الاقتصاد السياسي للعولمة قراءة في تحولات النسق العالمي من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد المعولم

بواسطة عدد المشاهدات : 40102
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الاقتصاد السياسي للعولمة  قراءة في تحولات النسق العالمي من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد المعولم

إزاء ما يجري في العالم، وعلينا أن نفكر مليا وجديا فيما يمكن اتخاذه لموجهة هذه الظاهرة، وأيضا أن يفكروا في حاضرهم ومستقبلهم وان يعوا ما يُبيّته لهم الآخر، وما تقصر عنه الذات، وفي تقديري أننا بحاجة إلى بلورة استراتيجية وخطة عمل تهدف إلى تعبئة الموارد والإمكانيات و توجيه السياسات واستخدام المتاح منها في هذه المرحلة والرصد الواقعي والعملي للتحديات المستقبلية.

 

 

الاقتصاد السياسي للعولمة

 قراءة في تحولات النسق العالمي من الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد المعولم

 

الدكتور حسن لطيف كاظم الزبيدي

رئيس قسم الاقتصاد/ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة الكوفة

  منشور في

مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية (جامعة البصرة)، العدد (18)، 2006.

 

 

 المقدمة والخلاصة

 أصبحت العولمة أحد أكثر المصطلحات تردداً، وقد طرحت مضامين ومفاهيم عديدة ومتنوعة لهذه الظاهرة من قبل باحثين ومفكرين عرب وأجانب، فقد قيل عنها أنها عملية، وأيديولوجيا ومحاولة وحالة وظاهرة ونظرية، كما طرحت نماذج ونظريات متباينة في تفسيرها. وفي خضم التطورات الحالية، أصبحت العولمة واحدةً من المفاهيم  التي انطوت على مضامين وأنساق جديدة تهدف من خلالها بعض القوى إلى توحيد العالم، انطلاقا من تغيير واقع بلدانه وتغيير مجمل المفاهيم التي تتقاطع معها. وبهذا المعنى فالعولمة ترقى لان توصف بأنها تعبر عن واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وأيديولوجي جديد يعمل على تحقيق أهدافه من خلال وسائل متباينة في مدى مشروعيتها وتأثيرها ومدى قبولها من المعنيين بها. ونحن بحاجة ماسة إلى قراءة معمقة لمضامين العولمة ودراسة معطياتها والتعرف على بناها الفكرية ونقدها والارتقاء بذلك على مستوى الفهم والتفكير والعمل، فوقوفنا حيث نقف من الجدل والانقسام الفكري الحاد لامرٌ يمكنه أن يضعنا (وقد فعل) في مزيد من الضعف والسلبية إزاء ما يجري في العالم، وعلينا أن نفكر مليا وجديا فيما يمكن اتخاذه لموجهة هذه الظاهرة، وأيضا أن يفكروا في حاضرهم ومستقبلهم وان يعوا ما يُبيّته لهم الآخر، وما تقصر عنه الذات، وفي تقديري أننا بحاجة إلى بلورة استراتيجية وخطة عمل تهدف إلى تعبئة الموارد والإمكانيات و توجيه السياسات واستخدام المتاح منها في هذه المرحلة والرصد الواقعي والعملي للتحديات المستقبلية.

 

في حقيقة العولمة

إن العولمة ظاهرة مركبة تتمازج فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والجغرافية والأيديولوجية والتقانة والتغير المؤسسي وان كانت ذات بعد اقتصادي – سياسي بالدرجة الأولى، يراد بها تحقيق التشابك على المستوى الدولي، وتحقيق الاندماج والتكامل عن طريق التأثير في سيادة الدول وتذويب الحدود أمام الشركات متعدية الجنسيات، كما يتم تحقيق التشابك الاندماج والتكامل عن طريق خلق علاقات دولية قائمة على تحرير التجارة والمعاملات المالية الدولية وانفتاح الأسواق الوطنية وربطها بالسوق العالمية بحيث يبدو فك الارتباط بينها خياراً غير ممكن التطبيق، طالما أن العولمة تبرز كحقبة للتحول الحضاري من حضارات متباينة نحو حضارة محدودة القسمات هي حضارة الاستهلاكية، بغية الوصول إلى اختراق مجتمعات واقتصاديات العالم. والوصول كذلك إلى نمط استهلاكي رأسمالي قام على إشاعة الثقافة الاستهلاكية الغربية بل الأمريكية حصراً([1]).

 

إن البحث في تاريخ العولمة يتيح لنا معرفة العمق التاريخي لهذه الظاهرة، ويستكمل بنا فهم بعض من ممكناتها، وطالما إن التاريخ يقدم لنا صورا فريدة للمعرفة وان كانت خاضعة للتحيز و الاختلاف في قراءة صفحات تاريخ هذه الظاهرة أو غيرها. وبادئ ذي بدء، نجد إن اغلب الآراء تتفق على أن العولمة وان كانت حديثة اصطلاحا، إلا أنها أو على الأقل في بعض من مضامينها قديمة، فالتاريخ الاقتصادي ينبئ تماثلات ما بين ما يطلق عليه حاليا العولمة  وبين الحوادث الاقتصادية المهمة قبل الحرب العالمية الأولى، فقد ازدهرت صلات الاقتصاد الدولي مع تدفق الاستثمار من العالم الجديد إلى العالم القديم([2]). وادعى البعض ان النشاط الإنساني المترابط يضرب بجذوره عبر القرون المختلفة، وان مدياته عبرها قد اتسعت ما بين الدول المختلفة. غير أن الشكل الحالي للعولمة قد اتسم بتشتت الإنتاج ما بين بلدان عديدة تبدو وكأنها في مكان واحد ترتبط معا في الزمن الحقيقي([3]).

 

إن القبول بفرضية قدم العولمة وارتباطها بنشوء الرأسمالية الصناعية بالرغم من صحة بعض المقارنات، إلا انه يمهد لاعتبار العولمة ميل كامن وتلقائي في النظام الرأسمالي، وينفي قصدية الفعل المعولم، ويتجاهل حقيقة الدور الذي تقوم به القوى الساعية لفرض العولمة، أو إغراء من يمكن إغراؤه بها. كما ينفي الأبعاد الأيديولوجية للظاهرة. إن الرأسمالية على وفق الفهم الماركسي التقليدي تنزع نحو العالمية والذي عده ماركس من شروط انهيارها، أما العولمة وان فتش الماركسيون المحدثون عنها بين أوراق ماركس ولينين وتوصلوا عبر مد تحليلهما على استقامته إلى اعتبار « العولمة أعلى مراحل الإمبريالية » فانه تكييف فكري تعوزه الأصالة وتغيب عنه الأسس الفكرية الذي انبنت عليه نظرية الإمبريالية، وان توافرت بعض العوارض المشتركة من قبيل تركز راس المال المعبر عنها باندماج الشركات العالمية، وتتمسك بأمل غائب في تخطي الرأسمالية إلى مرحلة أرقى أو أعلى من الرأسمالية. وعلى الطرف الآخر فإننا وان وجدنا في التاريخ تماثلات بين العولمة وبعض الحوادث السابقة، فانه من طبيعة التاريخ .ففي التاريخ حوادث كثيرة متطابقة. وبهذا فالعولمة ليست ظاهرة تاريخية يمكن ان تخضع لعملية نمذجة ترجع بها إلى نقطة بداية قديمة جدا. وأما مقاربات البعض بينها وبين إقامة الدولة الإسلامية فهي مقـاربة بين ظاهرتين شديدتي التمايز متناقضتين مـن حيث الأهداف والوسائل والغايات.

 

إن العولمة ظاهرة حديثة لا يمكن هندستها ونمذجتها وإرجاعها لأصول قديمة، فمن المشكوك فيه أن نرجع بأصلها إلى أبعد من سبعينات ( أو نهاية ستينات ) القرن الماضي. فهي على مستوى الابتداع اللفظي ظهرت وارتبطت بكتابات الكندي مارشال ماك لوهن وأعمال زبيغنيو بريجنسكي. أما من حيث الشيوع  فإنها شاعت أولا في أسواق المال وباتت مفردة رائجة وكثر تداولها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتكاملت أسسها المؤسسية مع إنجاز جولة أورغواي وتأسيس منظمة التجارة العالمية التي باتت الرمز للعولمة والحامل للوائها، حتى أن الرافضين للعولمة يصبّون جام غضبهم على هذه المنظمة ويطاردون إجتماعاتها واحدا تلو الآخر، من سياتل إلى الدوحة، بالمظاهرات والتنديد حتى أن بعضهم أرداه رصاص الشرطة !

 

تحولات النسق الاقتصادي  العالمي[4]

 إن التاريخ عموما، وتاريخ ظاهرة ما خصوصا، يمكن تقسيمه إلى آجال تغيرات عديدة، لكن من اجل غايات علمية خاصة بمناقشتها، ولمقاصد قد يقع في  مقدمتها طلب الراحة الفكرية. والرأسمالية وان اختلف في نشأتها وطبيعتها وتحقيب مراحلها، فقد انتقلت من مرحلة إلى أخرى ومن طور إلى طور، حالها في ذلك حال بقية الظواهر التاريخية.

 

إن الرأسمالية نظام دائم التغير، وبمعدلات أسرع نسبيا من الأنظمة السابقة عليها والتي كانت تتسم بالثبات الكبير. ولذلك فمن الضروري تحديد الجديد في النظام في كل حقبة، حتى يمكن إجراء التحليل الصحيح والتحرك الفعال. وهذه التحولات التي تتخذ أحيانا شكلا كيفيا، تبقى على الدوام، في إطار المنطق الأساسي للرأسمالية([5]). وانسجاما مع أغراض البحث، يمكن لنا تقسيم هذه المراحل إلى ثلاث هي:

 

        مرحلة الاقتصاد الوطني

        مرحلة الاقتصاد الدولي

        مرحلة الاقتصاد العالمي

 

إن القاسم المشترك بين هذه المراحل هو القدرة المتعاظمة للرأسمالية على التكيف مع الأوضاع الجديدة في العالم، وقدرتها على الإفادة منها، واستخلاص أقصى الأرباح عبر التوصل إلى أشكال جديدة من النشاط والتنظيم تتسع باطراد وتحوز معها شرعية جديدة تهيئ لها ان تتصف بالعالمية. وإخضاع جميع مظاهر الحياة الاجتماعية لمنطق التراكم الرأسمالي، الأمر الذي يسمح بتحقيق قفزات نوعية في جوانب التقدم المادي، إلى جانب التقدم السياسي والثقافي، ومكنها أيضا من إدامة الحفاظ على معدلات للنمو لم تعرف الإنسانية مثيلا لها.

 

إن عملية التكيف كانت وما تزال تواجه بظروف وحقائق متغيرة تختلف في سرعة حركتها وحجم تأثيرها ومداه. لكن الثابت إن عملية التكيف كانت مدفوعة بالتغيرات في مجال العلوم الطبيعية وتسارع خطاها وعنفوانها حتى وصلت إلى ذروتها في إطار ما اصطلح على تسميته الثورة العلمية والتقانية التي  قيل عنها أنها تحدث تغيرات ثورية بعيدة المدى في العملية الإنتاجية على نطاق العالم كله، وتهيئ كذلك للتأثير في العلاقات الدولية وأشكال التنظيم الاجتماعي على المستوى القومي. ومن جهة أخرى اتسمت عملية توسع الرأسمالية بأنها عملية توسع غير متكافئ في المراكز كما في الأطراف. وعبر المراحل الزمنية أيضا، لتي تباينت آمادها طولا منذ ان تكامل بناء النظام الرأسمالي في أوروبا بعدما تسنى له تصفية النظم السابقة عليه كليا. بحيث أصبح النظام الناشئ نظاما رأسماليا خالصا يمكن معه اعتماد تعريف بول سويزي بأنه (( نظام لامتصاص الفائض والتراكم من خلال علاقات اقتصادية غير متكافئة ))([6]). يعتصر الفائض على المستوى الوطني والدولي والعالمي.

 

ولفهم التغير الحاصل في بنية النظام الرأسمالي وملاحقة التطورات الأساسية فيه والخاصة ببروز العولمة بأبعادها ومضامينها منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، من الضروري ان نركز على المسار التاريخي لتكون هذا النظام والمراحل التي مر بها.  منذ أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر كانت  بعض مظاهر الرأسمالية قد توالى ظهورها أوروبيا وعالميا مع التوسع الأوروبي عبر البحار في إطار ما عرف بالمركنتيلية، التي برزت قوة راس المال التجاري وهيمنته، فتكونت الإمبراطوريات الاستعمارية التي مارست سرقة ثروات الشعوب المستعمرة عبر تصدير الذهب والفضة (كصورة للثروة المعروفة آنذاك ) فأحدثت العملية الاستعمارية والتجارية تراكما للثروة في أوروبا وشكلت المادة الأولى للثورة الصناعية. (( وحتى عهد الثورة الصناعية لم يكن النمط الرأسمالي قد وجد بعد ))([7]). ولهذا فالمرحلة المركنتيلية لم تكن سوى مرحلة انتقالية نحو الرأسمالية، والتي امتدت حتى تفجر الثورة الصناعية، إذ لا يمكن الحديث حتى قيامها عن سيطرة مطلقة للنسق الرأسمالي على التشكيلات الاجتماعية الخاصة بتلك الحقبة وإكمال تفكيك النظام ما قبل الرأسمالي.

إن التبلور الرأسمالي يمكن النظر إليه من زوايا مختلفة، فمن الناحية الاقتصادية افرز النظام علاقات اقتصادية غير متكافئة يحكمها النشاط الاقتصادي المهيمن واليات توزيع الدخل والثروة. وعدم التكافؤ الاقتصادي بين الشرائح والطبقات الاجتماعية المتنافسة على السلطة قاد إلى إفراز علاقات سياسية غير متكافئة لصالح طبقة معينة. أما من الناحية الاجتماعية فقد أدى ظهور وانتشار العلاقات الرأسمالية إلى استقطاب اجتماعي حاد بين طبقتين كبيرتين في البداية، تقلصت إحداهما (الرأسمالية) وتوسعت الأخرى (العاملة) فقبضت الأولى على السلطتين السياسية والاقتصادية.

أما على المستوى التقاني فقد جرى بفضل الثورة الصناعية الأولى تحول ثوري في طرق الإنتاج، وجرى التحول من الورشة ( المانفكتورة ) إلى المصنع القائم على قسمة العمل الأمر الذي سمح بزيادة الإنتاج الوطني. وجرى استبدال العمل اليدوي بطرق ذات إنتاجية عالية، فارتفع مستوى الدخل الفردي، ونتج عنه أيضا تامين لاحتياجات الأفراد لم تشهده النظم السابقة، فتنامت روح المبادرة الفردية (من جانب الرأسماليين ) وبذلك يمكن القول ان الرأسمالية سمحت بتحسين كمي ونوعي في مستوى معيشة الأفراد.

 

لكن الأمر لم يخلو من مشكلات عبرت عن نفسها في صور مختلفة لعل أبرزها أزمات فيض الإنتاج التي تحدث البطالة وتزيد من بؤس العمال وشقاءهم. وتشير كتب التاريخ الاقتصادي التي أرخت لمرحلة التطور الصناعي إلى وقائع غير مشرفة في البلدان الأوروبية  من استغلال للعمال وتشغيل النساء والأطفال (في السادسة من العمر) ساعات عمل طويلة قد تصل في بعض المناطق إلى 17 ساعة عمل في صناعة النسيج بأجور لم تكن تكفي إلا لسد الرمق، وتدنت أوضاع الطبقة العاملة، الأمر الذي أحدث ردود فعل عنيفة هزت أركان النظام القائم. وما يهمنا هنا هو القول أن الخصيصة الأساسية لهذه المرحلة إن آليات النمو كانت متمحورة على المستوى القومي، بمعنى إن النمو الاقتصادي كان مرهونا بالمؤشرات الكلية القومية.

 

أما بلدان العالم الثالث فخلال هذه المرحلة كان دورها متوقفا عند حدود تامين عمل قوانين النظام الاقتصادي فقد استمر الشكل السابق للاستغلال الاستعماري وان ظهرت بعض الصيغ الاقتصادية للاستغلال، وبالنسبة للوطن العربي فانه في أثناء مرور أوروبا بهذه الحقبة كان خاضعا للسيطرة العثمانية قرابة أربعة قرون. وفي الوقت الذي حققت فيه أوروبا قفزاتها نوعية وتمكنها من أحداث النهضة العلمية والصناعية والجغرافية والسياسية بما جعلها قوة طاغية، كان المشروع الحضاري العربي في تراجع، فقد عانى الوطن العربي طوال الحقبة العثمانية من العزلة النسبية عن العالم، وربما يكون ذلك عائدا إلى انتقال مركز السلطة خارج الوطن العربي وتحول طرق المواصلات والتجارة العالمية بعيدا عن أراضيه بسبب الاكتشافات الجغرافـيـة([8]). لكننا لم ننس ان الاختراق الأوروبي كان مبكرا لأطراف الوطن العربي، فمنذ القرن السابع عشر بدا نطاق هذا الاختراق يتسع، وفي القــرن التاسع عشر تحول إلى احتلال عسكري سافر، فادمج الوطن العربي ضمن النظام الاقتصادي الرأسمالي.

 

ليس جديدا القول بان السمة البارزة في الرأسمالية هي ميلها الكامن للتوسع في المناطق غير الرأسمالية كأحد العوامل الضرورية لضمان بقاءها واطراد نموها. (( فالرأسمالية الحديثة تزدهر بتحطيم الأنظمة، حيث تجري إزاحة العلاقات الاجتماعية، وعلاقات التجمعات والتكنولوجيات القديمة كلها لصالح أخرى جديدة أكثر كفاءة.))([9]) فحتى خلال المرحلة التي كانت فيها عمليات الإنتاج والاستثمار متمركزة في الداخل (الدواخل) القومي، كانت الرأسمالية تميل إلى التوسع ، وقد عبرت عن ذلك موجات التوسع الاستعماري. لهذا يمكن القول، إن النظام العالمي للرأسمالية كان وما يزال يلعب دورا مهما في نموها وتوسعها، فالنسق الرأسمالي قائم على تقسيم دولي للعمل بين مراكز وأطراف يجري بمقتضى هذا التقسيم تخصيص الموارد والمواد الأولية وتصنيعها وتسويقها واستهلاكها وجني الأرباح منها واستثمارها ثم إعادة استثمارها. تكون وظيفة الأطراف إنتاج وتصدير المواد الخام مقابل استيرادها السلع الاستهلاكية والإنتاجية المصنعة والمواد الغذائية، وهذا أساس تبعية العالم الثالث للعالم الرأسمالي تجاريا وماليا وتقانيا، التي لا يمكن الفكاك من آسار هذا التقسيم الذي يكفل (( إعادة إنتاج علاقات السيطرة والهيمنة على بلدان المحيط ، وهو أمر كانت له أهمية بالغة في تعضيد نمو الرأسمالية ))([10]).

لقد تم خلال مرحلة الاقتصاد الدولي ربط الأطراف اقتصاديا بالمركز من خلال تعديل آليات النمو والتطور لتستوعب الأطراف، وتدمجها في آليات اشتغال النظام الاقتصادي فاصبح النظام محكوما بتقسيم العمل المذكور وتخترقه أشكال من التبادل غير المتكافئ بين مركز النظام وأطرافه، يتحدد دور الأخيرة وموقعها في النظام الكلي بما يؤديه نظامها الاقتصادي في النظام الرأسمالي العالمي، لذا نجد في هذه المرحلة تراتبية (هيراركية) دولية لا تشمل الأطراف فحسب بل تشمل المراكز أيضا.

هذه المرحلة تترافق مع ظهور الدولة في الأطراف كمفهوم جرى تظهيره بشكل عشوائي، فجاءت ولادة الدولة في العالم الثالث مشوهة. لقد ظهرت الدولة القومية في أمريكا اللاتينية منذ أواخر القرن التاسع عشر، تبعتها موجات الاستقلال السياسي للبلدان الآسيوية والأفريقية التي امتدت حتى ستينات القرن العشرين. وجدير بالذكر ان تعميم الفكرة القومية شرطا ضروريا لإدامة الاستغلال ونزح الفائض، فالدول التي أنتجتها الولادة المشوهة هي دولة كومبرادورية، في الوقت نفسه أدمجت النخب الاقتصادية والسياسية في مجتمعات العالم الثالث في إطار عمل الشركات الدولية من خلال السوق الدولي، وجرى نقل عملية الإنتاج الرأسمالي إلى البلدان المنتجة للمواد الأولية أو الموفرة لقوة العمل الرخيصة، وهو ما أدى إلى خلق قطاع صناعي رأسمالي في قلب الصناعات المحلية، يتمفصل معها ويسخرها لخدمته([11]).

 

وبحسب د. سمير أمين([12]) نجد أن راس المال المهيمن يفضل دائما أنماط التنمية التابعة دون سيطرة محلية على عملية التراكم، أي انه يفضل التعامل مع الدولة الكومبرادور أي الدولة التي وظيفتها الأساسية ضمان هيمنة راس المال العالمي، وطبقا لأطروحته عن التبعية و التوسع الرأسمالي فان قوانين النظام الرأسمالي الاقتصادية والسياسية في مجموعها لا تعمل باتجاه تجانس العالم (المتقدم والمتخلف) على أساس تعميم نمط الدولة البرجوازية الوطنية ذات الهيمنات الخمس الآتية: الهيمنة على إعادة تكوين قوة العمل، الهيمنة على تمركز الفائض المالي، الهيمنة على السوق المحلية، الهيمنة على الموارد الطبيعية، والهيمنة على التقانة، بل تعاد كومبرادورية مجتمعات العالم الثالث عن طريق إخضاع تنميتها المستقبلية لمقتضيات إعادة انتشار راس المال المهيمن. وباستخدام نقاط ضعف الدولة في الأطراف تلك النقاط التي تظهر آثارها في ميادين الدين المالي، صعوبة الانتقال إلى المستويات التقانية العليا، أزمة التغذية ،أزمة التحضر غير المسيطر عليه، تغلغل نمط الاستهلاك الغربي، تغلغل تأثير الثقافة الغربية المزعومة، الضعف العسكري... الخ.

 

أما بالنسبة للوطن العربي فان دوله القطرية أدمجت في التقسيم الدولي للعمل وان كانت في هذا متأخرة عن مثيلاتها من دول العالم الثالث، فأنها أخضعت لاستنزاف خطير عملت على تنفيذه الشركات الدولية النشاط مستغلة الميزات النسبية المتعددة للأقطار العربية سواء في قطاع النفط أو في غيره من القطاعات وبالأخص قطاعات البناء والتشييد، وتعمق اندماج الأقطار العربية منفردة في السوق الدولية، وتلونت تبعيتها بألوان حالكة من قبيل: تزايد الاعتماد على تصدير النفط والمنتجات المنجمية، زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج، سيطرة الدول الرأسمالية على الفوائض المالية النفطية العربية، زيادة مديونية الدول غير النفطية، التبعية التقانية المتزايدة، التبعية الثقافية، التبعية الغذائية([13]). وعلى قدر تعلق الأمر بأغراض البحث نقول: إن  صور التبعية هذه يمكن تعميمها على بقية بلدان العالم الثالث (مع الاحتفاظ ببعض الفروق) وهي في مجموعها شكلت صور التعامل الغربي مع العالم الثالث خلال مرحلة الاقتصاد الدولي.

لقد واصلت الرأسمالية انطلاقها وبخاصة في مجالات التقدم التقاني ونمو الإنتاج ورفع مستوى المعيشة، وعلى مستوى أخر حدثت تحولات عميقة في نظم الملكية ونظم العمل (وان كانت تحولات قانونية بدرجة أساسية) وفي نظم الإنتاج بحيث سمحت الثورة الصناعية الثانية بأحداث تحول في قلب المشروع الرأسمالي الذي تحول إلى "أخطبوط احتكاري " اخذ يتوسع أفقيا ورأسيا وتحولت الشركات والمنشات الوطنية الكبرى إلى منشات احتكارية، وشهدت هذه المرحلة تدخل الدولة في إطار الفكر الكينزي حتى وصل التدخل إلى بنية الاقتصاد الرأسمالي نفسه عبر عمليات التأميم والاشتراك في الإدارة. وعموما يمكن ان  نرصد عددا من التغيرات في رأسمالية مرحلة الاقتصاد الدولي تختلف بها عن رأسمالية المرحلة القومية فقد تغيرت السوق من المنافسة بين الأفراد إلى منافسة احتكارية بين الجماعات، وظهرت المنشات العامة أيضا كصورة للاحتكارات، وحل بدل الرأسماليين فئة جديدة تكنوقراطية وإدارية تهتم بالتطوير والإدارة العلمية.

 

إن صفة العالمية لا تعني نشر عمليات الإنتاج الرأسمالي بل وصول النظام الرأسمالي إلى مستوى أعلى من التطور بحيث بات يعمل على الصعيد العالمي لا بمعنى تعميم الأشكال الخاصة بالرأسمالية فقط وانما بالنظر إلى العالم كوحدة اقتصادية واحدة وربط آليات اشتغال النظام بمفاعيل عالمية بعد ان كانت هذه المفاعيل دولية في المرحلة السابقة. إن ما نزعمه ان العولمة إذا ما اعتبرناها مرحلة متطورة للرأسمالية فإنها تميزت بما يأتي:

(1)               التوسع الهائل في استخدام التقانة المتقدمة واثر ذلك على الإنتاج وعنصر العمل.

(2)              تدني مساهمة العمل ووسائل الإنتاج المادية لحساب ارتفاع مساهمة راس المال المالي.

(3)              ظهور مجتمع المعلومات.

(4)               توسع النظام الثقافي للرأسمالية الذي يكفل نشر " الثقافة الاستهلاكية " .

(5)               ان قانون القيمة اتخذ صيغة أكثر تطورا.

 

وعلى هذه العناصر تنبني فرضيتنا حول العولمة وهي ان التطور التقاني الذي حققته الرأسمالية سمح لها ان توظف النظام الثقافي لتعظيم القيمة الرمزية للسلعة بالتزامن مع استخدام التقانة العالية لتدنية القيمة الفعلية.

 

إن أهم تغير طرأ في هذه المرحلة من تطور الرأسمالية هو تفجر ثورة جديدة على مستوى العلم والتقانة، إذ اتجه الاقتصاد العالمي في مسار جديد منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات. وبقطع النظر عن البداية الحقيقية للثورة العلمية والتقانية، فان ثمارها قد نضجت منذ الربع الأخير من القرن العشرين بفضل  تلاشي الفجوة ما بين المعارف العلمية والتقانية، والتغير في مفهوم التقانة بدلا من اعتبارها مزيجا من الاختراعات والابتكارات الفردية إلى اعتبارها كمرادف لتطبيق العلوم في مجالات الإنتاج([14]) ولهذا قيل أن العلم أصبح قوة منتجة في ظل هذه الثورة. وتحدث البعض عن تحولات تقانية عميقة أثرت وستؤثر مستقبلا في كافة مناحي الحياة وانساقها الثقافية المختلفة لتتجاوز بذلك مجالات الإنتاج إلى التأثير في الظواهر الاجتماعية والقيمية والسلوكية والاقتصادية والسياسية والبيئية، فأحدثت بذلك تغيرات شملت مفاهيم الوطنية والحدود والأمن وقوة العمل والتعليم والثقافة واللغة ومخاطر تشكيل أنماط الحياة والاستهلاك والتفكير والاختراق الثقافي.

من دون الخوض في التفاصيل نقول ان الثورة العلمية والتقانية أحدثت تحولا بنيانيا في الاقتصاديات الصناعية المتقدمة سار باتجاهين([15]): الأول هو نمو الصناعات المؤتمتة، وهي صناعات قائمة على إدماج المراحل الإنتاجية لسلعة معينة في سلسلة متصلة على نحو آلي عبر استخدام الحاسب الإلكتروني الذي وسع من نطاق تطبيقات تقانية ضخمة زادت من سرعة الأتمتة في  معظم جوانب العملية الاقتصادية، وأصبح الحاسب الإلكتروني وهو رمز الاوتوماتية الذي يتحكم آليا وذاتيا بالوحدة الإنتاجية، ويمهد لعملي ترشيد القارات، وتاليا إدخال القدرة على التجديد من خلال إدخال الروبوت في الإنتاج. أما الاتجاه الآخر، فهو التحول بنمو قطاع الخدمات بحيث بات قطاعا غالبا في الاقتصاديات القومية الرأسمالية، وأصبح الاقتصاد اقتصادا معلوماتيا وهو ما نظرت إليه الكتابات الغربية بأنه التحول إلى « مجتمع ما بعد الصناعة » الذي يتميز بكثافة العمالة والتقانة العالية في مجتمع يعتبر المصادر البشرية أساس التقدم الاقتصادي. وفي كلا الاتجاهين جرى التحول نحو السلع كثيفة العلم والمعلومات. وأصبح مفهوم التصنيع المتصل بالثورة المعلوماتية يضم الخبرات العلمية والأكاديمية مع عملية التصنيع نفسها، وهو ما يعزى إلى (( المستوى الراقي للمنتج، العلاقة العضوية بين التصميم والإنتاج والرقابة، وان أدوات ومعدات الإنتاج في الثورة المعلوماتية هي نفسها أحد منتجاتها. وهنا تذوب الفوارق بين المعرفة الأساسية الإنتاج الصناعي، كما تتكامل حرف وعلوم وصناعات الإلكترونيات بشكل لم تعرفه البشرية في أي إنجازات سابقة))([16]).

إن التحول السابق أجرى تعديلات مهمة على تقسيم العمل الدولي على أساس استطراد تخصص البلدان المتقدمة في فروع صناعية معينة ذات مستوى عال جدا من التطور العلمي والتقاني، وبخاصة في فروع الإلكترونيات الدقيقة وما يرتبط بها، مقابل استمرار تخصص العالم الثالث في الإنتاج الأولي والاستهلاكي، أما تلك البلدان التي حاولت الاستفادة من ثمار الثورة العلمية والتقانية فأنها عملت على اجتذاب الشركات متعدية الجنسيات بهدف الحصول على التقانة وان كانت تابعة وركزت على محاكاة السلع المنتجة في البلدان المتقدمة. وهو تقسيم للعمل زائف يوحي بتخصص الدول في حين انه تخصص لفروع الشركات العاملة في هذا البلد أو ذاك، وهو تقسيم داخــل الصناعة متعدية الجنسـية، وبصورة أكثر عمقا تقسيم للعمل داخل المنشاة الواحدة من خلال تدفقات رأس المال الأجنبي المباشر.

 

ويبقى التغير الحاسم في هذه المرحلة ان الإنتاج أصبح عملية تقانية وعلاقاته هي الأخرى تقانية، فقد تحول المشروع الرأسمالي إلى مشروع قائم على تجزئة العمليات الإنتاجية في الزمان والمكان، هذا التفتيت الواضح للإنتاج هو السمة الذي هيأته التقنية الجديدة، واستخدام الخدمات الإنتاجية على نطاق واسع في منظومات الإنتاج عبر اعتماد نظم تصنيع عالية المرونة من خلال التحكم المركزي للحاسوب أو من خلال التصنيع المتكامل باستخدام الحاسوب في عمليات التصميم واختيار الخامات والإدارة وبرامج بحوث العمليات واختبار الجودة وتصميم السلعة وتسويقها، وأستبدل الحديث عن مزايا الإنتاج الكبير ووفورات الحجم بالحديث عن مرونة الحجم للمشروع الذي يمتد أو ينكمش تبعا لحجم الحزمة التقانية فيه. واصبح الإنتاج " إنتاجا رقميا " ، فاستبدلت به صور الإنتاج الفوردي ( نسبة إلى رجل الصناعة الأمريكي فورد ) والإنتاج الميكانيكي التقليدي، هذا الإنتاج الجديد  كثيف المعرفة، عديم الوزن في حالات كثيرة، وسلعه ذات اشتراطات خاصة. استتبع ذلك تغيرات كبيرة و مهمة في الأطر التنظيمية والمؤسسية للاقتصاد والمجتمع معا فاستبدلت كثافة  الموارد ( في النموذج التقليدي ) بكثافة المعلومات ( أو المعرفة )، والنتيجة ان اصبح الإنتاج يتمتع بالمرونة وبالقدرة المتنامية على تلبية احتياجات المستهلكين، وغير معتمد على تركيبة موحدة لمنتج واحد ( عدم تجانس السلع على مستوى الوحدة الإنتاجية )، فضلا عن انه استبدل  تلك البنى الهرمية القديمة ببنى أفقية جديدة تمتد في نقاط لا حصر لها على خريطة العالم.

 

هذه التحولات تقودها وتنتفع بها وتوجهها مؤسسات عالمية  في نشاطها تحمل العولمة وتروجها ضمن بضائعها التي تحمل وبقوة علامة لحرية فوق قومية، مستغلة في ذلك قدرتها الفائقة على التكيف مع التحولات التقانية، كما حسنت من موقعها في التشريعات الوطنية([17]) عبر خفض الكلفة والتوفير في الضرائب وتفادي ضغوط النقابات من ان تتعرض هذه الشركات لأيّة محاسبة وطنية أو عالمية.

 

ومع اطراد التقدم التقاني حدثت تحولات في أساليب العمل وتغيرت معها (وبدفعها) تركيبة القوى العاملة. إن اتساع قطاع الخدمات وازدهار المهن المكتبية وتجزئة العمل  في محله بحيث أصبح فاقدا للكثير من محتوياته الاجتماعية، وهو ما دفع بعض الكتاب الماركسيين إلى الحديث عـن ضياع الرسالة التاريخية للطبقة العاملة. ومن جهة أخرى، أدى إدماج المراحل الإنتاجية للسلعة في سلسلة متصلة خاضعة للتحكم الآلي والذاتي إلى التقليل من الحاجة إلى تجمع العمال في مكان واحد، وقاد إلى تغير في صورة العمل التقليدية نتيجة التقدم العمل الذهني أمام العمل اليدوي وأثره على عمال الإنتاج المباشر، بل وحتى ان مضمون العمل الماهر قد تغير نحو التوجيه الذهني والمراقبة العليا للآلات التي تسير ذاتيا، وهو الأثر الذي جاء بفعل الثورة الإلكترونية التي قادت التحول نحو العمل شديد المهارة، الذي ينصب على توجيه الأجزاء الإلكترونية ووحدات التحكم، وتجهيز البيانات وإعداد البرامج …الخ. وأحدث بالتالي تغيرات في التركيب الداخلي لقوة العمل الصناعية في كل من الصناعات الإلكترونية والصناعات المستخدمة لمنتجاتها([18]). إضافة إلى تغير صورة وطبيعة العلاقة بين العامل والعمل الذي يؤديه نجد ان التقانة تختصر العمليات والتكاليف فتراخت العلاقة بين العملية الإنتاجية والعمالة وهذا ما قاد بيتر دراكر إلى الادعاء بانفصال الإنتاج عن العمل، الأمر الذي وجدوا البرهان عليه في انخفاض عدد العمال في الصناعات التحويلية قياسا بباقي القطاعات الاقتصادية.

 

وتتباين التقديرات حول حجم ومدى الانخفاض في نصيب القطاع الصناعي، إلا أنه ومنذ منتصف الستينات بدأ عمال الصناعة بالتناقص في الولايات المتحدة من حوالي 28 بالمائة عام 1965 إلى 16 بالمائة عام 1994، وفي بلدان الاتحاد الأوروبي فقد كانت النسبة حوالي 70 بالمائة عام 1970 انخفضت إلى 20 بالمائة عام 1994 . أما اليابان فقد انخفضت فيها النسبة من 27 بالمائة عام 1973 إلى 23 بالمائة عام 1994، ومن المحتمل ان يستمر التناقص في عمال القطاع الصناعي إلى حوالي 14 بالمائة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين([19]).

 

ويدلل فؤاد مرسي([20]) على إن الثورة العلمية والتقانية قد اقترنت بتحولات ضخمة تخص الطبقة العاملة التي ولدت في العصر الصناعي السابق ، ولربما ستختفي هذه الطبقة في العصر ما بعد الصناعي، حيث:

-   تغير تركيبها باتجاه انخفاض عدد العمال الصناعيين وبخاصة اليدويين، وتزايد عدد أولئك الذين يمارسون العمل الذهني.

-         تغير طبيعة عملها ومن ثم عملها وتاليا عقليتها المهنية والاجتماعية.

 

وبذلك يمكن القول انه لم يعد العمال يشكلون طبقة اجتماعية، وإنما مجرد فئات مصطفة لتضم مجموعات الخبراء والمهندسين وعمال الخدمات المختلفة… الخ، ولا بد بعد ذلك أن نتوقع ان يتغير هيكل العمالة في القطاعات الاقتصادية المختلفة مع تغير التقانات المستخدمة فيها، وبالتالي سيصبح الطلب على العمالة مرتبط وبدرجة كبيرة بوجود مهارات  محددة ومستوى  مرتفع من التعليم.

بالفعل لقد أصبحت الموارد الذهنية موردا اقتصاديا أكثر أهمية في جميع الأمم، أضحت اليد العاملة الرخيصة والمواد الخام التقليدية بفعل  الثورة العلمية والتقانية لا تملكان تلك القيمة التي كانت لهما فيما مضى، وهذا ما يستدعي ان تتبنى بلدان العالم الثالث تقانات متقدمة في إطار من التصنيع الجديد، وفي هذا المضمار كانت بلدان النمور الآسيوية السباقة للانتقال نحو نظم إنتاج تقانية، واتجهت إلى حيث يتجه الاقتصاد العالمي، ووضعت على ضوء ذلك سياسات اقتصادية جديدة استهدفت من خلالها تحرير اقتصادياتها من مسألة اليد العاملة الوفيرة والرخيصة والاعتماد على الصناعات المتقدمة والاستثمار في الصناعات الجديدة القائمة على التقانات العالية.

إن التقدم التقاني يدفع بالعولمة مثلما تدفع الأخيرة به، فقد اصبح السوق العالمي يعتمد على التقنية، وبالإمكان الاستدلال على هذا الأمر من خلال معرفة ان صناعة التقنيات العالمية كانت أسرع المجالات نموا في التجارة العالمية، فشكلت حوالي خمس التجارة العالمية. ويشير تقرير التنمية البشرية لعام 2001 إلى انه في (68) اقتصادا تمثل 97 في المائة من النشاط الصناعي العالمي ظهر أن معدل إنتاج التقنية العالمية قد زاد بأكثر من ضعف المعدل الكلي في جميع الدول عدا دولة واحدة خلال المدة (1980 –1997)([21]). ويشير الجدول  التالي بصورة واضحة إلى ان المنتجات عالية التقنية تسيطر على التجارة العالية خلال العقد التسعيني.

 

جدول رقم (1)

المنتجات عالية التقنية تسيطر على التوسع في التصدير

( متوسط النسبة المئوية السنوية للنمو في الصادرات  1980-  1998)

المنطقة

صناع التقنية العالية

صناع التقنية المتوسطة

صناع التقنية المنخفضة

الصناع المعتمدون على الموارد

المنتجات الأولية

العالم

13.1

9.3

9.7

7.0

3.4

البلدان النامية (ا)

21.4

14.3

11.7

6.0

1.3

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مرتفعة الدخل (ب)

11.3

8.5

8.5

7.0

4.4

(أ‌)       تشمل شرق أوروبا ورابطة الدول المستقلة.

(ب‌)    تشمل قبرص، إسرائيل ومالطا.

المصدر/ تقرير التنمية البشرية لعام 2001 ، الجدول رقم ( 2-2)، ص 31  

 

في  ظل التقانة الجديدة يجري إعادة ترتيب هياكل الإنتاج باتجاه التكامل الأفقي فأصبح الإنتاج يقسم بشكل متزايد بين لاعبين منفصلين (متعهدين ثانويين، موردين، معامل، مستشاري إدارة، معاهد تعليم وبحث، مؤسسات بحوث تسويق، موزعين…) بحيث يلعب كل منهم دورا متخصصا تخلق سلاسل القيمة التي توجه الاقتصاديات العالمية ذات القاعدة الإنتاجية التقانية، واللاعبين الأساسيين فيها هم الشركات التي نجحت في خلق سلاسل قيمية عالمية([22]). تتجاوز الحدود السياسية التي بدأت تتآكل في ظل العولمة، فقد أصبح الإنتاج عالميا لجهة توزيع العملية الإنتاجية نفسها في الزمان والمكان، وأصبح السائد ليس إنتاج السلعة كاملة الصنع، وإنما التخصص في إنتاج مكونات الإنتاج ومستلزماته الموزعة في أكثر من دولة، فكل سلعة تحتوي على عناصر صنعت في أكثر من دولة، وبهذا فقد تحرر الإنتاج من الالتزام المكاني والخضوع لسطوة الدولة.

 

وحتى نستكمل الأثر التقاني البحت على الجانب الاقتصادي والدور الذي يمارسه في الدفع نحو العولمة نعرج على ثورة الاتصالات وما حققته من نتائج ربما تفوق في بعض من جوانبها حدود التصور فأحدثت آثارا اقتصادية وسياسية وثقافية عظيمة بل إنها من أكثر الجوانب الحركية دفعا نحو العولمة. لقد هيأ الانخفاض الشديد في  تكاليف الاتصال سواء في مجال البنى الأساسية الدولية للاتصالات باستخدام الكابل البحري والأقمار الصناعية، وسواء في انخفاض تكاليف التوصيل إلى المنازل للمشتركين وما حققته التقانة الرقمية Digital في مجالات الاتصالات تطورت شبكات الاتصال في العالم. ويبقى التطور الأهم في العالم هو ابتكار شبكة الانترنيت التي تعتبر الحدث الأهم في القرن العشرين التي ارتبطت بالحاسوب والهاتف بما حقق تقارباً  كبيراً بين الشعوب والأمم، وأصبحت الشبكة العنكبوتية العالمية متخمة بالعناوين والمعلومات التي تتبادل بلمح البصر، وأصبح البريد الإلكتروني وسيلة جديدة  للاتصال ترتب على استخدامها نتائج مهمة لعل أهمها:

        ·    إن التقدم التقاني في مجال الاتصالات جاء في معظمه من البلدان المتقدمة وبخاصة الولايات المتحدة، نتيجة التفاعل العميق بين التراكم المعرفي العلمي، هذا ما جعل هذه البلدان تحكم قبضتها على المعرفة والتقانة. لذا نلحظ توزيعاً غير متساوي لهذه المعرفة والتي وإن أتيحت لبلدان العالم الثالث فإنها لن تكون بمتناول اليد والعقل لما تحتاج إليه من وقت لاستيعابها وتحصيل مكاسبها مشروطة بتوافر البنى المؤسسية العلمية والتربوية الكفيلة بتحقيق ذلك.

        ·    لقد طرحت هذه الثورة وبخاصة استخدام الانترنيت في الاتصالات مفاهيم جديدة لم تكن موجودة في السابق لعل أبرزها:

             1.   الحكومة الإلكترونيةElectronic Government    التي تعني ربط الأجهزة الحكومية في بلد معين بشبكة اتصالات معلوماتية لتسيير وتسهيل الإجراءات والمعاملات.

             2.   التجارة الإلكترونيةElectronic Trade    أي التسوق عبر الانترنيت وهي التجارة التي يتوقع أن تحقق حصة كبيرة من التجارة العالمية

                                       3.       التعليم والتدريب عن بُعد Distant Education and Training

             4.   القرية الالكترونية العالمية فبفضل الانترنيت أصبح العالم يتفاعل  على نحو غير مسبوق مع الحدث في كل مكان في العالم، وغدا الكل يتكلم  لغة رقمية.

     

خلال نصف القرن الماضي انتقلت الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة تدريجيا الى مجتمع المعلومات أو ما بعد العصر الصناعي. ففي الاقتصاد، احتلت الخدمات وبشكل متزايد، مكان التصنيع كمصدر للثروة. فالعامل التقليدي في مجتمع المعلومات صار يعمل في المصرف، أو في شركة حاسبات، أو جامعة، أو وكالة للخدمات الاجتماعية، بدل العمل في مصنع للسيارات أو معمل للحديد. لقد تعاظم دور المعلومات والبراعة الذكية، التي يمتلكها الأشخاص والمكائن المتقدمة باطراد، داخل الجهد الفكري مكان الجهد البدني. وأصبح الإنتاج معولما بعد أن فتحت تقانة المعلومات الرخيصة طرق انتقال المعلومات عبر الحدود القومية، بينما ألغت طرق الاتصال السريعة بواسطة التلفيزيون والراديو والفاكس والبريد الالكتروني، الحدود التي كانت قائمة لحقب طويلة أمام مجتمعات حضارية عدة([23]).

لم تتعانق الثورة المعلوماتية بمثل ما تعانقت مع الثورة المالية وهو ما دفع البعض إلى نحت اصطلاح الثورة المعلومالية([24]) ( المعلوماتية + المالية ) تأسيسا على ما هيأته الثورة المعلوماتية من ترابط أسواق المال وتأثر بعضها بالبعض الآخر، وهو ما أدى إلى تشكيل قرية مالية عالمية فأصبحت الرابط العولمي الأقوى، وأصبح تأثير هذه الأسواق والعلاقات الناشئة في داخلها وفي ما بينها، وأدوات مالية جديدة لم تكن موجودة في زمن غير زمن العولمة.. هذا الارتباط الوثيق بين عولمة الأسواق المالية والتطور المعلوماتي يرتبط أيضا بتطور أيديولوجي مهم، ففي أعقاب صعود التيار الليبرالي الجديد الذي دعا إلى التحرير الشامل وإلغاء القيود والضوابطDeregulation   على النشاط الاقتصادي وإلغاء القيود المصرفية والقضاء على الحواجز أمام المنافسة الداخلية والخارجية([25]). كما ارتبطت العولمة المالية بعوامل أخرى كانهيار نظام بريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة، وظهور فوائض مالية ضخمة تبحث عن الربح السريع، وانتهاج بلدان عديدة طريق التكييف الهيكلي، وتفاقم أزمة المديونية الخارجية وربط عملية إعادة الجدولة بتحرير تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود الدولية، فتحولت حركة هذه التدفقات إلى سيل عارم يصعب السيطرة عليه أو التأثير في اتجاه ومعدل حركته.

 

أن تصدير راس المال له تاريخ طويل فهو نتاج لعمليات البلدان الرأسمالية المتقدمة عبر العالم، وللمؤسسات الاقتصادية التي انبثقت خلال نضج الرأسمالية كنظام عالمي. كذلك فان راس المال ليس نتاجا لفائض راس المال بحد ذاته، فمتى ما وجدت الأسواق المالية المتطورة أمكن استغلالها من خلال طرق عديدة، أما الدعامة الأساسية للأسواق المالية فهي الشبكة الدولية من التجارة والاستثمار التي تولدت عن استجابة الدول الصناعية المتقدمة لحاجتها إلى العمل في الأسواق العالمية([26]). ومع استقلالية حركة راس المال عن حركة السلع والخدمات نشأ اقتصاد مستقل يمكن تسميته (( اقتصاد الائتمان والديون )) وأخذت تدفّقات راس المال الدولي تتخذ شكلين أساسيين هما: راس المال الإنتاجي بإقامة وحدات إنتاجيه وشراء أصول رأسمالية، وراس المال الائتماني في صورة قروض وتسهيلات ائتمانية([27]). فأما بالنسبة للشكل الأول نجد إن لتدفقات رأس المال الإنتاجي دورا مهما في عولمة الإنتاج وأصبحت الاستثمارات الأجنبية المباشرة Foreign Direct Investment  أداة مهمة من أدوات توسيع الإنتاج، وإيجاد الضمانات ضد المخاطر التقانية والتجارية وهذه الاستثمارات حتى الستينات كانت تتزايد بفضل تدفقات رأس مال جديد. غير أنه، ومنذ منتصف الستينات، أخذت الصورة تختلف إذ أصبح يعاد استثمار الأرباح محليا وأصبح اهتمام الدول الرأسمالية الكبرى منصبا على توسيع رأس المال المحلي وإلغاء القيود على رأس المال الأجنبي، فأمسى رأس المال الداخلي هو المصدر الأساسي لتكوين رأس المال الأجنبي الجديد، وتراجعت بالمقابل التدفقات الجديدة لرأس المال مع انخفاض العائد على المشروعات مقارنة بمعدلات الفائدة في الأسواق المالية([28]).

 

ويشير فؤاد مرسي إلى ان نصف التدفقات من راس المال الإنتاجي صارت تتم ما بين البلدان الصناعية نفسها، وصارت الولايات المتحدة هي المصدر الأكبر لرأس المال على شكل استثمارات مباشرة والتي بلغت في أوروبا 6.7 مليار دولار عام 1960 بعد ان كانت 1.7 مليار دولار عام 1950 ثم صارت 24.5 مليار دولار عام 1970 وصلت إلى 95.6 مليار دولار عام 1980([29]).

 

وفي أوائل التسعينات ظهرت توجهات لمعظم دول العالم لوضع سياسات تؤثر في تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى دولهم. وذلك ضمن استراتيجيات لجذب الاستثمار المباشر على الرغم من ظهور هذا النوع من الاستثمار في حقبة سابقة. فبينما كانت تقدر هذه الاستثمارات بحوالي 67 مليار دولار في المدة ( 1982-1987 ) أصبحت حوالي 158 مليار دولار عام 1992، والملاحظ إن هذه الزيادة تتمركز في عشر إلى خمسة عشر بلدا معظمها من الدول المتقدمة. وتُقدر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى بلدان العالم الثالث حوالي 109 مليار دولار عام 1996 بعد ان كانت في العام 1995 حوالي 95.5 مليار دولار. بينما لم تتجاوز في العام 1990 الـ 24 مليار. وبذا تشكل هذه التدفقات أكبر عنصر من عناصر التدفقات المالية الصافية إلى العالم الثالث، وتتسم هذه التدفقات بشدة التركيز فثلاثة أرباع إجمالي التدفقات تقريبا تذهب إلى اكبر عشر بلدان مستفيدة، غالبيتها في أسيا وأميركا الجنوبية([30]).

 

وإذا ما استقصينا عن الأسباب التي ساعدت على قيام مثل هذه الاستثمارات لوجدناها تنحصر في الرغبة في زيادة الكفاءة الاقتصادية، والتخلص من العوائق الجمركية والحمائية، والمحافظة على الأسواق القديمة، والحصول على أسواق جديدة، لذا أصبح من الضروري الاعتماد على مبدأ كفاءة الإنتاج، والذي يتطلب بدوره الاستثمار في مصانع جديدة تعمل بها طواقم إدارية وفنية وعمالية ذات مهارة متميزة، وباستخدام تقانة متقدمة وبخاصة في مجالات الاتصالات والمواصلات، وبذا أصبحت العلاقة بين الاستثمار والتجارة علاقة ترابط وتكامل بعد أن كان ينظر إليها على أنها علاقة بدائل([31]).

وبالنسبة للشكل الثاني شهدت الحقبة النفطية (1973 – 1980 ) تصاعدا مذهلا في حجم القروض والاعتمادات التي منحتها مجموعة المصارف الدولية الخاصة بالمقارنة مع الائتمان الصادر عن المنظمات الدولية والحكومية، فلقد زاد حجم الإقراض الدولي من 12 مليار دولار عام 1972 إلى 120 مليار دولار عام 1980([32])، وقد سجل رقما قياسيا عام 1997 إذ أعدت للمقترضين غير المقيمين 1.2 تريليون دولار في صور سندات متوسطة الأجل، إضافة إلى القروض المصرفية([33]). ويرجع شيوع اصطلاح العولمة في سوق الأوراق المالية في العقود الثلاثة الأخيرة إلى تلك الإجراءات الضخمة التي اتبعتها الدول الصناعية المتقدمة لتحرير حركات رؤوس الأموال من القيود المفروضة عليها، والدور الكبير الذي لعبته الثورة المعلوماتية، الأمر الذي جعل الأسواق المالية أكثر ترابطا واقدر على أيجاد الفرص الاستثمارية المتنوعة والجذابة أمام الراغبين في الاستثمار في أرجاء المعمورة، يضاف الى ذلك ان العولمة التي شهدتها هذه الأسواق فتحت الباب على مصراعيه أمام البنوك التجارية الشاملة والمتخصصة العالمية لتجد الفرص المناسبة لتوظيف أموالها التي تراكمت خلال المدة 1974-1990 نتيجة لظاهرة تراكم الفوائض " البترودولارية " والتطور الذي شهدته أسواق العملات الأوروبية  Euro- Currency Markets  يضاف إلى ذلك النجاح الذي حققته البنوك المركزية في البلدان الصناعية المتقدمة في السيطرة على الظاهرة التضخمية خلال الثمانينات، وإتباع سياسات مرنة لأسعار الفائدة مكنتها من تخفيض معدلات الفائدة. الأمر الذي ساهم بدوره في زيادة الطلب على الأوراق المالية ذات أسعار الفائدة الثابتة (السندات الدولية). ولقد احدث هذا التطور رواجاً كبيراً في مجال الاستثمارات المالية الدولية، ومهد السبيل أمام حركة رؤوس الأموال للانتقال ما بين هذه الأسواق طبقا لمعدلات الفائدة على السندات الجديدة وهي الوسيلة الوحيدة التي كانت قد تلاشت بعد الحرب العالمية الأولى. كما وقد ساهمت سياسات تخفيض وإزالة القيود بين الأسواق المالية في ظهور المناخ المناسب الذي  في ظله نمت وازدهرت  ظاهرة العولمة. ويوضح الجدول التالي تدفقات راس المال الخاص إلى بلدان العالم الثالث مقارنة التمويل الرسمي للتنمية الذي اخذ بالتضاؤل.

جدول رقم (  2)

إجمالي صافي تدفقات المورد إلى العالم الثالث  (1990-1996 ) (مليار دولار)

 

1990

1991

1992

1993

1994

1995

1996

تدفقات رأس المال الخاص

44.4

56.9

90.6

157.1

161.3

183.2

243.8

الاستثمار الأجنبي  المباشر

24.5

33.5

43.6

67.2

83.7

95.5

109.5

تدفقات الحوافظ المالية

5.5

17.3

20.9

80.9

62.0

60.6

91.8

المصارف التجارية

3.0

2.8

12.5

-0.3

11.0

26.5

34.2

غير ذلك

11.3

3.3

13.5

9.2

4.6

1.7

8.3

التمويل الرسمي للتنمية

56.5

65.6

55.4

55.0

45.7

53.0

40.8

المصدر :البنك الدولي، التمويل العالمي للتنمية 1997، واشنطن العاصمة، 1998،  ص4

 

وتجدر الإشارة أخيرا إلى التطورات التي شهدها الاقتصاد العالمي في نهاية هذا القرن. وهي صعود ما يسمى بالاقتصاد الرمزي، وهو الاقتصاد غير المرتبط بالإنتاج، والذي  نما نموا مطلقا وازداد وزنه في الاقتصاد الرأسمالي فأصبح  يتوسع شيئا فشيئا. فقد حدث انفصال متزايد ما بين راس المال المنتج وراس المال النقدي، أي ما بين الاقتصاد الإنتاجي والاقتصاد الرمزي القائم على المضاربة المالية في أسواق الأسهم والسندات والعملات. إن الرأسمالية العالمية تشهد في الوقت الحاضر إفراطا في تراكم راس المال المالي بالمقارنة مع راس المال الإنتاجي، وهو تطور خطير أصبحت فيه أسواق الأوراق المالية هي المرآة التي ترى الرأسمالية فيها وجهها كل صباح([34]). وكلما أوغلت الرأسمالية في النمو ازداد الطابع الرمزي، وصارت المضاربة المالية نشاطا أساسيا  لراس المال وطغى الاقتصاد المالي على الاقتصاد الحقيقي وأصبحت حركة راس المال، وأسعار الصرف، وأسعار الفائدة، لا تعبر عن حركة التجارة الدولية، بل على العكس  باتت مستقلة عنها، حيث بلغ حجم راس المال غير المرتبط بالتجارة والعمل المنتج أربعين ضعفا([35]). فنمت منذ السبعينات المضاربة في الأسواق المالية فتجاوزت نسبتها إلي حجم التجارة العالمية 1: 10 عام 1980،  ثم 1: 50 عام 1992 ثم 1 :70  عام 1995 واقتربت النسبة في عام 2000 من  1: 100 . وفي هذا الصدد تشير الإحصاءات إلى انه وفي الوقت الذي لا تتعدى فيه أرصدة البنوك المركزية عن 700 مليار دولار، فان رقم أعمال البورصات الدولية يتجاوز 1000 مليار دولار يوميا أي ما يعادل قيمة الناتج المحلي لبلد بأكمله مثل فرنسا([36]). كما ان التدفقات المالية بين دول مجموعة السبع G7 فاقت أربعين ضعفا قيمة المبادلات التجارية بين نفس البلدان([37]). وهذا ما يؤكد عمق التحولات التي طرأت على هيكل الاقتصاد الدولي والذي أصبح فيه الاستثمار الإنتاجي غير مغر مقارنة بما توفره أسواق الأسهم والسندات.

 

العولمة ونمو ثقافة الاستهلاك

ينبئ التاريخ الاقتصادي للمجتمعات ما قبل الرأسمالية عن أن التغير في أنماط الاستهلاك كان أبطأ بكثير من معدل التغير في تقنيات الإنتاج، ففي تلك المجتمعات كان الناس يعيشون ضمن حد الكفاف فلم تكن متعة الاستهلاك قد اكتشفت بعد. وحتى أولئك المنعمون والمترفون فلم يكن أمامهم سوى استهلاك كميات اكبر من السلع المنتجة والمتداولة آنذاك. أما النمو المتسارع للاستهلاك فقد ارتبط على نحو وثيق بقيام الرأسمالية وبنمو الصناعية الحديثة بصورة خاصة ذات القدرة على توجيه الأبحاث العلمية نحو اكتشاف وإنتاج سلع جديدة تدخل نطاق التبادل. هذا ما أثار قريحة رواد الفكر الاقتصادي الذين دأبوا على وضع نظرية الاستهلاك في مقدمة النظريات الاقتصادية مستندة إلى مقولة ( أن الطلب يخلق العرض ). ونظريا تتحدد تشكيلة السلع التي ينتجها المنتجون على ضوء طلبات المستهلكين. بمعنى آخر، إن قرار الإنتاج يأتي لاحقا على قرار الاستهلاك، وان كانت قرارات الطرفين مستقلة بحيث تضمن السوق التنسيق بين اختياراتهم وتوجه تصرفاتهم. وما يبدو الآن أن الواقع الجديد قد قلب النظرية، فالعرض هو من يخلق الطلب بصورة ميكانيكية وأصبحت المنشآت هي من توجه المستهلكين لاستـهلاك أنواع محددة من السلع بوسائل مختلفة، ظاهرة وباطنة، مباشرة وغير مباشرة.

 

إن السعي الحثيث نحو تعظيم الأرباح هو ما يميز النظام الرأسمالي عن غيره من النظم الاقتصادية -الاجتماعية، وهذا ما يعني في الممارسة العملية تكاليف أقل ومخرجات أكبر ومبيعات أكثر وأسعارا تنافسية وقد كان التقدم التقاني يمثل عاملا محددا لهذه الأمور. وبفعل الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات باتت لدى المنتجين القدرة على إغراء وإغواء المشترين، ولم تعد مقولة سيادة المستهلك سوى مقولة نظرية جوفاء في زمن العولمة. لقد نجحت الرأسمالية في تغيير الواقع الثقافي لبلدان العالم الثالث لتقبل ما تدره السوق العالمية من منتجات، معتمدة في ذلك على وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال الحديثة، وتوظيف النظام الإعلامي العالمي الذي يستخدم ممكنات الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات في تحقيق الاختراق الثقافي بالدعوة إلى تبني ثقافة الاستهلاك الغربية. بعدما تمكنت الرأسمالية في تأسيس نظام ثقافي وإعلامي يهيئ لها تحقيق الاختراق الثقافي سواء على مستوى التكوين والإنتاج أو على مستوى الوسائل والآليات والأساليب، فتحقق بذلك اختراقاً دعائيا وثقافيا من خلال إدخال المعلومات والأفكار وأنماط السلوك والقيم الغربية في العالم كله، في الصورة والصوت، في السينما والتلفزيون والقنوات الفضائية وأصبح الكل مهيئا لاستقبال ما تدره عليه وسائل الأعلام من مواد إعلامية وثقافية خارجية. وبما إن أسعار هذه المواد منخفضة جداً وأدواتها واسعة الانتشار، فان العالم الثالث مهدد الآن بتراجع لغاته وثقافاته المحلية ومهدد أيضا بنمو عادات وأنماط استهلاكية تكرس تبعيته للخارج على جميع المستويات.

 

على الرغم من ان صور التبعية التقانية متحققة في مراحل سابقة، إلا إن صورة التبعية الجديدة تأخذ أشكالا أخرى، وبدا تأثيرها يتجاوز عملية الإنتاج أو اقتناء وسائل الإنتاج والمقابل الذي يدفع لقاء نقل التقانة من البلدان المتقدمة إلى العالم الثالث، فقد  يتجاوز كل ذلك إلى خلق أنماط جديدة للتبادل والاستهلاك والتسويق. وقي هذه المرحلة جرى الانتقال من توحيد سوق التقانة إلى توحيد سوق الأفكار والقيم والثقافات.

 

إن الرأسمالية اليوم تسعى إلى ترسيخ قناعات وتصورات الغرب وأيديولوجيته من خلال التأثير البالغ لوسائل الأعلام ووكالات الأنباء وشبكة الانترنيت العالمية من اجل نشر ثقافة مُعولِمة وتعميم النموذج الرأسمالي في الحياة ( الاستهلاك بالذات ) والنتيجة النهائية ستكون سيادة الاستهلاك المتعيPecuniary Consumption  على القيم الاجتماعية الأصيلة لمجتمعات العالم الثالث.

إن المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية تقوم على توسعة النظام الثقافي للرأسمالية ليشمل الكرة الأرضية، والسعي إلى نشر ثقافة تشتمل على مجموعة من الأفكار التي لا تستند إلى جذور أو أولويات فلسفية وأخلاقية كما تخلو من الأبعاد التاريخية والمعرفية .ان هذا المكون الثقافي الاختراقي يهدف إلى ممارسة السيطرة والإكراه والحجر على مختلف الثقافات المحلية ليدخلها عنوة في عملية انحطاط تحت ضغط عناصره القوية، وتتجلى آليات الضغط في التأثير البالغ في النظم الثقافية المحلية وتشكيل حالة أو حالات وعي مؤاتية لمصالح المنتفعين من وراء انتشاره.

إننا نحاول وضع هذه الثقافة وسط العملية الاقتصادية وما دامت الغاية تبرر الوسيلة كشعار من شعارات العولميين فإنها يمكن أن تفسرها أيضا، ولا نبالغ في القول ان عملية تلويث البيئة الثقافية ستؤدي حتما إلى انحسار كامل لوجود وحقائق الثقافات المحلية باختراق واضطهاد وتصفية وتخريب المكونات الثقافية لشعوب العالم الثالث إن لم يجري منع ذلك. بعبارة أخرى، ان الحاصل هو قولبة هذه الثقافات بطريقة تستجيب مع آليات الحضارة الاستهلاكية الغربية المزعومة، وتاليا تشكيل استجابة تلقائية مع عملية التوسع الرأسمالي الذي يفرض على مجتمعات العالم الثالث ومنها مجتمعنا العربي نمطا لعلاقات الإنتاج والاستهلاك والتبادل بما يخرج عن سياقات التطور الذاتي وتحقيق التنمية الحقيقية والمستقلة.

 

إن امتداد الإنتاج السلعي الرأسمالي إلى ميدان الثقافة جعل "صناعة الثقافة " قطاعا يساهم في حركة التراكم مساهمة فاعلة، كما جعل منتجاتها سلعا يحقق إنتاجها أرباحا طائلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو من خلال التلاعب بالمستهلك وقولبته بشكل موحد للسلع المنتجة في هذا القطاع أو في غيره، فالشركات متعدية الجنسيات تعمل على صياغة ذوق ورغبات المستهلك من خلال تحكمها في المؤسسات العالمية للإعلان.

 

عناصر الثقافة الاستهلاكية وعملها في ظل قانون القيمة[38]

      إن مركزية مفهوم القيمة في الفكر الاقتصادي جعلته قضية دارت حولها أهم المجادلات، فبات موضوعا للخصومة منذ تأسيس علم الاقتصاد. ومنذ أن أمكن حل  ألغاز القيمة اخذ الاهتمام ينصب على قيم التبادل. وبقطع النظر عن كون القيمة ظاهرة ذاتية أم موضوعية، فإنه يمكن القول ان هذا المفهوم يحكم عناصر النشاط الاقتصادي من إنتاج واستهلاك، ويحكم آلية تخصيص الموارد وفاعلية النظام الاقتصادي واليات توفير الحوافز الاقتصادية...  وما نزعمه هنا أن توظيف النظام الثقافي هيأ للرأسمالية أن تحقق الفصل بين قيم الاستعمال  وقيم التبادل كما أن توظيف التقانة العالية في العملية الإنتاجية هيا إنتاج سلع مجهولة القيمة من جانب المشتري، وهنا ينبغي فحص التغيرات التي طرأت على مفهوم القيمة بحيث أصبح أداة جديدة للاستغلال. وابتداءً ينبغي ان نميز بين ثلاثة عناصر تؤلف مكونات الثقافة الاستهلاكية المُعولِمة وهي السلع الرمزية، سلع التحول، والتعامل اليومي مع هذه السلع.

 

        تتميز السلع الرمزية بأنها لا تملك قيمة تبادلية متناسبة مع قيمتها الاستعمالية، وإنما تمتلك قيمة استعمالية إضافية أو ثانوية أو متصورة، حتى يبدو ان استهلاكها غير موجه لذاتها بقدر ما هو موجه لما توحيه من رمز وإيحاء من أجل المركز الاجتماعي أو غيرها من الإيحاءات، فسيارات فورد مثلا التي يتجاوز سعر بعضها المليون دولار تتعدى قيمتها الاستعمالية قيمتها الفعلية إلى قيمة استعمال تتباين في تقديرها من مستهلك لآخر ولا يمكن تبريرها على وفق فرضية المنفعة أو نظرية سلوك المستهلك، ويمكن أن نجد أمثال سيارة فورد سلعا كثيرة. هذا الفصل بين قيم الاستعمال وقيم التبادل أصبح ممكنا عبر توظيف النظام الثقافي الغربي، فلم يعد الاقتصاد الرأسمالي يعتمد على قيم الاستعمال وإنما يعتمد على ترميز السلع باستخدام وسائل الإعلان التي تخلق في السلع رموز في السلعة وفي استهلاكها تركز على استثارة أردأ ما في الإنسان، واعني به الغريزة، حتى يصبح هذا الإنسان أسير غرائزه أسير الإيحاءات التي تخلقها الدعاية لسلعة معينة. هذا النمط من السلع لا تنتجه بلدان العالم الثالث، ذلك أنها لم تصل بعد إلى مرحلة القدرة على إشباع الحاجات الأولية، فهي غير متاحة للجميع وتستأثر بها قلة من المجتمع التي تخلت عن ثقافتها وقيمها سعيا وراء تقليد الغرب. السمة البارزة في هذا النوع من السلع كونها تنتج لعدد كبير من الأسواق المنفصلة  في وقت واحد، فإنتاجها يجري على مستوى عالمي. لقد أمكن عبر توظيف ممكنات الثورة الإعلامية إقامة نظام رمزي يستهدف تغيير حياة الإنسان كلها، وتغليف الإنسان المستهلك بغلاف زائف من الأشكال والرموز والصور المشوشة لأفكاره، ومن هنا يمكن أن ندعي ( نهاية المستهلك الرشيد ) في العالم الثالث حتى من قبل ان يوجد مثل هذا المستهلك عبر تشويش آرائه وتخيلاته عن الأشياء التي يعرفها أو تنتجها الشركات العولمية.

 

         أما بالنسبة لسلع التحول فهي مجموعة السلع التي تستوعب كل أدوات الثقافة الاستهلاكية، وتشيع الرغبة في استهلاك النوع الأول من السلع، وتشتمل سلع التحول طائفة كبيرة من السلع ( الصورة، الميديا، السينما، التلفزيون...) وكلها تقوم بتوزيع الصور الذهنية للسلع الرمزية. في حين يعني الاستعمال اليومي للسلع التعامل مع هذين النوعين من السلع.

       

        وتنبغي ملاحظة ان علاقة السلعة بالاستهلاك وبالمستهلك قد جرى تعقيدها في ظل الثورة العلمية والتقانية، إذ جرى إيجاد روابط ( تقانية في معظم الأحيان ) معقدة بين السلع الجديدة، بحيث يقود استهلاك سلعة ما إلى خلق رغبة في استهلاك سلعة أو سلع أخرى وكمثال على هذا التعقيد جهاز الكومبيوتر الذي ترتبط باقتنائه سلسلة لا تكاد تنتهي من السلع حتى تتصل بسلسلة جديدة !

 

        ان الحاصل في ظل المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية ليس نقل أقوى جوانب الثقافة الغربية أو نشر الروح الرأسمالية أو خلق نموذج المستهلك والمنتج الرشيدين، بل أنها تسعى لنقل أحط جوانب هذه الثقافة التي تضمن تسليع العلاقات الاجتماعية وتحفيز الطلب على السلع الاستهلاكية الرمزية والتحولية. إن الشركات العالمية تسعى إلى جعل معدل التغير في العادات الاستهلاكية يسير بسرعة اكبر من التغير في تقنيات الإنتاج في بلدان العالم الثالث مثلما هو في البلدان المتقدمة عبر السعي المتواصل إلى اكتشاف وإنتاج سلع جديدة تدخل التبادل، وتجسد بشكل ميكانيكي مقولة ( العرض يخلق الطلب ) وبما يخالف فروض النظرية الاقتصادية فطلبات المستهلكين لم تعد توجه قرارات الإنتاج بقدر ما أصبحت الأخيرة هي المتحكم في الأولى، فالمستهلك للسلع الآن ينتظر ظهور مستوى آخر من السلعة نفسها، وان كانت لا تودي إلى زيادة إشباعه الفعلي أو ما هو بحاجة إليه. في ظل ذلك، أصبح الربح يحتسب على أساس الوحدات التي يستوعبها السوق لمدة معينة، أضحى تعظيم الأرباح يتطلب: خفض التكاليف، تنويع المنتوج وتجديده، تخليق سلع جديدة وإيجاد الرابط بين بعضها البعض، وتوسيع الأسواق([39]).

 

        إن الذين يقولون أن العولمة ليست ظاهرة رأسمالية على أساس أنها لا تعبر عن نمط معين من تطور علاقات الإنتاج وأنها البنية الفوقية لقوى الإنتاج العالمية يتناسون ان العولمة والرأسمالية ليستا ظاهرتين حياديتين، وان العولمة مرتبطة بالرأسمالية، والعولمة هي لحظة تحقق عالمية راس المال، ولهذا لا يمكن النظر إلى العولمة على أنها البريء الذي لم تثبت إدانته، فهي مدانة منذ ولادتها. إن النظرة  هذه ليست قائمة على التبسيط فالعلاقة الجدلية بين كلا الظاهرتين تبرهن أن الرأسمالية هي من تضطلع بمهام تجذير العولمة وصوغ اتجاهاتها، وهي بذلك تشترط نوعا خاصا من علاقات الإنتاج ونسقا خاصا من المفاهيم. ان القول بحيادية العولمة يفترض ضمنا انه بالإمكان المشاركة في العولمة بعدما يجري النظر إلى الأخيرة بصورة مسطحة، وهو أمر نرفضه.

 

الخاتمة

        إن العولمة على وفق ما عرضنا هي حصيلة تطورين مهمين، الأول شمل قوى الإنتاج ولا سيما مجالات الاتصالات والمعلوماتية التي أنتجتها الثورة العلمية والتقانية، وهي تطورات يمكن عدها حيادية أو مكتفية بنفسها وأكثر العوامل الدافعة أو المصاحبة للعولمة استقلالا. أما التطور الآخر فلا يمكن عده حياديا لأنه ينصرف إلى الجانب القصدي والعقيدي من العولمة، فكل التطورات الحيادية لم يكن لها تجليات واضحة وحقيقية لو لم تتبع حكومات البلدان المتقدمة سياسات التحرير والخصخصة، وتحضر لجولات الجات وتهيئ المناخ الملائم لعمل الشركات متعدية الجنسيات، وممارسة الضغوط على حكومات العالم الثالث للقبول بفكرة العولمة والسير في مسالكها والتعامل مع مؤسساتها. وعلى خلفية هذه التطورات غير الحيادية جرى ترجمة التطورات العلمية والتقانية إلى واقع عملي. ان العولمة ليست حتمية تاريخية أو حتمية تقانية بل أنها ليست من الحتميات مطلقا طالما أنها مرتبطة بقوة المصلحة التي تتبناها البلدان المتقدمة المنتفع الرئيس منها. لكن الواضح اليوم ان العولمة واقع يفرض نفسه بقوة، وتيار جارف لا يمكن تجاهله التغاضي عنه، وبهذا المعنى فالعولمة إذا ما اعتبرناها تطورا تاريخيا، فهي ليست تطورا عفويا، لما لها من أهداف مقصودة تعبر عن حاجة الرأسمالية إلى أساليب وأدوات جديدة تعبر عن مصالحها وأعراضها الحالية والمستقبليـة.

إن العلاقات الاقتصادية الدولية كانت وما تزال قائمة على مبدأ عدم التكافؤ بين الدول بمعنى أنها قائمة على أساس تركز القوة في عدد قليل من الدول، ووجود إطار معين من يجمع مصالح تلك الدول وإخراج قوة مسيطرة تستطيع الأخذ بزمام القيادة. أما الهدف النهائي فيكمن في تركيز القوة وتسيير النظام الاقتصادي الدولي عن طريق إيجاد عدد قليل من " اللاعبين " يسهل الاتفاق بينهم، هذا الاتفاق يشكل ضرورة لازمة لخلق النظام ومؤسساته وتسهيل إدارته بفاعلية.

الهوامش والمصادر

 



[1] حسن لطيف كاظم الزبيدي، العرب والعولمة: انقياد لا استعداد، في: العولمة وأثرها في الاقتصاد العربي، ج2، بحوث ومناقشات ندوة بغداد، بيت الحكمة، بغداد، ص 73-74

[2] Barbara Parker , Globalization And Business Practice , SAGE Publication , London , 1998 , p.7

[3] Kofia  Annan , Partnerships for Global Community , Annual Report on The Work for Organization , New York ,U.N. , 1998 , p.52

[4] انظر: حسن لطيف كاظم الزبيدي، المصدر السابق، ص 75-80

[5] سمير أمين وفرانسوا أوتار [محرران]، مناهضة العولمة: حركات المنظمات الشعبية في العالم، مكتبة مدبولي، ترجمة: سعد الطويل، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2004، ص 2004، ص 256

[6] نقلا عن: احمد زايد، الدولة ونمط التنمية في العالم الثالث: تحليل سوسيولوجي للدور الاقتصادي للدولة، المستقبل العربي، العدد (133)، آذار/ مارس  1990، ص 92 

[7] سمير أمين، التطور اللامتكافيء: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية، ط3، ترجمة: برهان غليون، دار الطليعة،  بيروت، 1980، ص 28

[8] انظر: خير الدين حسيب وآخرون، مستقبل الأمة العربية: التحديات.. والخيارات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989

[9]  فرانسس فوكوياما، التصدع العظيم: الفطرة الإنسانية وإعادة تشكيل النظام الاجتماعي، ترجمة: عزة حسين كبة، بيت الحكمة، بغداد، 2004، ص 20

[10] رمزي زكي، الاقتصاد العربي تحت الحصار، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989، ص 70

[11] احمد زايد، المصدر السابق، ص 42-43

[12] انظر: سمير أمين، ما بعد الرأسمالية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989، ص 31-38

[13] للمزيد انظر: خير الدين حسيب، المصدر السابق، ص 167

[14] انظر: محمد عبد الشفيع عيسى، العالم الثالث والتحدي التكنولوجي الغربي: الاستقطاب الغربي وتطور التكنولوجيا الصناعية للعالم الثالث (1970 – 1980)، دار الطليعة، بيروت، 1984، ص 52 

[15] انظر المصدر السابق، الفصل الرابع

[16] خير الدين حسيب، المصدر السابق، ص 190

[17] مثلما حسنت موقعها في التشريعات الدولية من خلال اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية، واتفاقية الاستثمار الدولية.

[18] لمتابعة اثر الثورة العلمية والتقانية على عنصر العمل، انظر: محمد عبد الشفيع، المصدر السابق ، ص 78-79

[19] أنظر: صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، أيار/ مايو 1997، ص 57 -58

[20] انظر: فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1990، ص 90– 94

[21] انظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، لعام 2001، ص 31

[22] المصدر السابق نفسه، ص 31

[23] فرانسس فوكوياما، المصدر السابق، ص7

[24] أنظر: عبد الحي يحى زلوم، نذر العولمة، مركز الكتب الأردني، عمان، 1999 

[25] سهيل أبو ماضي، ميلتون فريدمان: المخرج من الأزمة العالمية يكمن في فتح الحدود وتبادل البضائع بحرية، البنوك، العدد (26) كانون الأول، 1989، ص 47

[26] هاري ماجدوف، الإمبريالية من عصر الاستعمار حتى اليوم، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1981، ص125

[27] فؤاد مرسي، المصدر السابق، ص274

[28] المصدر السابق نفسه، ص275

[29] المصدر السابق  نفسه، ص276

[30] انظر: الأمم المتحدة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، دراسة الحالة الاجتماعية والاقتصادية لعام 1998 .

[31]  قاسم الحموي وأسامة القلعاوي، تأثير الصدمات الاقتصادية التجارية على الاقتصاد الأردني في ظل العولمة، ورقة بحثية مقدمة إلى: مؤتمر الاقتصاد الخامس: العولمة وآثارها المحتملة في الاقتصاد الأردني والعربي، عمان 23- 24 أيار 1999، ص7-8

[32] فؤاد مرسي، المصدر السابق، ص276

[33] الأمم المتحدة، المصدر السابق، ص25

[34] فؤاد مرسي، المصدر السابق، ص234

[35] محمد النوري، المخاطر الجديدة للاقتصاد الرمزي، الإنسان، العدد (13)، آذار 1995، ص 11

[36] المصدر السابق نفسه، المكان نفسه

[37] المصدر السابق، ص12

[38] حسن لطيف كاظم الزبيدي، المصدر السابق، ص 88-90

[39]  قارن: د. نبيل علي و نادية حجازي، الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2005، ص398-402

الأكثر مشاهدة