السياسات العامة والإطار التشريعي للمساواة بين الجنسين في العراق

بواسطة عدد المشاهدات : 56140
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
السياسات العامة والإطار التشريعي للمساواة بين الجنسين في العراق

تهدف الورقة إلى: • مراجعة التشريعات من حيث إنصافها للمرأة وبخاصة الدستور وقوانين الخدمة والتقاعد. • معرفة مدى توافق السياسة العامة مع الإطار الدستوري. • التعرف على مدى مراعاة السياسات العامة للنوع الاجتماعي من حيث إعطاء فرص متكافئة للمواطنين في المجالات المختلفة.

السياسات العامة والإطار التشريعي

للمساواة بين الجنسين

 

د. حسن لطيف الزبيدي

جامعة الكوفة/ كلية الإدارة والاقتصاد

 

أولا: تمهيد

تعد المساواة بين الجنسين هدفاً تنموياً مهماً، إذ توفر الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية البيئة المناسبة التي تمكن النساء والرجال من المشاركة بشكل فعال في المجتمع، والحصول على المتطلبات الأساسية للحياة، والاستفادة من الفرص التي تقدمها التنمية.

لاشك أن تحقيق العدالة بين المواطنين يعد من أوليات السياسة العامة في أي بلد، ويعد الدستور بحقوق أساسية وبالحرية لجميع المواطنين، وقد نص صراحة على تحقيق المساواة بغض النظر عن الجنس والعرق والقومية والدين، كما أن العراق طرف في العديد من الاتفاقيات بما فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتلك التي تحمي حقوق الأطفال، مع ذلك فان كل ذلك لا يوفر ضمانات حقيقية لتحقيق المساواة بين الرجال والنساء، ما لم تكن القوانين الوطنية قوية بما يكفي لفرض المساواة، وأن تتوفر بنية تشريعية تضمن الحقوق الدستورية والمعاهدات الدولية، وأن تجد انعكاسا قويا لها في السياسات العامة. ذلك أن التمييز ضد النساء لا يتأثر فقط بالخيارات الثقافية، والعوامل المؤسساتية والاعتبارات الاقتصادية، بل يتأثر بقوة بالسياسات العامة.

إن إدماج النوع الاجتماعي في السياسات العامة الوطنية ضرورة أساسية للوصول إلى مشاركة فاعلة وتنمية شاملة وعادلة ودائمة، وهو ما يتطلب فهماً أعمق وتحديداً أدق للعلاقات بين الرجل والمرأة، ومحاولة جسر الفجوة بينهما أملاً في إحداث التغييرات الايجابية المطلوبة.

 

أهداف الورقة

تهدف الورقة إلى:

·        مراجعة التشريعات من حيث إنصافها للمرأة وبخاصة الدستور وقوانين الخدمة والتقاعد.

·        معرفة مدى توافق السياسة العامة مع الإطار الدستوري.

·        التعرف على مدى مراعاة السياسات العامة للنوع الاجتماعي من حيث إعطاء فرص متكافئة للمواطنين في المجالات المختلفة.

 

ثانيا: في مفهوم السياسات العامة

يشير مفهوم السياسة العامة إلى العلاقة بين الحكومة وبيئتها، إذ لا يمكن أن تكون السياسة العامة كفوءة وفعالة ما لم تراع بيئتها التي تحيط بها.

عليه فالسياسة العامة تقرير أو اختبار للفعل أو عدم الفعل. فهي برنامج عمل هادف يعقبه أداء فردي أو جماعي في التصدي لمشكلة أو لمواجهة قضية أو موضوع ما. وبهذا المعنى فالسياسة العامة هي تلك السياسة التي تطورها الأجهزة الحكومية  خلال مسؤولياتها، علما أن بعض القوى غير الحكومية أو غير الرسمية قد تسهم في رسم وتطوير بعض السياسات العامة، وتستمد خصوصيتها من كونها متخذة من قبل السلطات المخولة الذين هم المسؤولون الذين يتمتعون بالسلطات لرسم السياسات والتصرف في إطار صلاحياتهم التي تكون عامة ومقيدة ومحددة وليست مطلقة([1]).

تشكل السياسات العامة الأداة السياسية-الإدارية التي تستهدف تخصيص الموارد العامة، إذ تتولى هذه السلطات رسم سياسات التعليم الصحة والإسكان والبيئة وصيانة الدخل والسياسات الاقتصادية… الخ.

وتنطوي السياسة العامة على جملة من المحددات تقيّد متخذي القرار؛ إضافة إلى دور البيئة المحيطة، فقد تلعب الخصائص الجغرافية والمناخية وحجم الموارد الطبيعية ونوعيتها وعدد السكان وتركيبته ومستويات المعيشة وثقافة المجتمع ومستوى التعليم فيه دورا في صياغة السياسات العامة. ومن أهم هذه العوامل:

·        ثقافة المجتمع الخاصة بقيمه ونمط عيشه والتي تنتقل من جيل لآخر عبر التنشئة الاجتماعية التي يتعلمها الأفراد بتفاعلهم مع محيطهم الاجتماعي.

·        الصراع الاجتماعي داخل المجتمع إذ تشهد بعض البلدان النامية توجها نحو الاهتمام بحقوق المرأة، وتبني سياسات عامة في هذا المجال، في وقت تعارض بعض القوى المجتمعية هذه السياسات لتناقضها مع قيمهم، وهذا ما يضع صانعي السياسات في موقف محرج إزاء قضايا مختلف عليها اجتماعيا.

·        طبيعة النشاط الاقتصادي والعلاقات التي تحكم عملية التوفيق بين أصحاب المصالح المتعارضة أو المتنافسة. إذ تعد البرامج والسياسات العامة في أي بلد حصيلة للعوامل الاقتصادية وبخاصة تلك التي تتصل بمعدل الدخل الفردي ومستوى التنمية الاقتصادية.

·        النخبة السياسية وصانعو السياسة العامة الرسميون الذين يتمتعون بالصلاحيات القانونية التي تسمح لهم بالمشاركة في صياغة السياسة العامة، وهم يشكلون شريحة واسعة تشمل البرلمانيين وأعضاء السلطة التنفيذية والإداريين والقضاة وأعضاء المجالس المحلية والجماعات الضاغطة والأحزاب السياسية.

 

ثالثا: في مفهوم النوع الاجتماعي

يعد النوع الاجتماعي Genderمن المفاهيم الحديثة الذي راج في الاستخدام في أدبيات العلوم الاجتماعية في العقد الأخير من القرن العشرين مع زيادة استعماله في أدبيات المنظمات التابعة للأمم المتحدة. ويركز المفهوم على علاقات القوة والفروقات بين المرأة والرجل وتأثير ذلك على الأدوار النوعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية بافتراض إن هذه الأدوار هي متغيرة مع الزمن.

وجدير بالذكر أن النوع يستخدم أحياناً بديلاً بسيطاً عن «الجنس» لكن مفهوم النوع أوسع لأنه ينصرف إلى دراسة العلاقة المتداخلة بين المرأة والرجل في المجتمع التي تحددها وتحكمها عوامل مختلفة: اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وبيئية، عن طريق تأثيرها على قيمة العمل في الأدوار الإنجابية والإنتاجية والتنظيمية التي تقوم بها المرأة والرجل. وعادة ما تسود تلك العلاقة عدم الاتزان على حساب المرأة في توزيع القوة، وتكون النتيجة احتلال الرجل مكانة فوقية بينما تأخذ المرأة وضعا ثانوياً في المجتمع.

ويمكن تعريف النوع الاجتماعي على أساس التوقعات الثقافية تجاه دور المرأة والرجل وتصرفهما. وهذا الامتداد الاجتماعي يتجاوز التحديد البيولوجي لكون المرأة والرجل كذلك. فادوار النوع الاجتماعي وتصرفاته وعلاقاته بين الرجل والمرأة (علاقات النوع الاجتماعي) يمكن أن تتغير عبر الزمن([2]).

ومثلما هي الحال بالنسبة للعنصر والعرق والطبقة الاجتماعية، فان التمييز بين الجنسين تصنيف اجتماعي يحدد إلى حد بعيد فرص المرء الحياتية، وشكل مساهمته في الاقتصاد والمجتمع، بحيث يمكن للأدوار والعلاقات الجندرية أن تختلف من مجتمع لآخر([3]).

إن مكانة المرأة والرجل يجب أن تخلق مناخاً مناسباً للتنمية الفعالة في المجتمع، ويمكن لعلاقة النوع الاجتماعي أن تكون متوازنة إذا ما احل مفهوم «التمكين» أي القوة لإنجاز شيء ما بدل مفهوم القوة السائد. والتمكين يهدف لخلق الظروف التي تساعد الرجل والمرأة على سواء أن يوجها احتياجاتهما اليومية والمستقبلية.

وترحب المرأة عادة بفرص الإسهام في السياسات العامة نظرا لما تستمده عبر ذلك من ثقة في النفس واحترام للذات. ويمكن للآثار الايجابية أن تبرز في تزايد معرفتها وتشكيل شبكات الدعم من خلال الأنشطة الجماعية وفرص الارتقاء السياسي والمؤسسي التي من شأنها أن تعزز مركز النساء في المجتمع. فالنساء اللاتي يحققن لأنفسهن مركزا مهما يمكن أن يصبحن مثالاً يحتذى لغيرهن مما يمهد لعملية تغيير واسعة النطاق في نظرة المجتمع إلى الأمور وتزيد من قبول المجتمع للتغيير.

 

رابعا: السياسات العامة المراعية للنوع الاجتماعي

تقيد السيطرة المحدودة على مصادر الإنتاج وضعف القدرة على توليد الدخل -سواء في الأنشطة الاقتصادية الخاصة أو العمل بأجر- قدرة النساء في التأثير على عملية توزيع الموارد والقرارات الاستثمارية داخل المنزل. كما يحد من قدرة المرأة على المشاركة بوصفها عاملا فاعلا في العملية السياسية والتأثير في القرارات داخل المجتمع المحلي أو على المستوى الوطني عدم المساواة في الحقوق وضعف مكانتها الاجتماعية والاقتصادية. وبرغم أن النساء نالت حق الانتخاب في جميع دول العالم تقريبا، وتراجعت الفجوة بين الجنسين في مجال التصويت، خاصة في الدول التي تتسم بمشاركة واسعة في الانتخابات. مع ذلك فان هناك قدر كبير من عدم المساواة في الأشكال الأكثر فاعلية للمشاركة السياسية، وما زالت احتمالات مشاركة النساء في المناقشات السياسية أقل، خاصة في صفوف النساء المتقدمات في السن والأقل تعليما. فضلا عن أنه ما زال هناك تمييز كبير بين الجنسين في المشاركة والتمثيل السياسيين على جميع مستويات الحكومة وحتى في المناصب المنتخبة([4]).

ويمكن للدولة أن تتدخل بطرق عدة، فهي تستخدم حقها السيادي في فرض الضرائب، وتستخدم حقها الحصري في استخدام العنف داخل المجتمع بأن تعاقب أو تمنع على نحو قسري، كما أنها تستخدم قدراتها الذاتية في تقديم الخدمات أو دعم الاستثمارات من خلال موازنتها العامة من أجل تحسين أوضاع المساواة بين الجنسين كأن تدعم إنشاء المزيد من مدارس البنات، كما يمكنها أن تمنع السلوكيات المتحيزة. وأيا تكن تلك التدخلات فإنها تعبر عن خيارها السياسي بشأن العدالة والإنصاف وعدم السماح للأفراد أو الجماعات أو المؤسسات بالتمييز. فالدور الأول للدولة هو «تسوية أرض الملعب للرجال والنساء»، ويعني هذا بالنسبة لإطار العمل التنظيمي حماية الحقوق الأساسية للجميع؛ وتخفيف عناصر التمييز المتغلغلة في القوانين المدنية، ووظائف الحكومة وبنى السوق، وفرض ما تسنه الدولة من قوانين وأنظمة. لكن الإصلاح المؤسساتي والتنمية الاقتصادية تحتاج لوقت حتى تعطي ثمارها؛ وبالتالي، فإن السياسات النشطة أمراً ضرورياً لحفز التغيير أو إصلاح عدم المساواة القائمة بين الجنسين. ويمتلك صناع القرار تشكيلة واسعة من أدوات السياسة للتأثير على قدرة النساء والرجال النسبية في الوصول إلى الموارد أو على قدرتهم على المساومة داخل الأسرة([5]).

تمثل الموازنة العامة أداة رئيسة لتنفيذ كافة المشروعات العامة، وهي تجمع بين طموحات السياسات العامة الفعالة والموارد المالية المتوفرة لتنفيذها. وعليه فهي تمثل أداة ضرورية لتعزيز المساواة بين الجنسين وتهيئة البرامج اللازمة لتحقيق هذا الهدف. وينبغي أن تعكس الموازنات العامة مصالح الشعب وشواغله، لذا فان وضع موازنات تراعي الفوارق بين الجنسين يمثل أفضل وسيلة لتلبية طموحات واحتياجات غالبية الرجال والنساء والفتيان والفتيات([6]).

على أن الموازنات العامة المراعية للنوع الاجتماعي لا تعني وضع موازنات منفصلة للمرأة، وإنما يقصد بها توزيع الموازنة العامة أو تقسيمها وفقا لتأثيرها على مختلف جماعات الرجال والنساء مع مراعاة العلاقات بين الجنسين في المجتمع وما به من أدوار وفرص للوصل إلى الموارد والتحكم فيها([7]).

لذلك فان الهدف الأساس من هذا النوع من الموازنات هو مراعاة القضايا الجنسانية وضمان إدماجها في كافة السياسات والخطط والبرامج الوطنية، فهي تمثل أدوات لتوفير الدعم المالي اللازم لتلبية احتياجات النساء والفتيات([8]). فهي محاولات لتفكيك أو فصل نمط الموازنات العامة الشائع وفق تأثيره على النساء والرجال([9]).

 

خامسا: الدستور والمساواة بين الجنسين

الدستور هو الوثيقة الأساسية التي تحدد نظام الحكم. وفي ظل الدولة الحديثة التي ينظمها القانون وتديرها المؤسسات يسأل المواطنون الدولة عن واجباتها ووظائفها وما ينبغي عليها أن تقدمه للشعب. وفي السابق كانت الحقوق تقتصر على مضامين تقليدية مثل: المساواة، الحرية الشخصية، حرية الفكر والعقيدة، حرية الاجتماع...الخ. والتي يجب بمقتضاها أن تمتنع الدولة عن ممارسة أي عمل من شأنه أن يمس بحقوق المواطن وحرياته الأساسية. ثم جرى مطالبة الدولة بمراعاة حقوق المواطن بوصفه عضوا في الجماعة، وما يترتب على ذلك من توفير ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تكفل تكامل المجتمع، وشملت المطالبات ضمان حق التعليم، العمل، الملكية... وغيرها. وتدون هذه الحقوق في الدستور الذي يقدم رقابة على القوانين المُسنة للتأكد من عدم مخالفتها للقواعد الدستورية والانحراف عن مبادئه الأساسية، لان الدستور يسمو على القواعد القانونية العادية، لذا فهو يعتبر «أبو القوانين».

انطلاقا مما سبق، يمكن الحديث عن عدد من المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومة تصب في مجملها في إطار التأكد من تحقيق التنمية البشرية، وأهداف يجب تحقيقها في ظل التزام الحكومة بالدستور، وإيجاد الوسائل التي تؤمن تحقيق العناصر النوعية للتقدم. لان النمو الاقتصادي ليس هدفا في حد ذاته، وإنما ينبغي أن يكون وسيلة لتحقيق أهداف التنمية البشرية، كما إن العجز عن خلق بيئة تتسع فيها القدرات الإنسانية، يؤدي إلى صعوبة تحقيق هذه الأهداف، ويبعد الجماعات المهمشة في المجتمع من الانتفاع من التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وسنحاول في التالي مناقشة المكونات الأساسية للتنمية البشرية في ضوء ما جاء في دستور 2005، وبما يعطي لكل منها مضمونا خاصا يعّبر عن ظروف المجتمع العراقي.

المساواة:

إذا تفحصنا الدساتير العراقية بدءً بالقانون الأساسي (1925) وحتى الدستور الدائم الذي اقر عام 2005 نجدها جميعا قد نصت على المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين أو القومية. إلا أنها جميعا فيما عدا قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، لم تضع آلية لتفعيل هذه المساواة([10]). وهي الآلية التي امتدت إلى الدستور الدائم عبر المادة (47)/ رابعا والتي نصت على أن «يستهدف قانون الانتخابات تحقيق نسبة تمثيل للنساء لا تقل عن الربع من أعضاء مجلس النواب» واعتبرت هذه الكوتا Quota مكسبا للمرأة العراقية وخطوة مهمة في اتجاه حصولها على المشاركة الفعلية في جميع السلطات ودوائر صناعة القرار.

المشاركة:

إذ نص الدستور صراحة على مشاركة جميع المواطنين، ولاسيما المؤسسات غير الحكومية في صنع القرار وتنفيذ خطط التنمية. «للمواطنين رجالا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح» (المادة 20) وبفضل قانون الانتخابات فقد حصلت المرأة على الأرقام 3، 5، 8، 12 في القائمة الانتخابية وبهذا فان القانون يمكن أن يؤمن لها نسبة تقترب من الثلث حسب نتائج الانتخابات وعدد القوائم الفائزة.

لكن التصويت بحد ذاته يضمن مشاركة سياسية محدودة. كما أن الانتخاب لا يضمن انخراط اكبر للنساء في عمليات صنع القرار في المجتمع. وتستمر قلة من النساء في الانخراط في السياسة العامة وخصوصا في البرلمان. مع ذلك تشير الخبرة العالمية إلى أن تأثير البرلمانات في عمليات اتخاذ القرارات ما يزال محدودا، إذ ما تزال قلة منها تعطي دورا مناسبا للنساء في العملية. وعلى أية حال فان وجود عدد أكبر من النساء تحت قبة البرلمان يمكن أن يمهد لتركيز الانتباه أكثر لقضايا النساء. وهذا يعتمد على الاعتقاد بأن البرلمانيات سيجلبن أفكارا جديدة حول تغيير أوضاع النساء([11]).

الإنصاف:

ويشمل القدرة على توافر الفرص، وليس فقط المدخول المادي، إذ يقع مفهوم الإنصاف في قلب مفهوم التنمية البشرية المستدامة، باعتباره احد مكوناته الأكثر أهمية، والتي تصنع جوهر تميزه عن نظريات النمو الاقتصادي ونظريات التنمية التقليدية. ويركز على تكافوء الفرص، على الوسائل والمدخلات لا على النتائج والمخرجات، ويلتزم بمبدأ تحميل الفرد مسؤولية الإستفادة منها، وذلك كي لا يأتي المفهوم متعارضا مع الميل السائد نحو تقليص دور الدولة بوصفه مسؤولاً شبه حصري عن تأمين  الحاجات الأساسية وتأمين العدالة. إلا إن مفهوم الإنصاف، مع محدودية اعتباره كتكافؤ في الوصول إلى الفرص بشكل متكافئ، فانه يتطلب إعادة هيكلة جذرية في علاقات القوة في المجتمع، وقد كفل الدستور ذلك من خلال ضمان:

·        تكافؤ الفرص: فقد نصت المادة (16) على أن «تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك»

·        حق العمل: «العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة» (المادة 22/ أولا) «ينظم القانون، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية» (المادة 22/ ثانيا)

·        حرية تأسيس النقابات: «تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها» (المادة 22/ ثالثا)

·        توزيع عادل للضريبة: فقد نص الدستور على انه «يعفى أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب، بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة» (المادة 28/ ثانيا)

سادسا: الإطار القانوني والمساواة بين الجنسين

يتضمن النظام القانوني مجموعة القوانين التشريعية وتلك القائمة على التقاليد والعادات والقوانين الدينية والتزامات بالمعاهدات الدولية التي صادقت الدولة عليها. وتخص القوانين التشريعية جميع أجزاء النظام القانوني الرسمي، من التشريعات إلى القواعد التنظيمية والتوجيهات التي تصدرها الحكومة وهيئاتها. في ما تعكس القوانين القائمة على التقاليد  والعادات القواعد التي تسير جنبا إلى جنب مع القوانين التشريعية لكنها تستمد شرعيتها من التقاليد والقوانين أكثر مما تستمده من أعمال الحكومة([12]).

عُدَّ إقرار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 تحديا لجملة من المبادئ التقليدية التي كانت سائدة في المجتمع، وبخاصة أنه مثل أول وثيقة قانونية تعالج حقوق الرجل والمرأة في إطار العائلة، والزواج والإرث، فمنح حقوقا للمرأة اعتبرت رائدة في العالم العربي. إلا إن القانون عدل عام 1963 لتخفيف القيود أمام تعدد الزوجات وتوسيع قاعدة الأعذار المشروعة التي تسمح بتعدد الزوجات، إضافة إلى تعديل آليات توزيع الإرث التي كانت نقطة الخلاف مع الإسلاميين في القانون.

ويساوي القانون المدني بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية، فلها ملكيتها الخاصة ولا يشاركها فيها الزوج، ولها أيضا حرية التصرف في أموالها دون أي قيد، فضلا عن أنها تحتفظ باسم عائلتها مدى الحياة فلا تفقده بالزواج كما هو الحال في الدول الأوروبية والأمريكية، كما أن لها ذمتها المالية المستقلة قبل وبعد الزواج خلافا لما يحصل في بعض الدول من اندماج للذمة المالية للزوجين.

وجاء إصدار قانون العمل رقم 151 لسنة 1970 ليثبت مكتسبات المرأة العاملة التي جاء بها قانون عام 1936 فارتفع عدد النساء العاملات في أجهزة الدولة والقطاع العام. وأعطى قانون التقاعد رقم 29 لسنة 1971 النساء حق التمتع بالضمان الاجتماعي كالرجال والتقاعد في سن الـ (55) للنساء والـ (60) بالنسبة للرجال. من جهة أخرى فان قوانين العمل، وبخاصة القوانين التي تعنى بأوضاع الموظفين والخدمة المدنية لا تميز بين المرأة والرجل في ما يتعلق بالأجور والمكافئات، إذ طالما سمي الموظف بالجهاز الإداري في وظيفة محددة وبدرجة معينة فلا فرق في الراتب الذي يمنح للموظف سواء كان رجلا أو امرأة.

سابعا: إدماج المرأة في السياسات العامة

حمل تسنم أول امرأة لحقيبة وزارية عام 1959 في العهد الجمهوري دلالات رمزية، على تمتع المرأة العراقية بحقوقها السياسية ومشاركتها في المسؤوليات القيادية، لكنه لم يعبر عن تبدلات جذرية في نظرة المجتمع وخيارات النخب الحاكمة في السماح بالمزيد من مشاركة المرأة في العمل السياسي. لقد كان الوضع التالي وطغيان العسكر سببا في تراجع السياسة المدنية عموما، وضياع المكاسب التي كانت المرأة قد حققتها في السابق، لذا يمكن النظر إلى هيمنة العسكر بمثابة أكبر انتكاسة في وجه الحركة النسوية التي انتعشت في بداية العهد الجمهوري.

وفي السبعينات بادرت سلطة البعث إلى زج المرأة في خططها السياسية وشهد البلد صعودا في الحركة النسوية في حدود ما سمحت به الدولة. ومنذ ثمانينات القرن الماضي بدأت المرأة تحتل موقعا في مجالات العمل والتوظيف في المؤسسات العامة، طالما نظرت الدولة إلى عملها بديلا عن عمل الرجل الذي انشغل قسراً بمهام الحرب. «فالتقدم الذي كانت حققته النساء في مجالات التعليم والعمل والمشاركة السياسية والأحوال الشخصية والحريات على مدى ستين عاما. منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي إلى غاية الثمانينيات قد جعلهن في موقع متقدم. إن لم يكن رياديا مقارنة بشقيقاتهن العربيات. إلا أنَّه عرف تراجعاً تدريجياً منذ ذلك التاريخ وتعرض للتدهور ثم الانهيار. فكانت النتيجة أن أقفلت الحرب [العراقية- الإيرانية] باب التنمية ومعها كل إمكانية لتشكل المجتمع المدني وتطوره بما في ذلك قضية النهوض بالنساء»([13]). رغم أنها زادت نسبة النساء العاملات في القطاع العام، وزاد نصيبهن في التعليم، كما منحت المرأة حق التصويت والترشيح في الانتخابات النيابية لأول مرة في تاريخ العراق الحديث، وفي عامي 1990 و 1997 شغلت المرأة 13.5% و 7% مقعداً على التوالي في المجلس الوطني (البرلمان) الذي كان لا يملك صلاحيات تشريعية في ظل احتكار مجلس قيادة الثورة (المنحل) لها. إلا إنَّ حزب البعث الذي قبض على مقاليد السلطة في العراق واحتكرها لصالحه حرم القوى السياسية الأخرى من المشاركة في الحكم وألغى حق العمل السياسي والنقابي خارج دائرته هو فرض قيوداً كبيرة على المشاركة السياسية والمدنية للمرأة؛ كما إن الظروف الاستثنائية التي عصفت بالبلد بعد عام 1991 كانت شديدة الوطأة على أوضاع النساء ممن تحملن تبعات التدهور الاقتصادي في ظل العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عقب غزو الكويت. مع ذلك تدهورت مساهمة النساء في سوق العمل خلال التسعينات الذي اتسمت سنواته بانخفاض حاد في الأجور الحقيقة الأمر الذي أدى إلى تزايد انسحابات النساء من العمل.

لقد شهد العراق خلال العقود الثلاثة الماضية اتجاها غير مستقر في عمليات تمكين المرأة، توازيا مع التقلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع تداخل تأثيرات المرحلة الانتقالية مع فقدان الأمن يسود الاعتقاد بضرورة تحقيق نظام ديمقراطي مستقر مع طرح مسألة المساواة، في حين أن بناء مقومات الديمقراطية يتطلب تكامل مسألة المساواة مع البناء الديمقراطي([14]).

مما تجد الإشارة إليه إنَّ العراق قد انضم في 13 آب/ أغسطس 1986 إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، مع تحفظه على المواد (2/ ز)، (2/ ح)، (9)، (16)، و (29). كما أنه لم يصادق على البروتوكول الاختياري لسيداو الذي بدأ سريانه في 22 كانون الأول/ ديسمبر 2000 كوسيلة لتقوية الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقية([15]). ورغم إنَّ سيداو باتت المرجعية الفكرية للحركات النسوية في العالم، إلا إن الحركة النسوية في العراق لا تبدو واعية لأهمية هذه الاتفاقية والآليات التي نص على إنشائها المؤتمر العالمي الرابع للنساء (بيجين 1995).

لقد جاء إنشاء وزارة دولة لشؤون المرأة كنتيجة مباشرة للتبدل السياسي بعد عام 2003 وليس نتاجا للالتزام بإنشاء آليات وهيئات وطنية معنية بشؤون المرأة على أعلى المستويات تخول مسؤولية رصد ومتابعة توصيات المؤتمرات العالمية والإقليمية والمواثيق والاتفاقيات للنهوض بالمرأة في الميادين المختلفة؛ لذا جاءت التجربة محدودة الثمار والأثر، وبخاصة وأنها تشكو من قلة الموارد المتاحة لها، وتجاهل الوزارات الأخرى قضايا المرأة بحجة أن تلك القضايا هي من اختصاص وزارة شؤون المرأة. لذا جرت محاولات لتحسين وضع الوزارة لتصبح وزارة ذات حقيبة.

مع ذلك فقد نالت الوزارة دعماً مادياً وتقنياً من المجتمع الدولي وقامت بتحقيق تقدم متواضع ولكن مهم منذ قيامها. فتبنت إستراتيجية وطنية للعمل عام 2004 لإدماج قضايا النوع الاجتماعي في الخطط والبرامج التابعة للمؤسسات الحكومية الأخرى، وتشمل تدريب موظفي الدولة على زيادة الوعي ومراعاة قضايا النوع الاجتماعي وحقوق المرأة. وتحقيقا لتلك الأهداف قامت الوزارة بتعيين ممثل للنوع الاجتماعي في كل وزارة، كما تعمل الوزارة مع المنظمات النسوية الدولية والوطنية لزيادة الوعي حول حقوق المرأة وخصوصا في سياق الانتخابات والعملية الدستورية([16]). فضلاً عن الشروع بإعداد إستراتيجية النهوض بالمرأة.

من جهة أخرى، نجحت المرأة في الوصول إلى أول صيغة للحكم بعد التغيير، واحتلت موقعا في مجلس الحكم الانتقالي، كما حصلت على حصة في الحقائب الوزارية في الوزارات الخمس التي شكلت عقب الاحتلال، وكذلك في المجالس التشريعية الأربعة التي تشكلت.

إلا إنَّ مراجعة نتائج السنوات الماضية تلفت الانتباه إلى التراجع النسبي لمكانة المرأة في العملية السياسية، فعلى الرغم من إن الجمعية الوطنية ضمت 86 امرأة أي حوالي 31% من مجموع أعضائه البالغين 275؛ فان مجلس النواب التالي لم يضم سوى 75 امرأة أي حوالي 27% من مجموع الأعضاء. ثم تراجعت نسبة النساء في مجلس النواب الحالي إلى 25% رغم وجود 85 امرأة في المجلس المكون من 325 نائبا. وهذا ما يعود إلى طبيعة نظام القوائم وترتيب المرأة في كل قائمة، وأيضا إلى عدد القوائم الفائزة في الانتخابات، ذلك أن كثرة عدد القوائم الفائزة فرض تراجعاً في نصيب المرأة من مقاعد مجلس النواب.

تزامنت انتخابات مجالس المحافظات مطلع عام 2005 مع انتخابات الجمعية الوطنية التي حصلت فيها النساء على حصة كبيرة من التمثيل في الجمعية. وقد حصلت النساء على 194 مقعدا من أصل 744 أي حوالي 26% من مجموع مقاعد مجالس المحافظات، وهي النسبة نفسها تقريبا التي حصلت عليها النساء في الانتخابات التالية.

ورغم أنَّ الدولة قد حرصت منذ تأسيسها على أن تهيئ للمرأة فرص التمكين المؤسساتية الرسمية (في التعليم والصحة ومراكز التدريب..)، إلا أنَّها أهملت حقيقة أن التمكين ليس مجرد إجراءات فنية، بل هو، في الجوهر عملية تغيير لثقافة التمييز، وبناء ثقافة التكافؤ والمساواة، بكل أبعادها القيمية والنفسية والقانونية([17]).

 

 

 

المرأة في الإدارة العامة

تكشف المراجعة التنموية للوضع السياسي والاقتصادي (والقانوني أيضاً) للمرأة عن استمرار وجود عقبات كبيرة ما تزال تعترض زيادة مشاركة المرأة واستمتاعها بثمار النمو والآثار الايجابية المتوقعة من التنمية الشاملة. ورغم الدور المهم الذي تلعبه المرأة في عملية التنمية، إلا أن واقعها لا يختلف كثيراً عن واقع النساء في العديد من الدول العربية، حيث لا تزال مشاركة المرأة في مراكز اتخاذ القرار في القطاع الحكومي منخفضة، والفجوة بين الجنسين في المناصب الإدارية العليا واسعة. وتشير بيانات عام 2005 إلى أن ما يقرب من ربع النساء العاملات في مراكز اتخاذ القرار في القطاع الحكومي يشغلن منصب مدير عام، وثلثي النساء هن خبيرات ومعاونات مدير عام، و 10% فقط منهن مستشارات ومفتشات، ولا تتعدى نسبة من هن بمنصب وكيل وزارة الـ 2%([18])

وطبقا لبيانات عام 2010 فقد بلغت نسبة النساء في القيادات الإدارية العليا والوسطى في الحكومات المحلية حوالي 6.6% فقط، وهي تتفاوت حسب المحافظات فتبلغ صفرا في صلاح الدين وتصل إلى 14% في السليمانية([19]). إذ لا توجد امرأة بمنصب محافظ أو نائب محافظ. أما مجالس المحافظات فقد بلغت نسبة القيادات الإدارية من الإناث 22.1% فقط وبلغت أعلى نسبة للقيادات الإدارية العليا والوسطى في مجالس المحافظات في السليمانية (35% من الإناث)، وأدنى نسبة في صلاح الدين (9.3%)([20]).

 

شكل (1): التوزيع النسبي للقيادات الإدارية العليا والوسطى في الحكومات المحلية حسب الجنس 2010 (%)

شكل (2): التوزيع النسبي للقيادات الإدارية العليا والوسطى في مجالس المحافظات حسب الجنس 2010 (%)

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2010-2011، جدول (19-28)، ص772

 

إنَّ هذه النسب المتدنية تكشف عن ضآلة دور المرأة في المؤسسات العامة، وبالتالي ضعف تأثيرها في عملية صياغة السياسات وصناعة القرارات.

 

ثامنا: المرأة والسياسات العامة في العراق: نظرة تقويمية

        سنحاول في هذا القسم من الورقة التركيز على أبرز السياسات العامة التي تتبناها الدولة ، ونحاول رصد تأثيرها على النساء:

السياسة التعليمية

تتدخل الدولة في التربية والتعليم بشكل واسع لأن ما يحصل عليه الشباب والشابات من معرفة وشهادات في المدارس والجامعات يمكن أن يوسع أمامهم الخيارات في مراحل لاحقة من التعليم والعمل. لذا فان ترك مقاعد الدراسة ينبغي أن يكون مقيدا لأنه يبعد المجتمع عن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، سواء بين الأجيال المتلاحقة أو حتى بين الجنسين. فضلا عن أن عملية توزيع فرص الحياة تستند بقوة على التعليم، إذ يعد التعليم العالي بالذات ميدان التأهيل الرئيس للنخب الاجتماعية والمهنية([21]).

اقر القانون مجانية التعليم في جميع المراحل والزاميته للذكور والإناث في المرحلة الابتدائية، ومنذ مطلع السبعينات تضاعف عدد الإناث ثلاث مرات في جميع المراحل بما فيها المرحلة الجامعية عما كانت عليه مطلع الستينات([22]). ويهيمن القطاع العام على العملية التعليمية وان سُمح مؤخرا بوجود قطاع مدرسي خاص تسود تكوينه المدارس التابعة للوقفين الشيعي والسني، إضافة إلى عدد قليل من المدارس الخاصة، من دون أن تقدم الحكومة على الإشراف المباشر عليها أو تمنحها معونات مالية من الموازنة العامة.

أما بالنسبة للتعليم العالي فقد حصل القطاع الخاص على فرصة أكبر، فتأسست منذ منتصف التسعينات عدد من الكليات الأهلية، لتبدأ بعد عام 2003 موجة التأسيس الأوسع للكليات الأهلية في عدد من محافظات العراق، وفيها الآن طبقا لبيانات عام 2011 حوالي 14% من إجمالي الطلبة في الدراسات الصباحية في الكليات والمعاهد، وحوالي 22% من مجموع الطلبة في الدراسات المسائية([23]). وعموما نجد أن نظام التربية والتعليم يدار بطريقة مركزية ولا يحظى الموظفون على المستوى المحلي باستقلالية. وتخضع سياسة التعليم للتشريع الاتحادي والتعليمات المركزية، فيما تتمتع المؤسسات في إقليم كردستان باستقلالية أكبر في ظل النظام الفيدرالي. لذا تندر فيهما المبادرات الإصلاحية، إذ ما تزال المناهج والأساليب التعليمية تدار بالطريقة نفسها منذ عقود.

يظهر مؤشر النوع الاجتماعي بوضوح الفجوة في مؤشر التعليم بين الإناث والذكور، وما يتعلق بالتمكين السياسي والمشاركة الاقتصادية. وهو ما يتطلب وضع السياسات الكفيلة بتضييق هذه الفجوة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

يعد التعليم مؤشراً رئيساً على واقع النساء، وعاملاً حاسماً فيه، لان الوصول إلى المستويات العالية للتعليم سوف يزيد بشكل عام أدوار اتخاذ القرار التي تضطلع بها النساء، ويجعلهن مرشحات أكبر في قوة العمل، ويمكنّهن من اتخاذ قرارات متنوعة بشأن الخصوبة والرعاية الصـحية. كما أنَّ التعليم يعتبر أساسياً لزيادة وعي النساء بحقوقهن الاقتصادية والسياسية والاجتماعية([24]). وتبرز هذه الحقيقة من خلال معرفة إنَّ التعليم قد زاد من نسبة مساهمة النساء في قوة العمل، إذ ترتفع المشاركة مع زيادة مستويات التعليم، فتنشط النساء المتعلمات لمدة أطول.([25]) وخلال السبعينات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي كانت النساء العراقيات بين الأكثر تعليما ومشاركة في قوة العمل بين بلدان المنطقة([26]). لكن الصورة تبدلت خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية فتراجع نظام التعليم مع تبدل أولويات الحكومة فكان قطاع التعليم اكبر الخاسرين من ذلك فانخفضت نسبة الإنفاق على التعليم إلى مستويات متدنية، ليستمر التدهور في سنوات العقوبات الاقتصادية (1990-2003)، ونتيجة لذلك تراجع الإنفاق على الطالب الواحد من 680 دولار في السنة أواخر الثمانينيات إلى 47 دولار بين عامي 1993-2002([27]).

أثّر تداعي نظام التعليم على حياة الكثير من النساء والفتيات بشكل خاص وحرمهن من الحق في التعليم. إذ ما تزال نسبة الأمية مرتفعة بين النساء بحوالي ضعف نسبتها بين الرجال. فقد بلغت 19.6 % للنساء و 10.4% للرجال وفق مسح ميزانية الأسرة السريع لعام 2005.

مع ذلك تبلغ نسبة النساء اللاتي لم يلتحقن بالتعليم حوالي 31 % في حين هناك 8% من النساء أكملن دراستهن الجامعية([28]). من جهة أخرى تعتبر نسب التحاق الإناث في المدارس الابتدائية منخفضة جداً مقارنة بالذكور. وقد أصبحت فجوة النوع الاجتماعي أكبر بكثير في المناطق الريفية، فحوالي 40% من الإناث في هذه المناطق غير ملتحقات بالمدارس الابتدائية، مقارنة بحوالي 20% في المناطق الحضرية([29]).

وتعكس معدلات الالتحاق المتدنية للإناث في التعليم الأساسي فشل الدولة في حماية الحقوق القائمة التي أدت إلى حرمان الكثير من الفتيات من التعليم.

 

السياسة الصحية

تعد الصحة مورداً مهماً يمكن الناس من المشاركة الفاعلة في عوائد التنمية والاستمتاع بها. كما إن التركيز على مؤشرات العمر المتوقع عند الولادة والإصابة بالأمراض لأنها تعكس الاختلافات التي تفرض على دور كل من الرجل والمرأة، ومعاملة المجتمع لكل منهما. لذا تعتبر مؤشرات الصحة أكثر دلالة في التعبير عن التغير في مكانة المرأة عبر الزمن.

يتعايش في العراق قطاعين للصحة، يدار الأول مركزيا ويتكون من الأدوات التي تستخدمها الحكومة للتأثير في السياسة الصحية والتي تتطابق مع التقسيمات الإدارية الفرعية لخدمة الصحة على المستوى الوطني مثل المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخارجية، وتكون الصلاحيات ممركزة بشدة، بحيث تدير الحكومة جميع السياسات الصحية، وتنتهج استراتيجيات مترابطة لإدارة نظام تقديم الخدمات الصحية.

أما القطاع الثاني فهو غير منظم ويتشكل من آلاف العيادات الخاصة وعدد من المستشفيات الخاصة التي تقدم خدمات مكلفة للمرضى الذين لا يجدون في المؤسسات العامة نوعية الخدمات التي يحتاجونها والاهتمام الكافي الذين يعتقدون أنهم يستحقونه. وهذا القطاع لا يخضع لأي نوع من الرقابة أو التنظيم، سواء لنوعية الخدمات وجودتها أو لمستوى الأسعار بل وحتى لنوعية الأدوية وملائمتها للشروط الطبية. كما إن هذا القطاع غير تنافسي بسبب طبيعة الخدمة الطبية ومرونة الطلب عليها.

يتأثر الإنفاق على الصحة بعوامل عدة منها: التغييرات السكانية، والتقدم في التقنية الطبية، وزيادة مهارة العاملين في القطاع الصحي الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أجورهم، فضلا عن تكاليف الإدارة نفسها.

وحيث أنه لا يوجد نظام للتأمين الصحي، فإن موارد هذا القطاع تأتي بشكل مباشر من الموازنة العامة للدولة، لذا فبالنسبة للمنافع فانه متاح للجميع بغض النظر عن المساهمة الفعلية في التمويل.

تمثل تخصيصات الصحة في الموازنة العامة تخصيصات المؤسسات والمراكز والدوائر الصحية المرتبطة بالوزارة إضافة إلى التشكيلات الإدارية والفنية والتخطيطية والوقائية والرقابية التابعة لها ومدارس واعداديات التمريض. كما تشمل تخصيصات الأدوية والمستلزمات الطبية، إذ بلغ أجمالي تخصيصات موازنة وزارة الصحة 5759.4 مليار دينار لعام 2010 منها مبلغ 4632.4 مليار دينار عن النفقات التشغيلية التي تشكل نسبة 7.6% من أجمالي النفقات العامة التشغيلية و 1127 مليار دينار تخصيصات المشاريع الاستثمارية التي تشكل 4.7% من أجمالي تخصيصات المشاريع الاستثمارية العامة.

مع ذلك نجد أن نسبة الإنفاق على الصحة متدنية جدا إذ تبلغ 1.4% فقط كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالبلدان العربية والمتقدمة (ينظر الشكل).

 

 

 

شكل (3): الإنفاق العام على الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (متوسط 1995-2009)

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي.

 

جدول رقم/7

 

جدول (1): الإنفاق على الصحة في الموازنة العامة الاتحادية للسنوات (2006- 2010)

السنة

تشغيلية

استثمارية

المجموع

مليار دينار

%

مليار دينار

%

مليار دينار

%

2006

1538.3

96.9

50

3.1

1588.3

100

2007

1860.7

81.2

430.5

18.8

2291.2

100

2008

2536.3

94.0

160.7

6.0

2697

100

2009

3652.1

88.4

481.5

11.6

4133.6

100

2010

4632.4

80.4

1127

19.6

5759.4

100

 

 

 

إن اختيارات السياسة الصحية في أي بلد مرهونة بعدد الأطباء إلى مجموع السكان، وبنسبة طلاب الطب الذين يدربون ليصبحوا اختصاصيين أو ممارسين عامين([30]). وفي العراق تبلغ نسبة الأطباء 5.8 طبيب لكل 1000 نسمة من السكان. وبرغم أن الأطباء هم من يقررون في النهاية استخدام عناصر الرعاية الصحية (أجهزة وأدوية...)، بمعنى أنهم يحددون أوجه الإنفاق الصحي، إلا أن طبيعة الإدارة المالية في العراق تجعل عملية أعداد الموازنة الخاصة بالصحة بعيدة عن الضوابط التي تعتمدها البلدان المتقدمة لنظم الرعاية الصحية. فضلا عن أن مكافئات الأطباء وأجورهم تتحد وفقا لسلم رواتب موظفي الدولة وليس وفقا لمعايير الانجاز والكفاءة. علما أن الفارق بين ما يكسبه الأطباء وكلفة ما يصفونه للمرضى في القطاع الصحي الحكومي قد جعل الموازنة العامة للدولة تتحمل تكاليف أعلى في ظل انخفاض المردود منها من منظور الفرد والمجتمع. ولعل أصدق دليل على ذلك هو زيادة إقبال الأفراد على طلب الخدمات الصحة الخاصة والتي تشكل نسبة مرتفعة من إنفاق الأسرة.

 

جدول (2): العاملون في الصحة لكل 1000 من السكان (بلدان مختارة)

البلد

السنة

العاملون الصحيون

لكل 1000 من السكان

الجزائر

2001

3

استراليا

2005

4.97

بنغلادش

2006

3.31

الصين

2008

8.27

الهند

2004

4.60

اندونيسيا

2002

1.00

إيران

2003

3.62

العراق

2003

5.80

الأردن

2003

1.80

باكستان

2008

6.25

السودان

2003

1.37

اليمن

2003

1.23

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي

 

ما يزال وصول المرأة إلى الرعاية الصحية محدودا بسبب الافتقار لتطبيق التشريعات إلى جانب قلة الموارد([31]). فعلى الرغم من وجود (1924) مركزا صحيا فان نسبة كبيرة منها ليس لديها طبيب ضمن الكادر، وتفتقر إلى الكوادر والمعدات المناسبة فضلا عن نقص الأدوية. كما إن الصعوبات التي يواجهها النظام الصحي تجعله عاجزاً عن تلبية كامل احتياجات المواطنين الصحية، كما أنه يجعل النساء خاصة أكثر عرضة للخطر أثناء وبعد الولادة. وفي عام 1990 كانت نسبة وفيات الأمهات تبلغ 117 لكل (100.000) ولادة حية، ارتفعت عام 1999 إلى 291، ثم مالت إلى الانخفاض عام 2004 إلى 193 ولادة. وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بدول الجوار العراقي (انظر الشكل التالي). وهو ما يؤشر جملة المخاطر الصحية التي تتعرض لها النساء الحوامل ومستوى الرعاية الصحية المتوفرة رغم الارتفاع النسبي في معدل الولادات تحت إشراف موظفين صحيين([32]).

 

شكل (4): معدل وفيات الأمهات في العراق ودول جواره

 

        ويندر الحصول على الخدمات الصحية الإضافية، فعلى سبيل المثال، لا تتوفر وسائل منع الحمل في المؤسسات الصحية العامة، ولا تغطي الدولة تكاليفها. لذا فان الوصول إلى وسائل منع الحمل يعتمد على القطاع الخاص، وهذا ما يجعل نصف النساء المتزوجات من الفئة العمرية (15-49) سنة لا تستخدم أي موانع للحمل طبقا لنتائج المسح متعدد المؤشرات لعام 2006([33]).

لعل من ابرز ملامح عجز النظام الصحي في العراق هو عدم قدرته على الاستجابة للتحديات الصحية التي برزت خلال السنوات الأخيرة، وعلى قدر تعلق الأمر بالمرأة فان هذا النظام فشل في الاستجابة لارتفاع نسبة الإصابة بأمراض السرطان، إذ لا توفر المستشفيات الحكومية الموارد اللازمة لإجراء الفحوصات والتشخيصات الممهدة لاكتشاف أو لمعالجة هذه الأمراض. لذا فان معظم حالات السرطان تكتشف في مراحله المتأخرة، الأمر الذي يقلص الخيارات المتاحة للعلاج، الذي يعتبر مكلفا للغاية وبخاصة وان على المريض وأسرته أن يمولا العلاج والاستشارة ذاتيا. ويأتي سرطان الثدي في المرتبة الأولى كأكثر أنواع السرطان انتشارا  في العراق.

تعد مشاركة المرأة في تخطيط السياسات الصحية وتنفيذها وتقويمها من أبرز الدعائم الهامة لضمان الاستفادة الكاملة للمجتمع من هذه الخدمات. ذلك أن معرفة المرأة بأساليب الرعاية الصحية الأولية يعد من الأساسيات الداعمة لتحقيق الاستفادة الكاملة من الخدمات الصحية التي تقدمها الدولة للمجتمع. فضلا عن أن مشاركة المرأة الفاعلة في التخطيط للخدمات الصحية يمكن أن يجعلها أكثر استجابة لاحتياجات الأسر في كافة قطاعات المجتمع الذي يعاني من مشاكل صحية مختلفة باختلاف البيئة والعوامل الاجتماعية والاقتصادية.

السياسة الدخلية (سياسة تحويل الدخل)

إن نشاط الحكومة يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على عملية توزيع الدخل، ذلك أن تدفق الدخل بين ميزانيات الأسر الخاصة والقطاع العام يشمل تشكيلة متنوعة من الدخول تشمل بالدرجة الأساس الأجور والرواتب من استخدام الأفراد، ومشتريات الحكومة والتحويلات الاجتماعية العامة والتي تشمل في الوقت الحاضر نظامي البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية، فضلا عن مصادر الدخل الاعتيادية التي يحصل عليها الأفراد من اشتغالهم في النشاط الخاص، وجميع هذه المصادر تتأثر بالسياسة العامة.

ومن عام 2003 دأبت السياسة العامة على تبني سياسة ضمان الدخل من خلال تحسين دخل موظفي القطاع العام والتي أقرت بموجبها عدد من القوانين الخاصة بسلم الرواتب ونظم الخدمة الجامعية وقانون التقاعد... وعموما يمكن القول أن هذه السياسة محايدة تجاه النوع الاجتماعي، وذلك أن جميع هذه القوانين لا تميز بين الرجال والنساء من حيث الأجور والمكافئات.

يعد نظام البطاقة التموينية أكبر نظام للتوزيع العام في العالم، فهو يشمل العراقيين، من دون اعتبار لظروفهم الخاصة وأوضاعهم المعيشية. وخلال السنوات التي طبق فيه هذا النظام (منذ أيلول/ سبتمبر 1990) تطور بفعل تراكم التجربة والخبرة، إلا أنَّه يواجه في الوقت الحاضر تحدياً مهماً من خلال تعالي الأصوات المطالبة بإصلاحه وجعله أكثر استهدافاً للفقراء، وليصبح أداة مهمة وفاعلة في مواجهة الفقر في العراق([34]).

ومع ذلك فإنَّ لهذا النظام مزايا عديدة فهو نظام يحقق العدالة المطلقة لأنه يساوي بين جميع العراقيين، غير أنّ ذلك شكل واحدة من نقاط ضعف النظام، فالمطلوب هنا هو وصول المساعدة إلى من يحتاجها فعلاً، وأن يستثني النظام غير المحتاجين. ولم تكن بالعملية السهلة نتيجة الظروف التي يمر بها البلد.

استناداً إلى مسح شبكة معرفة العراق فإنَّ حوالي 80% من الأسر تسلمت مادة واحدة في الأقل من مفردات البطاقة التموينية خلال المدة (يونيو 2010- يناير2011)، في حين تسلمت 65% منها مادتين في الأقل، و25% فقط تسلمت ما لا يقل عن ثلاث مواد. فيما تتلقى أقل من 5% من الأسر مفردات النظام كاملة([35]). وهذا يؤشر حجم المشكلات التي بات النظام يعانيها.

ويمكن القول أن نظام البطاقة التموينية محايد بطبيعته من منظور النوع الاجتماعي بسبب شموله لجميع أفراد الشعب دون استثناء، لكن يمكن أن تتأثر حياديته مع البدء بعملية الإصلاح الجارية للنظام وآثارها المحتملة على مختلف الفئات الاجتماعية.

أنشأت الحكومة عام 2005 شبة الحماية الاجتماعية من أجل مواجهة المشاكل التي يفرزها التحول الاقتصادي وتحرير الأسعار والأسواق ورفع الدعم عن بعض البنود وفي مقدمتها الوقود. وكان الهدف من الشبكة دعم الأسر ذات الدخل المنخفض أو تلك التي لا تملك دخلا([36]). ومساعدة الفقراء في التغلب على الأثر السلبي للإصلاحات الاقتصادية. ففي عام 2006 وضعت الموازنة العامة لأول مرة برنامجا شاملا للضمان الاجتماعي للفقراء بشكل دفعات نقدية، وكان يفترض البرنامج أن يغطي مليون أسرة وخصص مبلغ 500 مليار دينار (حوالي 400 مليون دولار) لانجازه، وقد أضيف مبلغ 300 مليون دولار لمساعدة الأسر المتضررة من ضحايا النظام السابق. وفي عام 2007 تم زيادة المبلغ إلى 920 مليار دينار (حوالي 826.8 مليون دولار) بضمنها 120 مليار دينار (حوالي 117.0 مليون دولار) لإقليم كردستان، كما توسع عدد المستفيدين ورفع سقف الإعانة.

تقوم شبكة الحماية الاجتماعية على الآليات التقليدية في الاستهداف واجتذاب المستفيدين، ذلك أنها تعتمد في الغالب على المساعدات النقدية، وإن اتجهت مؤخرا إلى تبني برامج تمويل المشروعات الصغيرة. مع ذلك ما تزال فرص إستفادة النساء منها محدودة مقارنة بالرجال، وبخاصة في برامج تمويل المشروعات الصغيرة. لذ فان الشبكة بحاجة الى تطوير آليات استهداف النساء في عموم برامجها.

 

سياسة الإسكان

لاشك أن امتلاك منزل يشكل حاجة إنسانية أساسية مثل أي من السلع والخدمات الأخرى، وهي مسألة تتجاوز أهداف سياسة الإسكان. والتي تشكل أحد العوامل الداعمة لاستقرار ورفاهية الأسرة، لذا فإن من الأهمية بمكان مشاركة النساء في قرارات استخدام الأراضي وتخصيصها للاستخدامات المختلفة التي من شأنها التأكيد على الحد من تلوث المناطق السكنية وتأثيراتها السلبية على صحة أفراد الأسرة جميعا.

        ويعد قطاع البناء والتشييد واحد من أكبر القطاعات الاقتصادية في العراق، كونه يشكل حوالي 4.5% من إجمالي الناتج للمدة (2005-2010)([37])، ويشغل حوالي 17% من إجمالي القوى العاملة (20% من الذكور و 1% من الإناث) طبقا لبيانات عام 2011([38]). لذا فانه يمكن للدولة أن تستخدم سياسات الإقراض والضرائب وبرامج الإنتاج لرفع أو خفض حجم البناء السكني، والتأثير تاليا في قطاعات واسعة من عمال البناء ومجهزي المواد الإنشائية ووسطاء تجارة العقارات والمقاولين وغيرهم. وحتى بالنسبة للأسر فان شراء منزل يمثل أكبر استثمار يقدمون عليه، ويمكن أن تؤثر السياسة العامة في قرارات تلك الأسر.

وعلى ما يبدو أن الحكومة اتجهت منذ عام 2004 إلى سياسة دعم المنتجين بدلا من دعم المستهلكين الذي كان عليه حال السياسة العامة خلال العقود السابقة وبخاصة في إطار مشروعات الاستثمار التي ما تزال ثمارها غير ناضجة بسبب صعوبات الوضع الاقتصادي والأمني وطبيعة سوق السكن الذي يتطلب تمويلا كبيرا ووقتا طويلا مقارنة بما تتطلبه أشكال الاستثمار الأخرى.

بالمقابل ما تزال الجوانب المؤسسية لتوفير التمويل ضعيفة جدا ولا تلائم متطلبات الواقع السكني في البلد، وما يزال المصرف العقاري رغم أنه يمثل أعرق المؤسسات في هذا القطاع شبه متوقف عن تقديم القروض منذ عام 2003 نتيجة لارتفاع خسائره وشطب أغلب قروضه وصغر رأسماله. وبدأ صندوق الإسكان بتقديم القروض السكنية في تموز (يوليو) 2005، إلا أنها هي الأخرى كانت ضئيلة إذ بلغت 6560 قرضا في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2008 في جميع أنحاء البلد، أي حوالي 1% فقط من حاجات الإسكان الوطنية التي قدرت بحوالي 674412 قرضا في عام 2006([39]).

على الحكومة أن تأخذ بالاعتبار في سياستها السكانية التغيرات الديموغرافية ونتائج الهبة الديموغرافية التي تفترض زيادة أعمار الشباب في السن الزواج خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة، والتحسن النسبي في دخل الأفراد، وكلها يمكن أن تولد ضغوطا لتأسيس أسر منفصلة، فضلا عن الفجوة الكبيرة في سوق السكن بين العرض المتاح والطلب المتنامي، إذ تقدر فجوة الطلب بحوالي 2 مليون وحدة سكنية في المناطق الحضرية بحلول عام 2016([40]).

 

تاسعا: الخاتمة: أجندة النهوض

بالرغم من تغير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلد، فان ممارسات العقود الماضية مستمرة في التأثير على واقع المرأة. وعلى الرغم من أن التغيرات التي تلت التاسع من نيسان/ ابريل 2003 في تحسين حقوق ومكانة المرأة في المجتمع. لكن تلك التبدلات أعادت الاعتبار إلى مسألة التمييز بين الجنسين، وأعطت زخما قويا للجدل حول دور المرأة وحقوقها ومكانتها السياسية ومشاركتها الاقتصادية ومجمل دورها.

ما يزال العراق يعاني من محدودية مشاركة المرأة رغم أن الدولة كانت قد استثمرت الكثير من الموارد في مجال تعليم الإناث، الأمر الذي يجعل نسبة مشاركة المرأة في البلد أقل بكثير من إمكانياته الفعلية.

ثمة اتفاق عام في النظر إلى إن التغيير السياسي عام 2003 جاء مناصراً للمرأة، فقد أدى إلى تحسن أوضاعها من خلال تقدمها للمشاركة السياسية بخطى غير مسبوقة، إلا انه لم يتم تعزيز تلك الانجازات بالحصول على مكاسب أخرى، وهو ما يعود بالدرجة الأساس إلى غياب الإرادة السياسية لدفع المرأة في مواقع القيادة ودوائر صنع القرار.

إن النهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي للمرأة العراقية يعد تعميقا لمفهوم المواطنة والمشاركة المتكافئة لجميع العراقيين في بناء الديمقراطية وصناعة القرار. لذا فان المدخل السليم لتحقيق نقلة نوعية في ظروف وأوضاع المرأة العراقية هو بتعزيز الاهتمام بالتربية والتعليم وتحقيق التنمية البشرية على قاعدة الاستدامة.

وتأسيسا على ما جاء في الورقة يمكن أن نضع بعض التوصيات للنهوض بواقع المرأة العراقية:

·        إعادة النظر بالقواعد التشريعية التي لا تراعي مبدأ المساواة في الحقوق الذي يضمنه الدستور([41]). لان القوانين التي تميز ضد المرأة صراحة تضع إطارا لحرمانها من حقوقها القانونية، ما قد يغير من الموازين في مواضيع الزواج والطلاق، ويجعل المرأة عرضة لخطر العنف، ويعيق تحقيق المرأة لمكانها وطاقاتها، ويحد من استقلاليتها كانسان([42]). فضلا عن أن القوانين التي تدعم المساواة بين الجنسين ينبغي أن تكون واضحة ومركزة ومصاغة بعبارات لا غموض فيها. والاهم من ذلك المؤسسات الداعمة والموظفين القادرين على فرضها وتنفيذها. ففي غياب البيئة المؤسساتية التي تفتقد إلى دعم القانون، فإن فرض المساواة بين الجنسين في الحقوق قد تضيع وسط مشاكل أعمق وأوسع من مشاكل الحكم والمشاركة([43]).

·        إصلاح قوانين وتنظيمات العمل لتتناسق مع نمط التنمية الجديد والاعتماد على خلق الوظائف في القطاع الخاص([44]). وتشجيع النساء على العمل النقابي وتأسيس نقابات خاصة بالنساء العاملات للدفاع عن حقوقهن.

·        التوسع في إجراء الدراسات والبحوث القانونية حول التشريعات والقوانين التي تمس المرأة، ودراسة التعديلات الضرورية عليها بما يتناسب مع الدستور والتزامات العراق تجاه المجتمع الدولي، وبخاصة ما يتصل باتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة والبروتوكول الاختياري الملحق بها في حالة انضمام العراق إليه.

·        في المجال السياسي هناك الكثير من الوسائل لتعزيز إمكانية المرأة للتعبير والنشاط السياسيين، بما في ذلك تقرير كوتا للنساء في الأحزاب والمجالس التمثيلية، كما يمكن لمشاركة المرأة أن تعزز عبر منظمات المجتمع المدني، النشاط الشعبي، اللامركزية، التدريب على القيادة ووسائل الإعلام([45]).

·        في مجال التعليم ينبغي إزالة العقبات التي تحول دون تمكين المرأة العراقية من التعليم وتحد من خياراتها التعليمية والتدريبية والمهنية لذا ينبغي وضع سياسات تعليمية تؤدي إلى تمكين المرأة في كافة المجالات والإسهام في إدماجها في الجوانب المختلفة للتنمية. لأن تطوير النظام التعليمي يعد ركنا أساسيا في أي إستراتيجية للنهوض بالواقع النسوي. وهنا ينبغي العمل على:

‌أ.       توسيع مجالات التعليم المختلفة وتحديث المناهج والكتب المدرسية وإدخال تخصصات جديدة تواكب العصر وتساعد على إدماج المرأة في سوق العمل.

‌ب.  تضمين تحليل النوع الاجتماعي في المناهج التعليمية.

‌ج.    تطوير المهارات التدريسية باتجاه إدماج مفهوم النوع الاجتماعي.

‌د.      التوسع في فتح مراكز محو الأمية باعتماد على الأساليب الحديثة التي تراعي استخدام التكنولوجيا الملائمة.

‌ه.   ربط المنافع المتأتية من برامج الضمان الاجتماعي والقروض الصغيرة بالتعليم غير النظامي وبرامج محو الأمية.

‌و.     تضمين مفهوم النوع الاجتماعي في المناهج الجامعية.

·        في المجال الصحي ينبغي العمل على:

‌أ.       التوسع في توفير مراكز الرعاية الصحية الأولية لتشمل كافة المناطق، ويراعى توزيعها على نحو أمثل، والاهتمام بالخدمات الوقائية بما فيها الفحوصات الخاصة بأمراض السرطان التي تصيب النساء.

‌ب.  إطلاق حملة للتوعية بفوائد تنظيم الأسرة والتوسع في توفير وسائل منع الحمل، وتوفير خدمات تنظيم الأسرة في المراكز الصحية الحكومية بما فيها وسائل تنظيم الأسرة.

‌ج.    زيادة حملات التثقيف والتوعية بالأمراض التي تصيب النساء.

‌د.      تطوير نظم المعلومات واليات جمع البيانات الصحية لتوفير قواعد بيانات ومعلومات صحية كفوءة وشاملة.

·        دمج مفهوم النوع الاجتماعي في إعداد الموازنات العامة وموازنات المؤسسات الحكومية.

·        ضرورة إصلاح وزارة شؤون المرأة، وزيادة ميزانيتها، وجعلها حقيبة وزارية، وبصلاحيات مناسبة للاطلاع بدور اكبر في تمكين النساء وزيادة الاهتمام بقضايا المرأة.

 

الهوامش والمصادر

 



([1]) جيمس اندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمة: عامر الكبيسي، دار المسيرة، عمان، 1998، ص 15

[2] Rosemary Vargas-Lundius, Polishing the stone: A journey through the promotion of gender equality in development projects, Palombi, Rome, 2007, p.26

[3]  البنك الدولي، إدماج النوع الاجتماعي في التنمية من خلال المساواة في الحقوق والموارد والرأي، ترجمة: هشام عبد الله، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004، ص52

[4]  المصدر السابق نفسه، ص79

[5]  المصدر السابق نفسه، ص 134

[6]  الاتحاد البرلماني الدولي، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وبرتوكولها الاختياري: دليل البرلمانيين، الأمم المتحدة، نيويورك، 2004، ص 50

[7]  المصدر السابق نفسه، ص 50

[8]  المصدر السابق نفسه، ص 50

[9]  ديبي بادلندر ورواندا شارب، مبادئ تحليل الموازنة المراعية للنوع الجنس: بحث وممارسة معاصران، المعهد الديمقراطي الوطني للشؤون الدولية، واشنطن، 1998، ص4

([10]) فائزة بابا خان، المرأة والدستور: تطوير وتعديل القوانين الخاصة بتشريعات المرأة، ص 11

[11] Mary Holmes, What is Gender? : Sociological Approaches, SAGE Publications Ltd, London, 2007, p. 11

[12]  البنك الدولي، المصدر السابق نفسه، ص149

([13]) اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا)، تاريخ الحركات النسائية في العالم العربي، الاسكوا، 2005، ص 107

[14] بيت الحكمة والجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق 2009، ص 141

([15]) أنظر: ألين متي (وآخرون)، وضع المرأة في العراق: تحديث لتقييم امتثال العراق القانوني والواقعي للمعايير القانونية الدولية، جمعية المحامين والقضاة الأمريكية، مشروع تطوير القانون في العراق، 2007، ص 13-15

([16]) المصدر السابق، ص34

[17] المصدر السابق، ص 142

[18] الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المرأة والرجل في العراق: قضايا وإحصاءات 2009، ص51

[19]  الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2010-2011، جدول (19-27)، ص771

[20]  الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2010-2011، جدول (19-28)، ص772

[21] ينظر: ارنولد ج. هايدنهايمر، هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، السياسات العامة المقارنة: سياسات الخيار الاجتماعي في أوروبا واليابان، ترجمة: أمل الشرقي، الأهلية، عمان، 1999، ص 53

[22] اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا)، المصدر السابق، ص 53

[23]  الجهاز المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2010-2011، جدول 9/25أ، ص 350-351

([24])أيفون يزبك حداد وجون ل. اسبوزيتو [تحرير]، الإسلام والجنوسة والتغير الاجتماعي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2003، ص 227

([25])وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، ص 122

[26] ألين متي (وآخرون)، المصدر السابق نفسه، ص7

[27] المصدر السابق نفسه، ص158

([28])المصدر السابق، ص 103

([29])المصدر السابق، ص 110

[30] ينظر: ارنولد ج. هايدنهايمر ، هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المصدر السابق، ص 118

([31]) ألين متي (وآخرون)، المصدر السابق نفسه، ص6

([32]) تبلغ نسبة الولادات التي تجري تحت إشراف طبي 89.23 طبقا لمسح الأحوال المعيشية لعام 2004 وهي نسبة ما تزال تنمو سنويا بمعدل ايجابي.

([33]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المسح متعدد المؤشرات لعام 2006، جدول 14، ص 47

[34] اللجنة العليا لسياسات التخفيف من الفقر في العراق، الإستراتيجية الوطنية للتخفيف من الفقر،  ص32

[35] الجهاز المركزي للإحصاء، شبكة معرفة العراق 2011، القسم الثامن.

[36] حددت تعليمات نظام الشبكة أصناف المستهدفين وهم:العاطلون عن العمل؛ أصناف معينة من المعوقين (المكفوف- المصاب بالشلل الرباعي بغض النظر عن العمر والعجز كليا عن العمل بعمر 15 سنة فأكثر)؛ اليتيم القاصر؛ المطلقة- الأرملة التي لديها أولاد قاصرون؛ الطالب المتزوج المستمر على الدراسة لحين التخرج من الدراسة الجامعية الأولية؛ أسرة النزيل أو المودع أو أسرة المفقود؛ العاجز كلياً عن العمل بسبب المرض أو الشيخوخة (من الجنسين)؛ رب الأسرة العاجز عن العمل بنسبة لا تقل عن 75%.

[37] المجموعة الإحصائية السنوية 2010-2011،  جدول (5/14) أ وب ، ص 484 و486

[38]  مسح شبكة معرفة العراق 2011، جدول (4-13)، ص 52

[39]  وزارة الإسكان والإعمار، سياسة الإسكان الوطنية في العراق، ص 8

[40]  وزارة الإسكان والإعمار، سياسة الإسكان الوطنية في العراق، ص 17-18

([41])البنك الدولي، النوع الاجتماعي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، البنك الدولي، واشنطن العاصمة، (د.ت)، ص16

([42]) ألين متي (وآخرون)، المصدر السابق نفسه، ص 6

[43]  البنك الدولي، إدماج النوع الاجتماعي في التنمية من خلال المساواة في الحقوق والموارد والرأي، المصدر السابق، ص181

([44])البنك الدولي، النوع الاجتماعي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المصدر السابق، ص 16

([45]) المصدر السابق نفسه، ص17

الأكثر مشاهدة