الفساد في العراق : جذوره ،فروعه ، وثماره المرة

بواسطة عدد المشاهدات : 72145
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفساد في العراق : جذوره ،فروعه ، وثماره المرة

يهدف البحث إلى التعرف على مفهوم ومضمون ظاهرة الفساد التي أخذت تنحى منحى دراماتيكياً في العراق، فالموروث أمتزج مع الظروف الاستثنائية التي مرَّ بها العراق لتجعل من الفساد عقبة تهدد مستقبل المجتمع والدولة والاقتصاد فيه، وفي الوقت نفسه شكلت عامل تحدٍ للحكومات المتعاقبة. ذلك هو جوهر المشكلة التي يجهد البحث في مناقشتها وتحديد أبعادها.

 

 

الفساد في العراق : جذوره ،فروعه ، وثماره المرة

 

الدكتور حسن لطيف كاظم الزبيدي

الدكتور عاطف لافي مرزوك السعدون

 

 

أولاً : المقدمة والخلاصة

        على الرغم من قدم ظاهرة الفساد  Corruption ، إلا إن الاهتمام بها قد تزايد منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، حتى أصبح مثار الاهتمام الرئيس في السياسة العالمية، وكان ذلك مدفوعا بعوامل عدة أهمها: انتشار النظم الديمقراطية التي سمحت بالمناقشة العلنية لهذه الظاهرة، كما ان تصاعد تيار العولمة ونفاذها إلى كل بقاع العالم وما أفرزته  من آثار أبرزها تزايد نشاط الشركات متعدية الجنسيات وتزايد الاهتمام بها ومراقبة نشاطها ونشاط الحكومات التي تعمل في داخل اقتصاداتها، واكتسبت ظاهرة الفساد بعداً جعلها مشكلة عابرة للقوميات بحيث شملت آثارها معظم بلدان العالم. وبالنسبة للبلدان النامية يأتي الاهتمام بالظاهرة في وقت زادت فيه الهوة التي تفصلها عن البلدان المتقدمة وبخاصة في ميادين الاقتصاد الجديد والإنتاج الرقمي، وعلى رغم ذلك فإن البلدان النامية كانت وما تزال مسرحاً لأنواع مختلفة من الفساد سواء ذلك المتأصل في داخلها، أو تلك القادمة مع موجة العولمة، حتى باتت قوى العولمة نفسها تشتكي منه ومن كلفته العالية. وثمة عامل آخر لتزايد الاهتمام بالظاهرة، وهو الدور الذي مارسته المؤسسات الدولية وبخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في جذب الانتباه لها في تقاريرها عن دول العالم المختلفة.

يهدف البحث إلى التعرف على مفهوم ومضمون ظاهرة الفساد التي أخذت تنحى منحى دراماتيكياً في العراق، فالموروث أمتزج مع الظروف الاستثنائية التي مرَّ بها العراق لتجعل من الفساد عقبة تهدد مستقبل المجتمع والدولة والاقتصاد فيه، وفي الوقت نفسه شكلت عامل تحدٍ للحكومات المتعاقبة. ذلك هو جوهر المشكلة التي يجهد البحث في مناقشتها وتحديد أبعادها. وينطلق البحث من فرضية مفادها ((إن للفساد في العراق جذوراً عميقة تمتد إلى المراحل الأولى لبناء الدولة، تلك الجذور باتت اليوم فروع تداخلت فيما بينها فصارت تهدد كيان الدولة ومستقبل اقتصادها)). وبغية التحقق من صحة الفرضية قُسمَ البحث على المحاور الآتية :

·           مفهوم الفساد .

·           الآثار السلبية للفساد .

·           قياس الفساد .

·           الفساد في العراق .

·            بدلا من الخاتمة: لا بد من إعلان الحرب على الفساد

  ثانياً: في مفهوم الفساد

يمكن تعريف الفساد بطرق مختلفة. لكن يبقى القاسم المشترك بين كل تلك التعريفات هو في سوء استخدام السلطة العامة للحصول على منافع خاصة. فقد عرّفت موسوعة العلوم الاجتماعية الفساد على أنه (( استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح أو منافع خاصة، ويشتمل ذلك بوضوح على جميع رشاوى المسؤولين المحليين أو الوطنيين أو السياسيين ولكنه يستبعد الرشاوى التي تحدث فيما بين القطاع الخاص ))[1] مع ذلك نجد أن فيتو تانزي Vito Tanzi يرى في الفساد على أنه (( تصرف يقوم به شخص بقصد غير مقبول بهدف الحصول على بعض المنافع له أو لأقاربه )) هذا التعريف يحتوي على ثلاثة عناصر أساسية: العنصر الأول يتعلق بمد اليد الذي يقترف شخصيا أو عن طريق علاقات أخرى، وهو ما يمكن عده الشرط الضروري لتحقق الفساد. والعنصر الثاني هو وجود القصد في مد اليد. أما العنصر الثالث فهو وجوب وجود بعض المنافع للشخص الذي يرتكب الخالفة وإلا لن يكون هناك فساد[2].

وطبقا لأدبيات البنك الدولي يعرف الفساد على أساس انه، (( إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة بتقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة- للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. كما يمكن للفساد ان يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة دون اللجوء إلى الرشوة وذلك بتعيين الأقارب أو سرقة أموال الدولة مباشرة ))[3] ، هذا التعريف يهتم بحالة الفساد في السلطات العامة وسوء استخدامها والصلات بين الفساد والدولة، وفعالياتها، وتدخل الدولة في السوق ووجود القطاع العام. وبكلمات أخرى، يبعد احتمال الفساد في القطاع الخاص، ويركز على الفساد في القطاع العام. وهو ما يتسق مع وجهة نظر غاري بيكر Gary Becker الحائز على جائزة نوبل الذي يقول (( أننا إذا ألغينا الدولة، فقد ألغينا الفساد ))[4] . والمشكلة الأساسية في هذه الطائفة من التعريفات هو أنه ليس كل سوء استخدام للوظيفة العامة هو فساد، فبعضها قد يكون مجرد سرقة، خداع ، اختلاس، أو أية أنشطة مشابهة، لكنها ليست بالتأكيد فساداً. فإذا ما قام الموظف الحكومي الأعلى مرتبة بالاستئثار عبر مخالفة القانون بمبلغ من المال من الميزانية بدون تقديم أية خدمة أو تفضيل  أي شخص، فهذا لا يعني بالضرورة فسادا، إنما هو جريمة من نوع آخر. ذلك (( أن الفساد لا يعني بالضرورة حصول الموظف العام على رشوة وإنما يعني استغلال المركز بما يخالف القواعد الموضوعة ))[5].

وبشكل موسع نقول إن الفساد هو عمل مناف للقوانين أو الأخلاق يتم بواسطة شخص عند تقاضيه آو الحصول على وعد بتقاضيه أموال داخل أو خارج نطاق القنوات الشرعية بغرض الانتفاع الشخصي مقابل تقديم تسهيلات سرية ذات صلة بالموقع الإداري لهذا الشخص لعملاء خارجيين. وتتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر: الرشوة والابتزاز، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، والاحتيال، واستخدام حوافز التعجيل، وهو المال الذي يدفع موظفي الحكومة لتعجيل النظر في أمر خاص يقع في نطاق اختصاصهم لحصول المواطن على حقه.

إن هذه الظاهرة غالبا ما تحدث في الدول التي تتدخل في النشاط الاقتصادي بصورة مفرطة والتي تعاني أجهزتها الإدارية من تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري وغياب أو ضعف أجهزة الرقابة والمحاسبة. إذ قد تتضمن برامج الاستقرار بعض السياسات التي تفتح بؤر جديدة للفساد الإداري والمالي في البلدان المتقدمة والنامية على حدا سواء باستثناء إن البلدان الأخيرة (النامية) تعد اقل مناعة من البلدان الأولى في مقاومة مرض الفساد. بسبب إن الثغرات القانونية التي تلازم أي سياسة اقتصادية جديدة تقدم فرص للتحايل على هذه السياسة وتؤدي إلى تفاقم أمراض الفساد المالي.

ويقدم باولوPoalo Mauro  قائمة تتضمن عدد من العوامل المباشرة وغير المباشرة المسؤولة عن الفساد[6] .

الجدول (1)

العوامل المباشرة وغير المباشرة للفساد

ت

العوامل المباشرة

العوامل غير المباشرة

1.     

التعليمات واللوائح .

المستوى العام لمعدلات الأجور .

2.     

 النظم الضريبية المعقدة .

السيطرة المؤسساتية .

3.     

البند العام من السلع والخدمات في ظل أسعار السوق .

درجة شدة نظام العقوبات .

4.     

الحالات التي يكون فيها لموظفي القطاع العام نفوذ على صنع القرار الاقتصادي .

شفافية القواعد والقوانين والاجراءات .

5.     

حاجة الاحزاب السياسية الى التمويل اللازم .

المثال الذي تقدمه القيادة السياسية .

6.     

  -----------------------

المستوى العام لمعدلات الأجور .

  المصدر :             Poalo Mauro , "Why worry about corruption? " Washington , D.C : I.M.F

 

 

الآثار الاقتصادية للفساد

يرتبط الفساد بالكفاءة الاقتصادية بصورة مباشرة، وتختلف وجهات النظر إلى الفساد من وجهة الربط هذه، فقد شهدت تحولاً كبيراً في السنوات الأخيرة. فقبيل أزمة بلدان جنوب شرق آسيا سادت نظرة تبسيطية رومانسية اعتبرت الفساد نشاطاً مرغوباً، ووصفته على أنه "زيت العجلة الاقتصادية"، فقد جعل العديد من الاقتصادات تبدو أكثر كفاءة

. فالمستثمرون الأقدر على دفع الرشاوى هم الأكثر قدرة على تبني المشروعات، كما إن المشروعات التي لها نفس الكفاءة يمكن لها أن تتقدم على مثيلاتها، لأن الفساد يمكن أن يقلل من درجة بيروقراطية الدولة. أما بالنسبة للحكومة فالفساد يجعل موظفي القطاع العام يقبلوا بالأجور الأقل، الأمر الذي يعني ضرائب أقل، وهو ما يحسن معدلات النمو الاقتصادية[7].

        وبالرغم من أن العديد من الاستنتاجات روجت لهذا الاتجاه غير التقليدي، إلا أن وجهة النظر الرومانسية هذه تبدلت، فظهرت مقولة الكفاءة الأكثر قبولاً والتي نصت على أن (( النفط هو زيت الآلة الاقتصادية، والفساد هو صدأها )) ·.

يحدث الفساد أثارا اقتصادية واجتماعية سلبية تخلف وراءها مشاكل حقيقية تحيق بالمجتمع والدولة والاقتصاد معا. وتبين الدراسات أن للفساد آثار سلبية على كلٍ من الكفاءة الاقتصادية والنمو الاقتصادي، فهو يضعف الحافز على الاستثمار والنشاط الإنتاجي، وأثره السلبي على نوعية وكفاءة المرافق العامة والأسواق وتخصيص الموارد والعادلة في توزيع الدخل[8]

أن الفساد يضع قيودا على الدولة التي ستعجز عن أداء وظائفها الاقتصادية الأساسية (( وضع وتنفيذ السياسات الاقتصادية، تخصيص الموارد، وإعادة توزيع السلع والرفاه بين أفراد المجتمع))[9]. كما أنه يقوض من سيادة القانون ويعيق تشكيل حكومة خاضعة للمساءلة، ويفرض على الدولة قيوداً من خلال وقعه غير المواتي على ماليتها العامة فيقلل من الإيرادات العامة ويزيد من حجم الإنفاق العام لزيادة فرص التهرب الضريبي ومحاولات الحصول على الإعفاءات الضريبية بالطرق غير المشروعة، ورفع تكاليف بناء وتشغيل لمشروعات العامة. كما يفرض الفساد زيادة في التكاليف تقدرها بعض المصادر بحوالي 40 بالمئة من الأرباح تدفع في شكل عمولات للحصول على الاجازات والتراخيص[10]. من جهة أخرى يخلق الفساد عدم الاستقرار الناجم عن توسع القطاع الخفي من خلال الابتزاز والفساد والبيروقراطية في إنجاز تراخيص الأعمال، وهنا تعجز الحكومات في ظل مستوى مرتفع من الفساد عن تشجيع الاستثمار وروح المبادأة، وتفرض أعباء أضافية على رجال الأعمال عند قيامهم بمزاولة أنشطتهم الإنتاجية تتمثل في غرامات كريهة يتحملها صاحب المشروع، فيقل بالتالي الحافز على الاستثمار. إذ تشير أحدى الدراسات إلى أن للفساد آثارا سلبية على الاستثمار الأجنبي المباشر، فزيادة مؤشر الفساد بمقدار وحدة واحدة في ظل معدل ضريبة حدية مساويا لـ (4.7)، فانه يحدث انخفاضا في الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 0.9 بالمئة. وتظهر دراسة أخرى للبنك الدولي ان البلدان التي تتمتع بمعدل مرتفع قابل للتنبؤ من الفساد يمكن أن ترتفع فيها نسبة الاستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 19.5 بالمئة. أما في تلك البلدان التي تمتاز بمعدل منخفض للفساد قابل للتنبؤ أيضا فان النسبة قد تصل إلى 12.3 في المائة. في حين إن البلدان التي تمتاز بمعدل مرتفع من قابلية التنبؤ ومستوى منخفض من الفساد فان النسبة قد ترتفع لتصل إلى 28.5 في المائة. وعلى صعيد آخر أظهرت دراسة أخرى العلاقة العكسية بين مؤشر الفساد والاستثمار الحكومي[11]. وقد اثبت باول ماورو ان انخفاض مؤشر الفساد بمستوى الربع (2.4) يعني زيادة الاستثمار في الاقتصاد بحوالي 4 في المائة، الأمر الذي يعني ارتفاع في معدل النمو بحوالي 0.5 بالمئة[12]. وطبقا لمسح اجري عام 1999 وشمل 69 بلدا ظهر أن الفساد مشكلة هامة وعامة وإن هناك علاقة سلبية بين مستوى الفساد ومستوى الاستثمار القومي.

        من جهة أخرى، فان الفساد يخلق عدم المساواة، والمنافسة غير العادلة باستخدام مؤسسات الدولة ويقلل من الفعالية الاقتصادية. اذ تبدو العلاقة قوية بين الفساد ودرجة اللامساواة في البلد. مع ذلك فان الأثر الاقتصادي المدمر يبقى من خلال نمو اقتصاد الظل shadow economy الذي يولد دخلاً إضافياً للمشتركين وأفراد عوائلهم. وفي بعض الأوقات يكون هو المصدر الوحيد لمعيشتهم وقد يتعايش هذا الاقتصاد بالتوازي مع الاقتصاد الرسمي. وتشير بعض الدراسات إلى إن نسبة الدخل المتولدة داخل هذا القطاع قد تصل إلى 60 بالمئة من الدخل الإضافي، وهو ما يخلف توزيعا غير متساوي بين السكان، ويوسع الفجوة القائمة بين الأغنياء والفقراء. كما ينعكس اثر هذا الاقتصاد على التنمية البشرية في البلد، فزيادة التهرب الضريبي تخلق مشاكل تصيب الميزانية العامة الأمر الذي ينعكس بدوره على تخصيص موارد الميزانية المحدودة أصلا. وثمة أثر آخر لاقتصاد الظل المرتبط بالفساد هو من خلال الانعكاس على مستوى إشباع المستهلكين الذين يحصلون على سلع وخدمات بنوعيات منخفضة الأمر الذي يعني تدني مستوى الرفاهية[13].

 

إن عمليات المسح التي تقوم بها منظمة الشفافية أظهرت أن الفساد يتفشى بشكل أكبر في قطاع البناء البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار. وتعاني منه الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وطبقا لتقرير الفساد العالمي لعام 2005 فان الفساد (( يهدر الأموال ويقلص من الجودة ويمكن أن يتسبب في سقوط ضحايا نتيجة سوء المباني في المناطق المتضررة من الكوارث الطبيعية، وقد يكون له تأثير مدمر على البيئة بتشجيع مشروعات غير ملائمة ولكنها مربحة))[14].

وقد قدم التقرير حالات مفصلة عن مشاريع على مستوى كبير في البنية التحتية منها ما دفع رشوة لضمان الفوز بعقد بناء سد في لوسوتو، وكذلك تورط بعض السياسيين في قضية فساد في عملية شراء جهاز حرق النفايات في ألمانيا –تولون. كما اظهر التقرير أن الافتقار إلى الشفافية في المشاريع الكبيرة يمكن ان يكون له أثر مدمر على تقدم الاقتصاد[15].

ان الفساد في الإجراءات المتبعة لاختيار العقود تبقي الدول النامية مثقلة بأعباء بنية تحتية غير مطابقة للمواصفات والمقاييس وتزيد من ديونها الخارجية وبعض ما يفعله الفساد هو رفع التكلفة وتخفيض نوعية البنية التحتية، ولكن نتائج الفساد تظهر أيضا في فقدان الأرواح. ان الدمار الذي تخلفه الكوارث الطبيعية كالزلازل أكثر ما يظهر في الأماكن التي تلقّى منها مفتشو المباني الرشوة من أجل غض النظر عن أنظمة التخطيط والبناء. كذلك يوجه الفساد الأموال المخصصة بعيدا عن برامج الصحة والتعليم ليتجه بها نحو مشاريع البنية التحتية الكبيرة، وكذلك فان الفساد قد يكون له نتائج بيئية كارثية، نذكر على سبيل المثال: مشروع سد ياكريتا في الأرجنتين ومشروع بناء محطة توليد الطاقة النووية في "جاتان" في الفلبين ومشروع بناء سد بوجاغالي في أوغندا وهذه المشاريع كانت موضع ادعاء وتساؤل بkih أنها أنها استخدام غير مناسب للأموال[16].

ويمكن أن نضيف إلى السياق السابق عدداً آخر من الآثار المدمرة للفساد، هي :

1. تبديد مبالغ كبيرة من الإيرادات المالية الحكومية المستحقة لخزينة الدولة، وهو ما يترك آثاراً غير مباشرة على الأداء الاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك تهدر الحكومات كثيراً من مواردها المالية نتيجة ارتفاع التكاليف التي تدفعها على مشاريعها الاقتصادية والصفقات التي تبرمها نتيجة الرشوة والفساد.

2. تراجع الطبقة الوسطى في الدول التي يمارس فيها الفساد بدرجات متوسطة، وانعدامها في الدول الأكثر فساداً، والمعروف أن هذه الطبقة التي أعجزتها الضربات الاقتصادية التي تعرضت لها لفترات طويلة هي التي كانت تدير العملية التنموية وتساهم بشكل فاعل في زيادة النشاط الاقتصادي.

3. ارتفاع حجم التهرب الضريبي نتيجة ممارسات رجال الأعمال الذين يعتمدون على الفساد كنهج في التعامل ويخالفون الأحكام والقوانين، حيث إن الصفقات التجارية التي تنجزها هذه الفئة نادراً ما تخضع للضرائب الحكومية بشكل صحيح، الأمر الذي ينجم عنه ارتفاع حجم التهرب الضريبي وبالتالي خسارة الميزانية لقسم من إيراداتها وهو ما يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة يدفع بالدولة إلى تخفيض مستوى الإنفاق العام على السلع والخدمات الضرورية المقدمة للمواطنين.

4. انعدام تكافؤ الفرص والعزوف عن ممارسة أنشطة اقتصادية ذات مردود اقتصادي مميز، وتحول المدخرات المالية إلى أنشطة غير استثمارية مثل اقتناء العقارات والأراضي بما يؤدي إلى زيادة البطالة وإلى حالة الركود الاقتصادي.

5. زيادة كلفة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين مثل التعليم والسكن والخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، وهذا بدوره يقلل من حجم هذه الخدمات وجودتها ويؤدي إلى سوء تخصيص الموارد والتأثير سلباً على الكفاءة الإنتاجية والتوزيعية داخل الاقتصاد.

6. زيادة تكاليف المشاريع الاقتصادية نتيجة دفع الرشاوى مقابل الحصول على امتيازات وتسهيلات معينة، لن يتحملها في نهاية الأمر رجال الأعمال وأصحاب المشاريع، الذين يضيفون في العادة المدفوعات الناجمة عن الرشاوى والإكراميات والعمولات إلى إجمالي التكاليف، وينقلون عبء هذه التكاليف إلى طرف ثالث، فيتحملها الاقتصاد القومي بالدرجة الأول.

7.توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث يرهق الفساد الاقتصادي الفقراء لصالح الأغنياء ويساعد على تراجع مستويات المعيشة وبالتالي يضعف القدرة الاستهلاكية لقطاع واسع من السكان، مما يسفر عن إضعاف إحدى الحلقات الاقتصادية المهمة في المجتمع.

8. انتشار الفساد يضر كثيراً بعملية الاستثمار ويؤدي إلى خفض نسبة الاستثمار، وتحديداً الاستثمارات الخارجية مضافاً إليها هروب رؤوس الأموال الداخلية، فالدول الأكثر فساداً دولاً مبددة لثرواتها الداخلية وطاردة للاستثمارات الخارجية، لاعتبارات من بينها غياب الشفافية وازدياد احتمالات حدوث أعمال رشوة بطلب من مسؤولي الدولة، الأمر الذي ينجم عنه هروب الاستثمار مولياً وجهه إلى أماكن أكثر شفافية ونزاهة .

واعتبرت دراسة للبنك الدولي شملت 3600 شركة وغطت 69 دولة اعتبرت الفساد العائق الأول للاستثمار في كل من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، والعائق الثاني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجاء ترتيبه الثالث في دول شرق آسيا ودول الاتحاد السوفيتي سابقاً بينما جاء ترتيبه الخامس كعائق للاستثمار في الدول الصناعية.

والحق أنه لا توجد تقديرات دقيقة للخسائر التي يسببها الفساد سواء على الصعيد العالمي أو على صعيد الدول النامية بوجه خاص، وإن ما يكشف عنه من خسائر لا يقارن بالفساد الحقيقي الموجود داخل أي دولة من الدول، ويكون الفساد في هذه الحالة مثل جبل الجليد الذي لا يظهر منه سوى جزء ضئيل جداً، ولذلك فإن الفساد الظاهر ليس دليلاً دائماً على حجم الفساد الحقيقي في أي دولة، لكن البيانات التي تنشر في بعض الحالات تشير إلى أن الخسائر تبلغ مئات المليارات من الدولارات سنوياً، فعلى سبيل المثال فإن القارة الإفريقية وحدها تتكبد خسائر سنوية باهظة بسبب الفساد المستشري، فقد جاء في دراسة صادرة عن الاتحاد الإفريقي أن الفساد يكلف القارة الإفريقية أكثر من 150 مليار دولار كل عام. وتقول الدراسة إن ما يترتب على الفساد من خسائر يزيد أسعار السلع بمعدل 20 بالمائة، ويعطل الاستثمارات، ويعرقل التنمية الاقتصادية[17].

 

رابعاً.قياس الفساد

السؤال المطروح هو كيف يمكن قياس الفساد، والحقيقة إن هناك صعوبة في حساب أفعال الفساد، هل بعددها، بكمية الرشاوى المدفوعة، بعدد الأشخاص الراشين أو المرتشين، بعدد الصفقات الملوثة بالفساد، وعليه من الصعب القول بوجود مقياس واضح ومحدد للفساد في أي بلد.

وعلى الرغم من عدم وجود مقياس مباشر للفساد، فإنه عادة ما يتم اللجوء إلى الطرق غير المباشرة لقياسه، والتي تعتمد على الحصول على المعلومات من مصادر عدة، أهمها الاستبانة العامة  surveys حول مدى الفساد وانتشاره في إدارة معينة من وجهة نظر أفراد المجتمع وتعكس نظرة أفراد المجتمع إليه-->

الأكثر مشاهدة