكنكم فيها ألهمكم عمارتها من الحرث, والغرس, وحفر الأنهار, وغيرها أي خلقكم لعمارتها([23]).  وحيث إن قوله تعالى )وَاسْتَعْمَرَكُمْ( هو طلب مطلق من الله تعالى، ومن ثم يكون على سبيل الوجوب([24]).

والاستعمار عند المفسرين هو طلب العمارة، والطلب من الله على سبيل الوجوب أي الفرض. وربط معنى العمارة المادية بالعمارة الروحية. والاستعمار هو جوهر حقيقة الاستخلاف، حيث المقصد العام للشريعة إصلاح وعمارة الأرض، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق التمكين عليها، وتعبيد الفعل البشري لله سبحانه، بحيث تكون جميع فعاليات الكون متوجهة إلى الله، ويكون الإنسان مقتدياً على قدر طاقته البشرية بالأفعال الإلهية، متخلقاً بأخلاق الله، ساعيا نحو أعمال صفات الله في الكون، وبهذا يتحقق الاتساق بين الفعل البشري، والهدف أو المقصد الإلهي  من وجود الكون([25]).

يعتبر مصطلح العمارة, من أصدق المصطلحات تعبيراً عن التنمية إذ يحمل مضمون التنمية الاقتصادية, وقد يزيد عنه, فهو نهوض في مختلف مجالات الحياة الإنسانية, -بصفة أولية - جوانب التنمية الاقتصادية بمعناها المتعارف عليه -والذي لا يخرج عن تعظيم عمليات الإنتاج المختلفة([26]). ويؤكد ذلك قول الإمام علي بن أبي طالب (عَلَيْهِ السَّلام) لمالك الاشتر النخعي لما ولاه مصر حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاَِنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً»([27]). ثم أوصاه بالتجار وذوي الصناعات، والفئات الدنيا من المجتمع. إن الإمام يرى في العمارة أبعد من مجرد الزيادة في الإنتاج أو رفع الدخل القومي، أو مضاعفة متوسط دخل الفرد، لأنها تتطلب عدالة في توزيع الدخل ورفع مستوى المعيشة لجميع أفراد المجتمع، دون استثناء، سواء من كانت لديه القدرة على الكسب، أم من يعجز عنه، إذ تقوم الدولة بضمان مستوى الكفاية لمن يحتاجها.

ويعتبر عدم الإسراف والتبذير في الاستهلاك، وفي تخصيص الموارد، من مستلزمات العمارة، حيث ينبغي أن تكون عند حد الكفاية، مع مراعاة الاستمرار في عمارة الأرض. ومع اقتران الاستخلاف بالتسخير للموارد لتسهيل التكليف، واقتران التكريم بحسن الخلق، فكراً وعقلاً وإرادةً، ومن خلال هذا الاستخلاف والتكريم، فان على الإنسان انتهاج السلوك الرشيد في تخصيص الموارد ونمائها وتنميتها([28]).

 

التنمية في الإسلام خصوصية الهدف والمضمون

إن التنمية في الإسلام تعد جزءً لا يتجزأ من مضمون خلافة الله للإنسان على الأرض، حيث يتطلب ذلك تحقيق التقدم للأفراد والمجتمع في إطار العرفان بالشكر لله عز وجل([29]). «إن موضوع التنمية في المفهوم الإسلامي هو الإنسان بكل مقوماته, بما فيها عنصر الأموال, فالمستهدف هو ترقية هذه المقومات الإنسانية وتحسينها, وحمايتها التي جمعها علماء الإسلام في خمس: الدين, والنفس, والعقل, والنسل, والمال. والوسيلة لتحقيق ذلك هي نفسها أي الإنسان بما لديه من مقومات. إن المفهوم الإسلامي للتنمية يتميز عن المفهوم الوضعي لها الذي هو موضوعها الأموال, والأشياء, ووسيلتها في المقام الأول هي أيضاً الأموال والأشياء, ومن ثم فهي تنمية ما بيدي الإنسان, وهذه تؤدي تلقائياً إلى تنمية الإنسان نفسه. وقد جر هذا المفهوم المادي للتنمية على المجتمعات المعاصرة الكثير من المتاعب والأوزار, مما جعل المنصفين من فلاسفة الغرب وعلمائه يجأرون بالتحذير من مغبة الانصياع وراء عقيدة توارث النمو. حتى إن الكثير من علماء الاقتصاد أنفسهم ظلوا في مؤلفاتهم الحديثة يصرون على ضرورة إحداث تغيير جذري في مفهوم التنمية, وأبعادها, وأهدافها, ووسائلها, وبعضهم اخذ يقترب رويداً رويداً من المفهوم الإسلامي مؤكداً على إن المستهدف من عملية النمو لا ينبغي أن يكون هو الكثرة والتكاثر المادي, بل الحياة أفضل بما تنطوي عليه من أبعاد غير اقتصادية, لا تقل أهمية عن البعد الاقتصادي»([30]).

إذا كان هدف النمو والتنمية الاقتصادية في الاقتصاد الوضعي، هو السعي لزيادة الإنتاج ثم التراكم، فالهدف في الاقتصاد الإسلامي لا يخرج عن هذا المسار، بل يسعى إلى جانب هذا- لأنه مأمور ومكلف بعمارة الأرض بما سخر له من موارد- إلى تنمية الفرد المسلم والارتقاء بإنسانيته كما أراد الله لها أن تكون في أحسن تقويم، في الحياة الدنيا والآخرة([31]).

وما دام الإنسان مستخلفاً في الأرض، ومتزوداً بجميع الخصائص الروحية والعقلية، فضلا عن الموارد المادية، لتمكينه من القيام بمهمته على نحو فعال، وهو ضمن حدود الاستخلاف حر الإرادة، قادر على التفكير والمحاكمة والاختيار([32]). لهذا فان  مسألة النمو والتنمية الاقتصادية هي تكليف وفعاليات ووسيلة وليست هدفا. فليست التنمية في الإسلام مجرد تعظيم لقيمة الناتج أو الربح، ولكنها توسيع للمنافع الرفاهية للفرد والمجتمع([33]).

          وتتميز التنمية الإسلامية بعدة خصائص أهمها([34]):

الشمول: إن هذا المبدأ يقتضي تحقيق الاحتياجات البشرية كافة من مأكل وملبس ومسكن ونقل وتعليم وترفيه وحق العمل وحرية التعبير وممارسة الشعائر وغيرها.

التوازن: إن هذا المبدأ في التنمية الإسلامية يقتضي أن تتوازن جميع متطلبات التنمية فالإسلام لا يقبل أن تنفرد بالتنمية النواحي الاقتصادية دون القضايا الصحية أو الثقافية أو الاجتماعية، وأن تستأثر الصناعة بالتنمية دون الزراعة، أو أن يركز على المباني الفخمة والمنشآت المتطورة دون توفير المناطق العامة والبنى التحتية، وأن تنفرد بالتنمية المدن دون القرى. وينصرف مفهوم التوازن الاجتماعي في الإسلام إلى «تحقيق عدالة توزيع الثروة، وإعادة التوزيع كلما وقع اختلال في هذا التوازن، وذلك ليضمن لكافة أفراد المجتمع تكافؤاً في الفرص وعدلاً»([35]). وبالنسبة لتوزيع الناتج (أو الدخل) القومي فقد جعل الإسلام من الحاجة أولاً ثم العمل والملكية ثانياً أسساً متينة تضمن عدالة هذا التوزيع، حيث يحصل العامل على دخله الكلي من مصدرين([36]):

المصدر الأول:  ثابت أو شبه ثابت هو حد الكفاية  متمثلاً في توفير القدر اللازم لمعيشة المسلم حقاً مقدساً يكفله له المجتمع أو الدولة بغض النظر عن جنسيته أو ديانته.

المصدر الثاني: هو جزاء مساهمته في العملية الإنتاجية حيث يعد العمل أساساً عادلاً للتوزيع، لذلك فقد اشترط الإسلام أن يحصل المسلم على أجر عادل يتناسب مع حجم عمل عمله وإنتاجيته.

 

الواقعية: «إن الإسلام يبني تكليفه على الواقع، ولكنه يصعد بالإنسان إلى الأفق السامي، ويأخذ بيده إلى المثل الأعلى، وتتوزع هذه الواقعية والمثالية في القرآن والسنة ليقوم المكلفون بما يستطيعون، فلا تحمل نفس فوق طاقتها، ولا تحرم نفس من أن تبذل ما استطاعت»([37]). وبهذا المعنى فالواقعية، هي النظر إلى المشكلة من جميع جوانبها، ودراسة أبعادها، وإيجاد الحلول الملائمة لواقعها القائم، وتقابلها المثالية التي تسعى إلى معالجة المشكلة بتصورات تكون في كثير من الأحيان بعيدة عن إمكانية التطبيق في الواقع. إن الواقعية في مجال التنمية الإسلامية هي مثالية في الوقت نفسه، كما أن المثالية في التنمية الإسلامية هي واقعية. وتتضح واقعية الإسلام ومثاليته في الوقت نفسه بالكيفية التي عالج بها مشكلة الفقر والتباغض القائم بين الأغنياء المحرومين. فقد أعطى للفقراء حقاً معلوماً في أموال الأغنياء لقوله تعالى )وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ( (المعارج: 24 و 25).

العدالة: في مفهوم الشريعة الإسلامية هي ضرورة إنسانية تقود إلى انتظام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي قوام أمر المجتمع ومنطق تحرره وتقدمه. و الخاصية الأساس المميزة لمضمون التنمية في الإسلام هي تلازم العدالة الاجتماعية مع النمو الاقتصادي، لذا فان مفهوم التنمية في الإسلام ينسحب إلى التوزيع العادل لثمار عملية التنمية بحيث ينال  كل فرد جزاء عمله بعد توفير حد الكفاية لكل فرد في المجتمع. وتنطوي العدالة في الإسلام على تطبيق إجراءات فريدة لإعادة توزيع الدخل من أجل ضمان حصول أولئك الذين لم يضمن لهم السوق نصيبهم على نصيب عادل، بواسطة التحويلات الإجبارية (وفي مقدمتها الزكاة) والتحويلات الاختيارية (التبرعات، الوقف، وأعمال البر والإحسان...).

          والتنمية في الاقتصاد الإسلامي «عمل على تحقيق أقصى استغلال ممكن للموارد الطبيعية, وأقصى استفادة ممكنة من الموارد البشرية حتى تتوافر المنتجات - سلعية وخدمية - وتوزيعها على جميع الأفراد في المجتمع جزءاً من تلك المنتجات, يحكم نصيب كل فرد مبادئ العدالة الشرعية في التوزيع»([38]).  وبهذا فان مفهوم التنمية الإسلامي لا يتعارض مع مفهوم العدالة، كما هو الحال في النظام الرأسمالي.

الاعتدال: إن الموارد التي منها الله للناس ليست بدون حدود، رغم أنها تكفي لتأمين رفاهيتهم إذا ما استخدمت على نحو كفوء وعادل. وعلى الرغم من أن الإنسان الواحد حر في الاختيار بين مختلف استخدامات هذه الموارد، إلا أنه ليس الخليفة الوحيد، حيث يوجد إلى جانبه ملايين البشر، وهم مستخلفون أيضا، لذا فان الاختبارات الحقيقية التي يتعرض لها الإنسان هي في استخدام الموارد التي أنعم الله بها بطريقة كفوءة وعادلة بحيث يتأمن فلاح الجميع. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا استخدمت الموارد من منطلق الشعور بالمسؤولية وبالقيود التي تحددها الهداية الإلهية ومقاصد الشريعة([39]).

حيث يعمل الإسلام على تكوين سلوك اقتصادي ايجابي ورشيد عند المسلمين خاص بأنماط الاستهلاك مرتبط بطاعة الله تعالى. فالإسلام يحرم التبذير والإسراف في الاستهلاك مثلما يحرم التقتير ويذم البخل ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾(الفرقان: 67). ويقول تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( التوبة: 34) ويقول أيضا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحديد: 24) إن الهدف الأساس من تحقيق الاعتدال والتوازن وإيجاد نوع من التوازن بين التراكم والنمو الاقتصادي ومساعدة الفقراء، هو إنشاء مجتمع عادل ينعم في اقتصاد سليم.

المسؤولية: وهي واضحة في الإسلام في كل شيء، فالفرد مسؤول والدولة مسؤولة والمجتمع مسؤول. «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته».

الكفاية: يشير مفهوم حد الكفاية إلى النفقات الضرورية التي تكفل كفاية الإنسان واكتفاءه على نحو متوسط، تراعى فيه درجته الاجتماعية ودرجة رخاء وغنى المجتمع الذي يعيش فيه. وقد عبر الرسول (ص) عن حد الكفاية بقوله أنه توفير القوام من العيش، أي ما به تستقيم حياة الفرد ويصلح أمره، ويكون ذلك بإشباع احتياجاته التي تجعله يعيش في مستوى المعيشة السائد. فقد أعطت الشريعة الإسلامية لكل فرد الحق في أن يتمتع بمستوى كريم من العيش يتناسب مع ظروف الدولة وإمكانياتها، بحيث تحقق له حد الكفاية بكل ما يشتمل عليه من الضروريات والكماليات التي لا تقف إلا عند حد الاعتدال وعدم الإسراف، ويعلو هذا الحد بمقدار ما يتلائم مع تطور المجتمع وتقدمه. «ومؤدى ذلك أن التنمية الاقتصادية في الإسلام تستهدف أولا توفير حد الكفاية لأفراد المجتمع الإسلامي، وان كان يمكن أن يتحقق التفاوت بعد هذا الحد»([40]).

وينطوي التكافل الاجتماعي على مسؤولية كافة أفراد المجتمع بعضهم عن بعض، بالتكافل والتضامن لتأمين حد الكفاف لكل فرد وجوبا وإشباع حاجاتهم دون إفراط أو تفريط على مستوى حد الكفاية([41]). فالإسلام يوفر الضمان والكفاية لكل أفراد المجتمع ويشمل هذا الضمان المنتجين الذين يبذلون جهودا بناءة في خدمة المجتمع له وتحقيق التقدم له ثم يتعرضون للخسارة([42]). ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280).

 

محورية الإنسان في التنمية الإسلامية

 التفت الفكر التنموي منذ عقدين من الزمن إلى مفهوم التنمية البشرية، وكان لكتاب العالم الثالث دور محوري في صياغته وإكسابه العناصر الحيوية التي بات يمتلكها، وفي مقدمتها مكانة الإنسان في العملية التنموية، وتجاوز النظرة التي كانت يتبناها علم الاقتصاد باعتباره الإنسان عنصرا من عناصر الإنتاج، ليغدو في ظل فكرة التنمية البشرية صانع التنمية وهدفها الاسمي.

          إن الإنسان في الإسلام هو الكائن الأمثل والأكمل بين جميع مخلوقات الكون، والتي خلقت كلها لأجله فهو أشرفها. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(ص: 71-72). كما يشتمل مفهوم الإنسان أبعاداً عقلية وحضارية إضافة إلى أبعاد أخرى أبرزها استخلاف الله في الأرض وتعليمه الأسماء كلها والتوبة عليه.

إن الإسلام جعل الحياة إنسانية، وأعطاها هدفا واتجاها نبيلا، وعامل الإنسان بوصفه إنساناً، وليس مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، أو أداة للصراع الطبقي، بل هو خليفة الله في الأرض، وحيث أنه كذلك فهو صانع التغيير ومسؤول عن صناعة طريقه نحو التقدم والازدهار. لهذا فإن الباعث للتنمية الإسلامية ليس الربح أو تحقيق أهواء الحكام وإنما تنطلق من غايات إنسانية، وحتى يصبح الإنسان محرراً مكرماً يعمر الدنيا ويحييها بالعمل الصالح ليكون بحق خليفة الله.

من جهة أخرى، يعالج الإسلام التنمية الاقتصادية بوصفها جزءاً من مشكلة أكبر هي مشكلة التنمية الإنسانية. لذا فهو معني بتوجيه الأخيرة في الاتجاه الصحيح، فتصبح التنمية الاقتصادية جزءً لا يتجزأ من التنمية الأدبية والاجتماعية والاقتصادية للجماعة الإنسانية. كما أنه يضع الإنسان في مركز الجهد التنموي، فالتنمية تعني تنمية الإنسان وتنمية بيئته المادية والاجتماعية والثقافية([43]). وحيث أن البشر يشكلون رصيد التنمية ومبتغاها، فانه لا يمكن أن تتحقق التنمية ما لم تجد قولا لدى المعنيين بها. لذا فان المنظور الذي يتبناه الإسلام هنا هو أنه حق أصيل من حقوق الإنسان.

إن الباعث للتنمية الإسلامية ليس الربح أو تحقيق أهواء الحكام وإنما تنطلق من غايات إنسانية، وحتى يصبح الإنسان محرراً مكرماً يعمر الدنيا ويحييها بالعمل الصالح ليكون بحق خليفة الله. كما ينفرد الإسلام عن غيره من الأديان في أنه وضع المرأة في مكانتها المناسبة، فأقام توازناً منسجماً بينها وبين الرجل، بما يضطلع به كل منهما من أدوار في بناء الحياة الإنسانية، ولكل مجاله واختصاصاته التي يتمايز بها عن غيره. يقول تعالى في كتابه العزيز ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ(الحجرات: 13).

لقد انتقل الإسلام بوضع المرأة من العدم إلى الوجود، ومن الشك إلى اليقين، ومن المهانة إلى الكرامة. فقد أعلن لها إنسانية كاملة، وأهلية كاملة للحقوق، ومسؤولية كاملة. لذا فقد أوقفها الإسلام إلى جانب الرجل. ويعترف القرآن الكريم للمرأة المسلمة بكفايات وحقوق في كل مظاهر التصرف والتدبير وخاصة في ميدان الاقتصاد وميدان الأحوال الشخصية. فللمرأة حق الإرث والهبة والوصية والتملك والحيازة وإمضاء العقود والتعرض أمام القضاء والتصرف الكامل في أموالها، ولها أن تسهم في أي شركة مالية مع زوجها بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى خلل البيت([44]).

 

التنمية الإسلامية في ظل الحرية

تعد مشكلة الحرية أقدم المشكلات الفلسفية وأعقدها. وهي مشكلة الوجود الإنساني بأسره، فهي مشكلة المشاكل. وهي أهم مشكلة اجتماعية وفلسفية في تاريخ الوجود الإنساني، وذلك لأنها تؤثر مباشرة على وعي الإنسان، وتطابق سلوكه الفردي والاجتماعي؛ بل وعلى وجوده ذاته، وهي تهم الإنسان دون سواه من الكائنات، وبدونها يفقد المرء إنسانيته.

إن الإسلام يرى في «الحرية» الشيء الذي يحقق معنى «الحياة» للإنسان. فالإنسان في المفهوم الإسلامي كائن حر ومسؤول. منحه الله حرية الاختيار، على أن يتحمل هو مسؤولية هذا الاختيار. وتضافرت النصوص الإسلامية في التصدي لكل محاولات مصادرة الحرية الإنسان.يقول الإمام علي في نهج البلاغة «وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً»([45]). وفي الميدان الاقتصادي «فإن النظرية المعترف بها والتي تحترم باعتبارها حقاً أساسياً للمسلم الحر؛ كانت حرية العمل، وحرية الكسب، وحرية سعي المرء حسب هواه»([46]). لكن الحرية التي يكفلها الإسلام ليست مطلقة، فالناس يخضعون للشريعة التي تهدف إلى تحقيق رفاهية الجميع بإخضاع كل فرد للنظام. وهكذا فهم أحرار فقط ضمن حدود المسؤولية الاجتماعية كما تحددها الشريعة.

من جهة أخرى، لم تحدد الشريعة نموذجاً ولا طرق العمل لإدارة التجارة وتنمية النشاطات الاقتصادية، لكنها حددت على نحو دقيق المحرمات والممارسات المنبوذة. فالناس أحرار في ممارسة أي نشاط اقتصادي، ما دام لا يتعارض مع الشريعة، ويحترم القيم الإسلامية، وهو يرفع النشاطات التي تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية إلى مستوى العبادة.

وأما الحرية الاقتصادية في الإسلام فهي حرية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يتميز بها الإسلام([47]). وعلى الرغم من أن الإسلام أباح الملكية الخاصة بوصفها استخلافا للفرد من الجماعة، لكن الفرد يكون مسؤولاً أمام الجماعة عن تصرفاته في ماله وانسجامه مع مسؤولياتها أمام الله تعالى ومتطلبات خلافتها العامة، ومن الطبيعي أن يكون من حق الشرعي للجماعة أن ينتزع من الفرد ملكيته الخاصة إذا جعل منها أداة للإضرار بالجماعة والتعدي على الآخرين، وتوقف دفع ذلك على انتزاعها([48]).

          ومع توافر الأدلة على وجوب التنمية سواء في السنة أو من واقع الحياة الاجتماعية بعد الرسول (ص) يمكن أن نصل إلى أن التنمية ليست عملاً اختيارياً للفرد أو الدولة أو هما معا، وإنما هي فريضة إسلامية لا يكتمل الإسلام إلا بها، ولا ينهض إلا على أساسها([49]). لذا فإن الضمان الحقيقي لنجاح التنمية واستمرارها هو ارتفاع الإسلام بها إلى مرتبة العبادة، إذ لم يكتف بالحث على العمل والإنتاج، بل اعتبر العمل في ذاته عبادة، وان الفرد قريب من الله ومثاب على عمله الصالح في الدنيا والآخرة، وقد سوى الإسلام بين المجاهدين في سبيل الله وبين الساعين من أجل لقمة العيش وكسب الرزق )وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ( (المزمل 20). فقد حض الإسلام على تقديم العمال أقصى جهودهم، وأوجب على أرباب العمل عدم إجهاد العمال وإتاحة الفرصة لهم ليستعيدوا نشاطهم وقواهم سواء كان ذلك بشكل تحديد ساعات العمل أو بشكل يتيح للفرد المسلم الراحة النفسية التي تتحقق في فرائض العبادة، ومعاملة العاملين معاملة إنسانية الكريمة. فالعمل في الإسلام محكوم بضوابط عديدة منها: إقرار الحوافز المادية والمثوبة الأخروية، وضرورة بذل الجهود في العمل والإتقان في الأداء، وضمان حقوق العمال، كما ضمن لأفراد المجتمع العاملين عند الدولة توفير المسكن والإحصان والخدمة([50]). من جهة أخرى، فان العمل القسري (السخرة) كان ممقوتا في الاسلام، وقليلا ما كان يلجأ اليه. ويرى روزنتال «أن حضارة كالحضارة الاسلامية نشأت حول التجارة والحياة المدنية لم يكن يمكن المساس فيها بالتوازن الاقتصادي، وكان أمر كهذا يؤدي الى عواقب وخيمة، وعندما كانت الدولة تعتزم القيام بمشروع واسع النطاق في المدن، كانت فئات ضخمة العدد من الطبقات الدنيا في المجتمع تتقدم لذلك. هذه الايدي العاملة كان يمكن استخدامها لاي ضرب من ضروب العمل المأجور»([51]).

          ولما كان التدخل في تحقيق مصلحة الجماعة الإسلامية لا يتم إلا عن طريق الدولة، فإنها تتدخل على أساس القاعدة العامة: (لا ضرر ولا ضرار)، إذ إن تدخلها «يعتبر من المبادئ المهمة في الاقتصاد الإسلامي، التي تمنحه القوة والقدرة على الاستيعاب والشمول». إن تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إنما هو لضمان تطبيق أحكام الإسلام، التي تتصل بحياة الأفراد الاقتصادية. فتحول مثلاً دون تعامل الناس بالربا، أو السيطرة على الأرض بدون إحياء، كما تمارس الدولة نفسها تطبيق الأحكام التي ترتبط بها مباشرة، فتحقق مثلا الضمان الاجتماعي والتوازن العام في الحياة الاقتصادية بالطريقة التي سمح الإسلام بإتباعها، لتحقيق تلك المبادئ([52]).

 

الدور الصحيح للدولة

على الرغم من إن النمو والتنمية هما فرض كفاية على المكلفين الذين هم أفراد المجتمع كل بحسب طاقاته المختلفة ومقدرته في توظيف فوائضه المالية والبشرية لتحقيق قفزات إنمائية وتنموية، يتطلبان تدخل الدولة، عندما تعجز طاقات الأفراد وإمكاناتهم المباشرة عن تحقيق غاياتها. ويأتي دور الدولة في الإنماء والتنمية، بحكم ما وضع تحت يدها من إمكانيات على شكل ملكية عامة، تديرها بما يحقق الصالح العام، أو على شكل موارد مالية، أقرت الشريعة تحصيل الدولة لها من الأفراد، من زكوات وخراج وضرائب([53]).

          ولما كانت التنمية الاقتصادية في الإسلام عبارة عن العمل السلطاني المدعوم بمشاركة الأمة, القائم للمحافظة على الكليات الخمس, باستغلال المسخرات الكونية بالأساليب المشروعة.  ويقصد بالعمل السلطاني نشاط الدولة المنوط بها شرعا، والقيام بمقتضى نيابتها عن الأمة. وتأتي مشاركة الأمة لأن الاعمار مسؤولية الدولة, والفرد معاً, وهذه المسؤولية قائمة على أساس التعاون بينها, بحيث يكمل احدهما الآخر, ولا يستغني أحدهما عن الآخر. وذلك تحقيقاً للمحافظة على الكليات الخمس, لأنها تمثل الأبعاد المختلفة التي جاءت جميع الديانات للمحافظة عليها لتحقيق للإنسان عزه وكرامته, ويتوفر له الاحتياجات الضرورية منها, والمعاشية, والثقافية([54]).  

ويستشف من عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الاشتر أن الدولة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال الاضطلاع بإنشاء البنى التحتية. كما يستدل من كتابات الأحكام السلطانية هو توسعة هذا الدور، ليشمل المساعدة على تأسيس المشروعات الإنتاجية الإستراتيجية.  وبهذا فان الدولة يمكن أن تؤسس قطاعا عاما كبيرا عندما يعجز القطاع الخاص عن لعب دور ملائم، ويمكن أن تنسحب من النشاط الاقتصادي عندما يكون القطاع الخاص قوياً.

          أكد الفقهاء إن على كل مسلم التزاماً هو فرض عين بان يكسب عيشه ليعيل نفسه وأسرته. وأكدوا أنه ما لم يوفِ المسلم بهذا الالتزام فانه لا يستطيع المحافظة على جسمه وعقله في حالة صحية وفعالة بما يكفي لأدائه واجبات عبادته. وبما أن المسلم لا يستطيع الوفاء بواجب كسب الرزق الحلال ما لم تتح الفرص للعمل الحر أو التوظيف، فيمكن الاستنتاج أن على المجتمع (والدولة بوصفها المعبر عن إرادته) واجباً جماعياً بان يضمن لكل فرد فرصة متساوية لكسب الرزق الحلال بما ينسجم مع قدرته وجهده([55]).

ولعل ما يميز الدولة الإسلامية عن غيرها هو إمكانية اضطلاعها بالتدخل في العلاقات الاقتصادية وتعديل النشاط الاقتصادي بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ويشمل ذلك حقوق الملكية والعمل والعقود التي تنبني عليها المعاملات الاقتصادية. يمكن للدولة أن تقوم بتحقيق المستوى الإنساني والعدالة في مجال مستوى المعيشة، بما فرضه الإسلام للفئات الهشة في المجتمع، وتحقيق التوازن والعدل بين أفراد المجتمع، وبين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.

وقد نص فقهاء الإسلام على «الحسبة» بمعنى الإشراف والمراقبة، بوصفها «أمراً بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيا عن المنكر إذا ظهر فعله»، والذي يسمح للدولة بالقيام بمراقبة اجتماعية واقتصادية عميقة لمجموع النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية الخاصة بتأمين سليم للأسواق، وتوفير المنتجات، وتسيير حسن للاقتصاد. فأعطى الماوردي للمحتسب - وبالتالي الدولة – مهمة القيام بالأشغال العامة، والرقابة على الأسواق لضمان منافسة عادلة([56]).

إن تدخل الدولة يأتي ليمكن تدخل القطاع الخاص في توزيع الدخل والثروة بصفة عادلة، فمن الضروري إيجاد توازن بين آلية السوق والعمليات المخططة التي تصنعها الدولة، والتي يجب أن يشارك في بلورتها جميع الفاعلين الاقتصاديين. كما أن عليها أن تتبع، في الوقت نفسه، أهدافا اجتماعية كالعدالة الاجتماعية، وأهدافا اقتصادية كتحقيق النمو الاقتصادي. وهذا ما يميز الاقتصاد الإسلامي، بشرط أن يحظى القطاع الخاص بحوافز كافية من اجل الاستمرار الدينامي لعملية التنمية لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية([57]).

 

الخاتمة

رغم التقدم الفكري الذي يمتلكه الإسلام تجاه قضايا التنمية والاقتصاد ودور الإنسان، إلا إن البلدان التي توصف اليوم بأنها إسلامية تعاني من مشكلات تعتبر عقبات تعيق عملية البناء والتنمية بمستوياتهما المختلفة. وقد اتفق المفكرون الإسلاميون على أن مقومات تنمية المجتمع المسلم هي الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والطاقات البشرية المتاحة وذلك بالاستفادة من التقدم العلمي عن طريق الانفتاح الفكري، وتكريم العلماء، وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية، وإعلاء مكانة العمل، وتأمين مصادر التمويل لتنفيذ المشاريع وتلبية الحاجات البشرية.

ويستشف من مقاربة الإسلام للتنمية، أنه قد أعطاها أبعاداً حضاريةً وإنسانيةً ساميةً، ووضعها في إطارٍ كلي شامل، متقدماً عن النظرة الوضعية التي قصرت التنمية على التطور المادي، وان التفتت مؤخراً للأبعاد الإنسانية في التنمية.

الهوامش والمراجع

 



([1]) نادر فرجاني، عن غياب التنمية في الوطن العربي، المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، العدد (60)، شباط/ فبراير 1982 ، ص 18

([2]) يحيى غني النجار وآمال عبد الأمير شلاش، التنمية الاقتصادية: نظريات، مشاكل، مبادئ، وسياسات، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1991، ص202

([3]) فؤاد عبد المنعم أحمد، السياسة الشرعية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة، البنك الإسلامي للتنمية، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 2001، ص51

([4]) نادر فرجاني، المصدر السابق ، ص7

([5]) يوسف عبد الله صائغ، التنمية العربية والمثلث الحرج، المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية)، العدد (41)، تموز/ يوليو 1982، ص 6-7

([6]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ط2، مؤسسة الكتاب الإسلامي، قم، 2002، مقدمة الطبعة الثانية، ص23

([7]) محمد عمر شابرا، الإسلام والتحدي الاقتصادي، ترجمة: محمد زهير السمهوري، المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمعهد العربي للدراسات المالية والمصرفية، عمان، 1996، ص256

([8]) إبراهيم العسل، التنمية في الإسلام: مفاهيم مناهج وتطبيقات، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1996، ص 63

([9]) نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة: دراسة نقدية مقارنة في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، ط 4، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006، ص  251

(([10]الأنعام : 165، فاطر: 39، ص 28، الحديد 7.

([11]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص56

([12])نصر محمد عارف، المصدر السابق، ص253

([13]) محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، مجمع الثقلين العلمي، بغداد، 2003، ص 163-165

(([14] نصر محمد عارف، المصدر السابق، ص276

([15]) محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، المصدر السابق، ص209-214

([16]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص52

([17]) Muhammad Akram Khan, Islamic Economics and Finance: A Glossary, 2ed edition, Routledge, London, 2003, p.178

([18]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص52

([19]) احمد إبراهيم منصور، عدالة التوزيع والتنمية الاقتصادية: رؤية إسلامية معاصرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص26

([20]) محمد عمر شابرا، الإسلام والتحدي الاقتصادي، المصدر السابق، ص257

([21]) محمد عمارة، قاموس المصطلحات الاقتصادية في الحضارة الإسلامية، دار الشروق، بيروت، 1993، ص 35

([22]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص52

([23]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص52

([24]) عبد الهادي علي النجار، الإسلام والاقتصاد، سلسلة عالم المعرفة (63)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1983 ، ص61

([25]) نصر محمد عارف، المصدر السابق، ص 258-259

([26]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص53

([27]) محمد عبده، نهج البلاغة: شرح الإمام محمد عبده، ذوي القربى، قم،  1427 هـ، ص 409

([28]) أحمد إبراهيم منصور، المصدر السابق، ص327

([29]) عبد الهادي علي النجار، المصدر السابق ، ص59- 60

(([30] فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص55

[31]) ) أحمد إبراهيم منصور، المصدر السابق، ص300

(([32] محمد عمر شابرا، المصدر السابق، ص257

([33]) Ahmed El-Ashker and Rodney Wilson, Islamic Economics: A Short History, BRILL, Leiden, 2006, P.64

([34]) إبراهيم العسل، المصدر السابق، ص 71

([35]) أنور عبد الكريم، الاقتصاد الإسلامي: مصطلحات ومفاهيم، في: ندوة السياسة الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي، البنك الإسلامي للتنمية (سطيف (الجزائر) 14-20 أيار / مايو 1991)، ط 2، تحرير: منذر قحف،  المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة 2001، ص 39

([36]) فرهاد محمد علي الاهدن، التنمية الاقتصادية الشاملة من منظور إسلامي، مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر، القاهرة، (د.ت)، ص 112

([37]) يوسف كمال، الإسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة، ط2، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، 1990، ص 136

([38]) فؤاد عبد المنعم أحمد، المصدر السابق، ص55

([39]) محمد عمر شابرا، المصدر السابق، ص258

([40]) عبد الهادي علي النجار، المصدر السابق، ص 62-63

([41])  أنور عبد الكريم، المصدر السابق، ص 38

([42]) فرهاد محمد علي الاهدن، المصدر السابق، ص92

([43]) خورشيد أحمد، التنمية الاقتصادية في إطار إسلامي، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، المجلد 2، العدد 2، 1985، ص 65-66

([44])عبد الهادي علي النجار، المصدر السابق، ص 33-34

([45]) محمد عبده، نهج البلاغة: شرح الإمام محمد عبده، ذوي القربى، قم،  1427 هـ، ص 376

([46]) فرانز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام: دراسات في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ط2، ترجمة: رضوان السيد ومعن زيادة، المدار الإسلامي، بيروت، 2007، ص 127

([47]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، المصدر السابق، ص298

([48]) محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، المصدر السابق، ص56

([49]) عبد الهادي علي النجار، المصدر السابق، ص61

([50]) أنور عبد الكريم، المصدر السابق، ص 46

([51]) فرانز روزنتال، المصدر السابق، ص 126

([52]) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، المصدر السابق، ص 721

([53]) احمد إبراهيم منصور، المصدر السابق، ص328

(([54] المصدر السابق، ص55

([55]) محمد عمر شابرا، المصدر السابق، ص270-271

الأكثر مشاهدة