المشهد الاقتصادي العراقي: المعطيات والخيارات

بواسطة عدد المشاهدات : 265390
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المشهد الاقتصادي العراقي: المعطيات والخيارات

إن الاقتصاد العراقي في مواجهة تحديات كبيرة فمحصلة كشف حساب محددات مستقبله تكشف انه أمام موارد بشرية تتصف بسمات لا تفيد التنمية ما يتطلب العمل على تنميتها وتطويرها كشرط مسبق لتحقيق النهوض الاقتصادي، وحتى بالنسبة لقطاع النفط الذي يعول عليه كثيرا في تشكيل المستقبل فانه يعاني من مشاكل خلفتها السياسات الخاطئة السابقة ويحتاج أيضا إلى تطوير وتنمية قبل ان يأخذ دوره في خدمة الاقتصاد وتوفير الموارد اللازمة لعمليات البناء والاعمار.

 

المشهد الاقتصادي العراقي

 المعطيات والخيارات

 

 الدكتور حسن لطيف كاظم الزبيدي

قسم الاقتصاد

كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة الكوفة

 

 

 

 

الخلاصة والمقدمة

إن الكلام عن مستقبل اقتصاد ما يعني الحديث عن محددات أدائه، ويندرج تحت هذا الحديث التطرق لجملة من الموضوعات تتعلق بأداء هذا الاقتصاد. وعليه، يمكن الادعاء بان التنبؤ بمستقبل اقتصاد ما يتم بتحديد مسار العوامل المحددة لتكوينه الهيكلي ولنشاطاته الاقتصادية المختلفة وتاليا لقدرته على تلبية احتياجات سكانه وتحقيق مستويات نمو مرتفعة والنهوض بعملية التنمية الشاملة. على وفق هذا التصور فان محاولتنا استشراف مستقبل النظام الاقتصادي في العراق تنطوي على محاولة التعرف بنية هذه المعطيات والكيفية التي يمكنها أن تمارس أثرها في تشكيل صورة المستقبل.

 

يبدو إن الاقتصاد العراقي في مواجهة تحديات كبيرة فمحصلة كشف حساب محددات مستقبله تكشف انه أمام موارد بشرية تتصف بسمات لا تفيد التنمية ما يتطلب العمل على تنميتها وتطويرها كشرط مسبق لتحقيق النهوض الاقتصادي، وحتى بالنسبة لقطاع النفط الذي يعول عليه كثيرا في تشكيل المستقبل فانه يعاني من مشاكل خلفتها السياسات الخاطئة السابقة ويحتاج أيضا إلى تطوير وتنمية قبل ان يأخذ دوره في خدمة الاقتصاد وتوفير الموارد اللازمة لعمليات البناء والاعمار. وإذا ما أضفنا إلى ذلك طبيعة منظومة العلم والتقانة والواقع البيئي وتخلف القطاعين الزراعي والصناعي فان الصورة تزداد قتامة ولا يكاد يجّملها إلا الثقة بقدرة الشعب العراقي على تجاوز المحنة وتحمل المسؤولية وصناعة نموذجه في البناء والتطور.

 

أولا: المعطيات الذاتية

يتمتع العراق بوفرة في موارده البشرية والطبيعية جعلت منه حالة متميزة بين الأقطار العربية، وبخاصة المنتجة للنفط. الأمر الذي مكن متخذي القرار من مواجهة تحديات كبيرة لعل أهمها فرض الضرائب والاقتراض والاستثمار الأجنبي، وحررتهم من القيود والمشكلات التي يفرضها النقص أو الشحة في تلك الموارد، مع ذلك فان هذه الوفرة أتاحت لمتخذي القرار فرصا للمغامرة لم تكن متاحة لغيره، فكانت مغامراتهم كوارث حلت بالاقتصاد منذ عام 1980 وحتى انهيار نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003.

في داخل هذا الاقتصاد تحتل الدولة موقعا متميزا نتيجة استحواذها على حصة كبيرة من الناتج القومي المتمثلة بالعائدات النفطية، وباتت بفضل ذلك المنفق الأول في البلاد، ورب العمل الأول، والحكم والوسيط لتوزيع الدخل ضمن فئات المجتمع. وهي الممارسات التي اعتاد الاقتصاديون على توصيف سلوكيات الدولة الريعية النفطية العربية. اذ قدمت النخبة الحاكمة في العراق، صورة متطرفة لهذه الدولة بعدما تراءى لها أن لا قيود على الموارد المالية المتاحة لها. ويمكن أن تتحمل قرارا بشن الحرب بل وبإطالة تلك الحرب. لكن سرعان ما تكشف لهذه النخبة خور هذه الرؤية ذلك (( أن حقائق الحرب كبلت أيدي متخذ القرار السياسي عام 1982، كما اضطرته على التراجع عن سياسته هذه، وتبني إجراءات زمن الحرب))([1]) وفي وقت مبكر من الحرب العراقية الإيرانية تدهور الاقتصاد واستنزفت الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وتراجع الناتج الصناعي والزراعي، وارتفعت معدلات التضخم، وتغير مسار التجارة الخارجية، وظهرت المديونية... ومع تصاعد وتيرة الحرب جرى إخضاع الاقتصاد لمتطلبات المجهود الحربي. (( ففي عام 1982 تم تقليص التنمية بحدة بعدما فقد العراق معظم صادراته النفطية، كما اضطرت الحكومة إلى اعتماد إجراءات التقشف في الاقتصاد. ومع عودة الأحداث توقف الإنفاق التنموي عن كونه يتمتع بأولوية الدولة، كما هو معروف دائما في العراق.))([2])

ولم تكن نهاية الحرب في 8 أب/ أغسطس 1988 لتنهي ما كان العراق يعانيه من مشاكل اقتصادية، بل إنها بشرت بمرحلة جديدة كانت تغلب عليها ألازمة الاقتصادية التي نجمت عن أسباب كثيرة من بينها انخفاض أسعار النفط، ومطالبة دائني العراق بمستحقات ديونهم، والبطالة المتأتية من تسريح أعداد كبيرة من أفراد القوات المسلحة العراقية، مع وجود اقتصاد معسكر لا يخدم حل الأزمة رغم محاولة الحكومة ما بين عامي 1988 و 1989 إصلاح الأوضاع من خلال دمج الصناعات المدنية والعسكرية تحت إشراف وزارة الصناعة والتصنيع العسكري. لهذا نجد الكثير من الباحثين يؤيدون إن اجتياح الجيش العراقي للكويت كان بمثابة تصدير لأزمة داخلية تعرضت لها الدولة العراقية. وبعيدا عن مناقشة تفصيلات الاجتياح وأسبابه الحقيقية([3]). فان الحدث شكل منعرجا خطيرا في مسيرة الاقتصاد العراقي ما تزال تراكمات أثارها تقيد الاقتصاد والمجتمع والدولة بقيود يصعب الفكاك منها.وفي ما يلي سنحاول التعرض لبعض هذه الآثار بقدر تعلقها بالمعطيات الذاتية للاقتصاد العراقي:

الموارد البشرية: لقد كان حجم سكان العراق في منتصف القرن التاسع عشر حوالي مليون نسمة، بلغ في أوائل القرن الماضي حوالي 2.5 مليون نسمة. وقد نمى حجم السكان بشكل مطرد خلال القرن العشرين ليصل عام 1950 إلى حوالي 5.2 مليون نسمة، والى حوالي 25 مليون نسمة بلغوا عام 2000، ويتوقع أن يصل إلى 30 مليون نسمة في عام 2010، وحوالي 44 مليون نسمة في عام 2030. ويمتاز سكان العراق بالخصائص التالية:

1.     ارتفاع معدل النمو السكاني، ارتفاع معدل الخصوبة الإجمالي إذ يزيد عن خمس ولادات لكل امرأة إذ يبلغ هذا المعدل 5.25  في المائة. ويتوقع أن تستمر معدلات الخصوبة مرتفعة لجيلين مقبلين على الأقل.

2.     من المتوقع أن يكون ثلث سكان العراق من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة خلال السنوات حتى عام 2025([4]). ويحتمل أن يؤدي هذا الهيكل العمري ذو الأغلبية الشبابية إلى ضمان بقاء العدد المطلق للمواليد عند مستوى مرتفع حتى إذا انخفض معدل الخصوبة الكلي. كما أنه يعني أيضا فرض ضغوط كبيرة على سوق العمل، مثلما يفرض ضغوطا على الدولة التي سيتوجب عليها تخصيص المزيد من مواردها لتقديم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية بشكل مباشر أو غير مباشر لقطاع واسع ومتنام من المجتمع. لذا فان التحدي المباشر للدولة سيكون في توفير التعليم، والمفارقة إن التعليم هو من يمكن من الحد من النمو السكاني ويحفز التنمية، ومن خلاله يدرك الشباب العراقي مسؤولياته داخل الدولة والمجتمع. لكن توفير متطلبات التعليم في ظل النمو السكاني الكبير وارتفاع نسبة السكان فيه قد يحبط أكثر محاولات الدولة تصميما على إنجازه. فضلا عما يفرضه على عموم المجتمع نتيجة زيادة معدل الإعالة Dependency Ratio أي نسبة غير العاملين إلى العاملين من مجموع السكان والذي يتوقع أن يظل مرتفعا في المستقبل.

3.     ارتفاع معدل المشاركة الخام (أي نسبة السكان النشطين اقتصاديا لجملة عدد السكان) مقارنة بالمستويات العالمية، يتركز معظمهم في المدن ويتخصصون في مجالات مهنية محدودة (اختصاصيون، تشريعيون، موظفون، عاملون في البيع، عاملون في الخدمات، عاملون في الإنتاج). وهو أمر يرجع إلى ظروف الحصار الاقتصادي التي دفعت جميع الأفراد إلى السعي والكسب وان كان في أعمال ذات إنتاجية متدنية وذات طابع طفيلي، واستمرار الانخفاض في نصيب الصناعات التحويلية من العمالة.

4.     اتساع نطاق التحضر: تشير الإحصاءات المتاحة إلى إن نسبة سكان الحضر إلى مجموع السكان قد قفزت من حدود 35 في المائة عام 1950 إلى أكثر من 70 في المائة في الوقت الحاضر. (انظر الشكل رقم (1)). إن اتساع حركة التحضر أمر لا يرجع فقط إلى الزيادة السكانية في الريف التي تقف سببا ضمن جملة أسباب لعل أبرزها ضعف اهتمام الدولة بالريف؛ ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، واقتصار النشاط الاقتصادي في الريف على الزراعة، فضلا عن تزايد رغبة أبناء الريف في جني مكاسب الاستقلال والتمتع بمباهج الحياة التي توفرها المدينة. لقد رافق قيام الكيان العراقي المعاصر نمو كبير في سكان المدن وتمكنت المدن العراقية الكبرى من استقطاب معظم الهجرات القادمة من المناطق الريفية، في الشمال والغرب والجنوب. فمنذ الأربعينات وحتى أواسط السبعينات شكلت المراكز الحضرية مناطق جذب للهجرات الداخلية. ويبدو أن بغداد تستقطب معظم السكان القادمين من المناطق الريفية حيث ان سكانها يقدرون بحوالي 6 ملايين و475 ألفا بينما كانوا اقل من 4.5 مليون عام 1995، وحوالي نصف هذا العدد عام 1975. وهو ما يعني ان بغداد وحدها تشكل أكثر من 23 في المائة من سكان العراق وفقا لأحدث التقديرات وتتجاوز ذلك بالنسبة لحصتها مقارنة بعدد السكان الإجمالي للمراكز الحضرية الكبرى التي أصبحت تضم نسبة كبيرة من السكان قد تتجاوز نصف سكان البلد. وبحلول عام 2015 ستضم المدن العراقية حوالي 80 في المائة من السكان، بينما قد تصل نسبة سكان الحضر إلى 85 في المائة بحلول عام 2030.

 

الشكل رقم (1)

نسبة التحضر في العراق والوطن العربي (1950-2000)

المصدر : جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، [وآخرون]،التقرير الاقتصادي العربي الموحد لأعوام مختلفة

 

5.     مستويات الفقر: أثرت الظروف الاقتصادية المتردية خلال حقبة الحصار الاقتصادي على نحو واضح في نسيج المجتمع العراقي، والعامل المهم الذي يحدد شكل السلوك الاجتماعي هو الفقر المدقع لمن يعيشون على دخل من القطاع العام الذين يشكلون حوالي 40 في المائة من السكان الذين حاولوا خلال الحقبة المذكورة اعتماد بديل أو أكثر من: استمرار الاعتماد على المواد الغذائية التي توفرها البطاقة التموينية؛ بيع الأثاث المنزلي؛ الحصول على إعانات من أقارب يسكنون في الخارج؛ إيجاد عمل إضافي للأسرة وليس فقط للمعيل فيها؛ قبول الرشى. وتقدر دائرة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة أن أكثر من أربعة ملايين عراقي قد أجبروا على الدخول في حالة فقر قصوى([5]). وفي هذ1ا الصدد يؤشر كاتب خليجي(( إن الحالة العراقية... وبخاصة في إطار الحصار... على نسيج المجتمع والإنسان في العراق ومكوناته الأساسية وحاجاته في سياق الأبعاد الثقافية والعلمية والاقتصادية المحاصرة، قد حولت المجتمع العراقي في سابقة قل نظيرها في التاريخ... إلى إشغال اجتماعي تم إفقاره وتفريغه وإعادة صياغته عنوة وبقسوة بالغة.))([6]) وطبقا لتقديرات منظمة العفو الدولية فان ما بين مليون وخمسة ملايين عراقي سيحتاجون إلى المساعدة في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة. وإذا كان الوقت اللازم لتقديم المساعدة يتراوحون بين سنة وأربع سنوات، عندئذ ستتراوح التكلفة الإجمالية للمعونات الإنسانية وحدها بين مليار و 10 مليارات دولار([7]).

 

6.     أما من حيث نوعية السكان، فان ظروف الحرب والحصار وانخراط معظم السكان في الخدمة العسكرية والانشغال بالظروف القاسية التي سببها الحصار جعلت القوة العاملة تتدهور نوعيا لتعاني من أمية متعددة الوجوه، جعلتهم خارج قوة العمل التي يحتاجها الاقتصاد لتطوره الآني والمستقبلي. ففي الوقت الذي استنزف فيه الاقتصاد المعسكر إبان الحرب العراقية الإيرانية الزيادة الطبيعية في عدد العاملين في الاقتصاد المدني، الأمر الذي تجلى في تغيير هيكل التشغيل في قطاعي الزراعة والصناعة بسبب زيادة أعداد القوات المسلحة أو المشتغلين المدنيين الساندين للحرب، أوجدت أوضاع ما بعد الحرب وضعا متناقضا نتج عن ارتفاع معدلات البطالة يرافقها قصور كبير في المهارات والتخصصات. وقد تفاقمت المشكلة مع تزايد الحاجة إلى تأهيل قوة العمل والانتقال إلى الاقتصاد المدني وبخاصة بعد حل وزارة التصنيع العسكري وتخفيض عدد القوات المسلحة. وفي ظل الحصار تعززت المشكلة لتصل في الوقت الحاضر إلى ذروتها فالأدوات والخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة بسبب طبيعة سوق العمل والمستوى المتدنى من المهارات والتأهيل والتعليم. لذا ينبغي على الدولة تخصيص حصة اكبر من الإنفاق على التدريب والتأهيل فضلا عن الاحتياجات الأساسية التي يتطلبها القادمون الجدد للسوق من حيث التعليم للمستويين الأول والثاني، ومع احتياج هذا الاقتصاد لتعديل التعليم الجامعي، تلبية لاحتياجات سوق العمل وهي أمور تفرض على صانعي القرار تحديات حقيقية عبر توفير الفرص والموارد والكوادر الأزمة لإنجاز هذه العمليات.

 

7.      بسبب الحروب والحصار الاقتصادي تدهور الوضع الصحي للإنسان العراقي بعدما تدهور مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان. فقد تراجع معدل طول الحياة إلى 59 سنة للرجال و 63 سنة للنساء، وازداد معدل الوفيات بين الأطفال تحت سن الخامسة إلى 133 لكل ألف ولادة حية، كما ان هناك طفلا من بين خمسة أطفال يعاني سوء التغذية، في حين يولد ربع المواليد الجدد بوزن تحت الوزن الطبيعي، وتموت 294 أم لكل 100 ألف ولادة([8]). في حين قدرت الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يعانون من تبعات الاضطرابات النفسية والعقلية بأكثر من نصف مليون شخص عام 1998 بعد أن كان حوالي مائتي ألف مطلع التسعينات([9]). كما أن أطفال العراق هم (( الأكثر معاناة بين أطفال الحروب))([10]) فغالبيتهم سيعانون من مشكلات نفسية شديدة في حياتهم([11]). ويبدو أن الزمن لن يرحمهم فالحرب الأخيرة وما تبعها من نتائج وأحداث تبدو ذات أضرار وأخطار أكبر على هذه الفئة الحساسة من السكان. كما اضطرت النساء العراقيات اللاتي فقدن الأزواج أو الأبناء أو الأشقاء في الحروب إلى تحمل عبء ثقيل. إن أكثر من 10 في المائة من العراقيات أرامل، وغالبا هن الوحيدات اللاتي يحصلن على أجر في العائلة. لقد فاقمت العقوبات من حالة الضعف الاقتصادي للنساء وزاد من المشكلات الصحية والنفسية التي تعاني منها([12]).

 وطبقا لمنظمة ميداكت MEDACT الطبية العالمية المستقلة فان الصحة العامة للشعب العراقي تدهورت بشكل مرعب منذ حرب الخليج الثانية عام 1991. فقد خلفت العقوبات والحروب دمارا عم تركيبة البلد البنيوية، وتفككت التركيبة الاجتماعية أيضا بسبب القمع والاضطهاد، والفقر والعنف، والبطالة، وطبيعة العلاقات العائلية، وهي عوامل أثرت في الصحة العامة للمجتمع وفي تطور الفرد العراقي. كما أضرت هذه الحرب بالشعب العراقي الذي كان وما يزال هشا بقدراته لبناء مجتمع جديد، ناهيك عن تحمل صدمة حرب جديدة. وتؤكد المنظمة في تقرير حديث لها بأن الحرب قد أدت إلى مقتل وإصابة الألوف من العراقيين المدنيين والعسكريين، وسببت تدهور الصحة العامة إلى الأسوأ، كما ساعدت على انتشار الأمراض واختلال التوازن البيئي. وفي ظل زيادة العنف وعدم الاستقرار، فان المخاطر تزداد خصوصا على الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى. وبقطع النظر عن التأثيرات المباشرة، أدت الحرب إلى تحطيم شبكات المياه والمجاري والكهرباء والإسكان، واستمرار دمارها. وسببت شحة المواد الغذائية استمرار معاناة الشعب على المديين القريب والمتوسط. وهناك مخاوف من زيادة البطالة وتأثيراتها في انتشار الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي([13]).

8.     ضخامة النزف البشري: يقدم الاسترالي غيدون بوليا تقديرا مرعبا للوفيات والقتلى العراقيين بما يزيد عن ستة ملايين ضحية منها 5.2 مليون حتى عام 1950 و1.5 مليون للمدة من 1991 إلى عام 2004([14]).

في حين يقدر الباحث إجمالي الخسائر البشرية في صفوف العراقيين منذ بداية العمليات العسكرية في مارس /آذار 2003 وحتى إعداد هذه الدراسة بأكثر من مائة ألف شخص.

 

الموارد الطبيعية: يمتلك العراق امكانات زراعية يعكسها توافر مساحات شاسعة من الأرض الزراعية. ذلك ان مجموع الأراضي القابلة للاستغلال يزيد عن 48 مليون دونم، لم يستغل منها سوى 12.3 مليون. لكن ورغم هذه الامكانيات الهائلة نجد ان مساهمة الزراعة متواضعة جدا في الناتج المحلي الإجمالي رغم إنها تشكل خُمس العمالة، وتشمل 7 ملايين في المناطق الريفية. وخلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة انخفض الإنتاج الزراعي بمعدل 1.1 في المائة سنويا وانخفضت نسبة مساهمة الفرد من الإنتاج بحوالي 3.9 في المائة سنويا([15]). كما انخفضت غلة الدونم من محاصيل الحبوب انخفاضا كبيرا، وازدادت الآفات التي تصيب أشجار الحمضيات والنخيل والطماطم وفقدت حوالي 120 ألف شجرة نخيل وعشرات الآلاف من أشجار الأوكالبتوس. وقد أدت الحروب والعقوبات أيضا إلى تناقص الثروة الحيوانية، فقد أدى الحظر إلى زيادة في شحة العلف الحيواني وأصبح لا بد من ذبح الأغنام بمعدل يزيد مرة ونصف على المستويات التي كانت سائدة في السنوات السابقة([16]). على أن أوضاع الزراعة استمرت في التفاقم منذ سقوط النظام وتحرير أسعار الأسمدة والمبيدات وانفتاح السوق المحلية وغزوها بالمنتجات الزراعية من إيران وسوريا وتركيا.

 

من جهة أخرى، يقدر معدل نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة المتاحة في العراق بنحو 2932 متر مكعب في السنة، ويعتبر معدلا جيدا بالنسبة للأقطار العربية وان كان أقل من المتوسط العالمي الذي يبلغ 7000 متر مكعب في السنة. لكن الوضع المائي يمكن أن يتأزم مع بقاء ظروف مصادر المياه وتقانات استثماراتها كما هي عليه مع تزايد الطلب على المياه في ضوء المعدلات العالية للنمو السكاني. ومن المتوقع نتيجة لذلك أن يتناقص نصيب الفرد إلى حوالي 2000 متر مكعب في السنة عام 2025. وتتسم الموارد المائية المتاحة في العراق بظاهرة لها دلالات استراتيجية غاية في الأهمية للأمن المائي وهي معظم هذه الموارد ينبع من الخارج. فكما هو معلوم ينبع نهري دجلة والفرات من الأراضي التركية وتقاسمهما دول ثلاث هي تركيا والعراق (دجلة) وتركيا والعراق وسوريا (الفرات). وقد شرعت الحكومة التركية ببناء شبكة من السدودقللت وغيرت من الحصص المائية للعراق وسوريا. إن إنجاز مشروع غاب GAP التركي سيؤدي إلى خفض إمدادات نهر الفرات إلى العراق بنسبة تتراوح بين 75–90 في المائة طبقا لمصادر مختلفة. فضلا عن المشاكل البيئية البالغة الخطورة التي سيسببها المشروع من جراء ما سينتج عن السدود ومشاريع الري من حبس لجزء كبير من الطمي الذي تحمله المياه وازدياد في نسبة ملوحتها وتلوثها بالأسمدة الكيمياوية والمبيدات. ومن الجدير بالذكر إن جهودا بذلت لإدخال النظم المحسنة في الري. كالري بالتنقيط والري بالرش. مع ذلك نجد أن الري السطحي التقليدي لا يزال هو النظام السائد إذ يستخدم في معظم المساحات المروية.

الشكل رقم(2)

 نصيب الفرد من المياه المتجددة في العراق

الشكل رقم (3)

 نسبة استخدامات المياه في العراق

 

لقد أدت الحروب والعقوبات إلى تحويل جزء كبير من العراق إلى بيئة ملوثة ونشيطة إشعاعيا، وتناثرت في الصحراء العراقية وفي مواقع مدنية كثيرة أسلحة محطمة وألغام وذخيرة ومواد كيمياوية وإشعاعية ساهمت في زيادة تلويث البيئة والتهديد بزيادة المخاطر الصحية للسكان. ومن بين مخاطر الحرب الواسعة التدهور الحاصل في البيئة، فقد أدى انقطاع التيار الكهربائي وقلته إلى توقف عمل مصافي المياه ومجاري التصريف، وهذا أدى بدوره إلى انتشار الأمراض والأوبئة المزمنة والمعدية وتلوث البيئة. وأدى توقف مصافي الملوحة في مشاريع الري إلى زيادة الملوحة وقلة الإنتاج الزراعي، هذا بالإضافة إلى قلة مياه الشرب الصالحة. وسبب دخان نيران حقول النفط، وإحراق النفط في الخنادق أثناء الحرب إلى تلوث الجو والتربة. وزاد القصف بالأسلحة الثقيلة، وحركة قوات كبيرة مستخدمة معدات وناقلات ضخمة من التدهور الحاصل في تركيبة البيئة الايكولوجية والأراضي الزراعية. أما اليورانيوم المنضب، المستخدم في الأسلحة، فمعروف عن تلويثه للبيئة. وأدت الفوضى وسرقة ممتلكات الدولة، أثناء وبعد الحرب مباشرة، إلى انتشار المواد المشعة الملوثة ووقوعها في أياد لا تعرف مدى خطورة هذه المواد([17]).

ومن بين الموارد الطبيعية يكتسب النفط أهميته من طبيعته كسلعة حيوية أثرت وتؤثر في صياغة المشهد الاقتصادي العراقي إذ يعتبر النفط مصدرا مهما من مصادر العائدات النقدية والمالية وتمارس مدفوعاته تأثيرا بالغ الأهمية على الأوضاع الاقتصادية في العراق. لهذا فان النفط سيكون لاعبا مهما لأهم الأدوار في المشهد المستقبلي إذ تشير البيانات والدراسات المتاحة إلى إن النفط سيبقى إلى اجل غير قصير من القرن الحالي مؤثرا حقيقيا في توجيه دفة المستقبل العراقي. إذاً، فليس من مبالغة القول، إن النفط هو أكثر العوامل الاقتصادية تأثيرا في مستقبل المجتمع والاقتصاد والدولة.

يعتمد الاقتصاد العراقي اعتمادا شديدا على النفط. (انظر الشكل التالي) وخلال النصف الأول من العقد التسعيني غيرت العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن الدولي من صورة هذا الاعتماد حتى بات أكثر اعتمادا على فقدان هذا المورد وهي الصورة التي لم تترجم بتحول ايجابي في هيكل الإنتاج( أنظر الجدول رقم (1)). لكن النفط عاد في ظل اتفاق النفط مقابل الغذاء مرة أخرى ليحتل مكانته الأولى ففي عام 2001 وصلت قيمة الصادرات العراقية من النفط الخام إلى حوالي 15.14 مليار دولار من اصل صادرات إجمالية وصلت قيمتها إلى 15.94 مليار دولار. في ظل التراجع الحاد في قدرة الصناعات الأخرى على تحقيق عائدات من الصادرات([18]).

 

 

 

 

 

الجدول رقم (1)

هيكل الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية

(حسب نوع النشاط الاقتصادي)

الفقرة

1990

2000

مليون دولار

نسبة مئوية

مليون دولار

نسبة مئوية

الزراعة والصيد والغابات

14.839

19.8

26.848

32.1

التعدين والصناعات الاستخراجية

10.713

14.3

5.470

6.5

الصناعات التحويلية

6.22

8.8

6.287

7.5

الكهرباء والماء والغاز

0.796

1.1

0.250

0.3

التشييد

5.446

7.3

2.838

3.4

إجمالي القطاعات السلعية

38.415

51.3

41.692

49.9

إجمالي القطاعات التوزيعية

23.504

31.4

34.298

41.1

إجمالي القطاعات الخدمية

16.558

22.1

16.208

19.4

الناتج المحلي الإجمالي

74.933

100

83.544

100

المصدر/ سمير صارم، إنه النفط يا (...) الأبعاد النفطية للحرب على العراق، دار الفكر، دمشق، 2003، الجدول رقم (15)، ص 225

 

الشكل رقم (4)

الإيرادات النفطية 1950-2000 ( مليار دولار )

الشكل من أعداد الباحث باستناد إلى مصادر متفرقة

 

يمتلك العراق احتياطيات نفطية هائلة تجعله يأتي في المرتبة الثانية من حيث الاحتياطيات بعد السعودية من بين البلدان التي تمتلك أكبر احتياطي مثبت. وطبقا لتقديرات حديثة فان حجم الاحتياطي العراقي من النفط الخام يصل إلى 112 مليار برميل، أي ما يعادل 11 في المائة من إجمالي الاحتياطي العالمي([19]). كما يتمتع العراق بطاقات نفطية هائلة. فمن أصل حقوله النفطية الأربعة والسبعين المكتشفة والمقيمة، لم يستغل منها سوى 15 حقلا. وقد تراوح إنتاج جميع هذه الحقول خلال السنتين 2001 و2002 حول 2.5 مليون برميل يوميا في ظل طاقة إنتاجية لم تتعد، حسب غالبية التقديرات 2.8 مليون برميل يوميا مقارنة مع مستواه الذي بلغ 3.5 مليون برميل يوميا قبل الحرب العراقية الإيرانية. وطبقا لما يراه الخبراء فان كلا من حقول النفط بات يحتاج إلى فحص وتقييم لرسم خطط تطوير وبرامج حفر جديدة. كما تحتاج منشآت ومعدات الحقول إلى تبديل وصيانة واسعة وخصوصا في ما يتعلق بمعاملة الخام والغاز المرافق له وأنظمة الضخ([20]). وجدير بالذكر أن العديد من الشركات المشترية للنفط العراقي تحدثت في الآونة الأخيرة عن انخفاض نوعية خام كركوك. كما أن دراسة صادرة عن الأمم المتحدة قبل سنوات قد رسمت صورة قاتمة عن الأوضاع في جميع آبار النفط العراقية والتدهور الذي أصاب مخزوناتها وتخلف التقانة (التكنولوجيا) المستخدمة فيها([21]).

وفي العراق الآن 12 مصفاة بطاقة تكرير تبلغ 550 ألف برميل يوميا([22])، أكبرها في البصرة وبيجي. ومع أن منشآت أنابيب نقل النفط والتصدير لا تزال عاملة إلا أنها تعاني مخاطر تهدد السلامة وانكشافها للحوادث والكوارث بسبب غياب الحماية من التآكل لمدة طويلة، في حين تحتاج منشآت الضخ والتخزين في الجنوب إلى عناية خاصة([23]). لكن ما يزال العراق يعاني من أزمة في توفير مواد الوقود المختلفة. لكن الدولة لا تحصل على أية إيرادات منها وتتحمل موازنتها أعباء ثقيلة نتيجة دعمها لمصافي النفط وشركات تجهيز المنتجات النفطية واستيراد كميات كبيرة من هذه المنتجات. وهي أمور تفرض قضية إعادة النظر في أسعار المنتجات النفطية فضلا عن الشروع بتطوير التصفية وتوسيع المصافي القائمة أو إقامة مصفى جديد وهو ما يعني استثمارا بحوالي 4 مليارات دولار([24]).

إن ضمان بقاء القطاع النفطي حتى بمستويات الإنتاج الحالية، فضلا عن زيادتها أو مضاعفتها في السنوات القادمة، بحاجة ماسة إلى عملية واسعة من التحديث وإدخال التقانة الجديدة والأنظمة الأكثر كفاءة في إدارة الإنتاج والاحتياطي النفطي. لقد ألحق سوء الإدارة وتخلف طرق الإنتاج التي لا تلتزم بالأساليب الجديدة المعمول بها في الصناعة النفطية واعتماد أساليب عالية المجازفة لغرض زيادة الإنتاج لتأمين الإيرادات المالية المطلوبة عند انخفاض الأسعار كل ذلك ألحق أضرارا خطيرة بالمنشآت النفطية وبالاحتياطي الخام على مدى السنوات الماضية.

        لا تقتصر الموارد الطبيعية المتوافرة في العراق على الأراضي الصالحة للزراعة والمياه والنفط فإلى جانبها توجد موارد طبيعية أخرى يحتمل أن تكون لها أهميتها في المستقبل. لعل في مقدمتها الغاز الطبيعي الذي تفوق معدلات نمو احتياطياته مثيلاتها الخاصة باستهلاكه. ويتوافر العراق على احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي يمكن أن تستغل الآن وفي المستقبل. لكن الاستثمارات في صناعة الغاز ما تزال تعاني من القصور الشديد.

إن الاعتقاد بأن الثروة النفطية العراقية ستكفي على المدى القريب لتغطية احتياجات المجتمع والاقتصاد في مرحلة ما بعد صدام، لأن الحقول النفطية المستغلة ستحتاج إلى مبالغ كبيرة من الاستثمارات والإصلاحات قبل أن تستطيع استئناف الإنتاج الكامل. وربما يحتاج العراق إلى ما يقرب من ثلاث سنوات للعودة إلى مستوى الإنتاج السابق للعام 1990 وستتطلب هذه العملية تكاليف إضافية قد تتجاوز الخمسة مليارات دولار، إضافة إلى ما يقرب ثلاثة مليارات دولار لتغطية نفقات التشغيل السنوية([25]). وتأسيسا على ذلك فانه لا بد من وضع سياسة نفطية وطنية يمكن من خلالها حشد الجهود والموارد.

شكل رقم (5)

احتياطيات النفط المثبتة بالسنوات استنادا إلى الإنتاج الجاري

(مليون برميل يوميا)

شكل رقم (6)

مصادر النفط غير المكتشفة في الأقطار العربية

(مليار برميل)

الشكل من إعداد الباحث بالاستناد إلى البيانات الواردة في

 PB. Annual Statistical Review, 1994

الشكل من إعداد الباحث بالاستناد إلى البيانات الواردة في:سمير صارم، المصدر السابق،الجدول رقم(5)،ص 41-42

 

ثالثا: الدولة: حجمها ونوعية السياسات البديلة

(أ‌)     حجم الدولة ومدى تدخلها

طرحت الدولة في العراق نفسها ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة (عام 1921) كبديل عن النشاط الخاص، وحتى عندما كان النشاط الخاص في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات يزداد فان النشاط الحكومي كان هو الآخر ينمو بوتيرة متصلة وبقفزات لا تخطئ العين ارتباطها بوفرة العوائد النفطية وبخاصة بعد عام 1973. وإذا ما وصلنا إلى عقد الثمانينات، وهو عقد الحرب العراقية– الإيرانية التي تميزت بفتح المجالات أمام القطاع الخاص نجد  الدولة قد (( بقيت محتفظة بالثقل نفسه ))([26]) . بقي واضحا إن حرب الخليج الثانية عام 1991 قد أنتجت وضعا استثنائيا ففي سنوات الحصار أعادت الدولة اكتشاف أهمية السوق، لا بما يمتاز به وإنما بما يتيحه لها من مزايا، وبوصفه أهم التكتيكات التي توجب الركون إليها وقت الحصار. فوجدت داخل العراق أسواق متعددة كان أكبرها ذلك القائم على مبدأ (( دعه يعمل بلا رابط أو ضابط )) والذي تنضوي تحته نشاطات عديدة بيضاء وسوداء، مشروعة وغير مشروعة. فتراجعت الدولة فجأة عن التدخل لكنها كانت بين الحين والآخر تنتهج سياسات تحكمية فتعطل هذا السوق أو بعض قطاعاته لتعود فتنسحب مرة أخرى. لكن الدولة وبفعل اتفاق النفط مقابل الغذاء تحولت إلى منافس شديد لهذه السوق من خلال اعتمادها سياسات كانت قائمة على الانتفاع من هذا البرنامج لزيادة رصيدها من العملات الأجنبية وبخاصة الدولار الذي كان يجمع من قبل سماسرة حكوميين وغير حكوميين وبأموال كانت تأتي من مصدرين: الأول، الإصدار النقدي الجديد، والثاني، هو بيع السلع المشتراة من خلال المذكرة إلى الأفراد بعملات محلية أو أجنبية تبعا لنوع السلعة وشخصية المشتري وهو أمر يمكن أن يفسر:

                     v         استمرار اعتماد الدولة لسياسة الإصدار النقدي الجديد رغم تحسن وضعها المالي بعد إبرام الاتفاق.

                     v         وجود مبالغ وبعملات أجنبية في خزانة البنك المركزي العراقي وبيوت بعض كبار المسؤولين.

       v   استمرار تدهور قيمة العملة المحلية الناتج من الناحية الاقتصادية عن زيادة عرض العملة المحلية رغم تحسنها قبل التوصل إلى إبرام الاتفاق لكنها عادت للتدهور من جديد.

                     v         ارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة من قبل القطاع الخاص.

 

لقد كانت الدولة أكبر سارق خلال حقبة الحصار لأنها كانت تتبنى قاعدة مالية متطرفة تقوم على إن تكون النفقات العامة عند المستوى الأدنى وتقوّم بالعملة المحلية. أما الإيرادات فإنها تكون عند المستوى الأعلى وتقوم بالعملة الأجنبية. فلم تكن هناك موازنة متوازنة أو مفهوم عادي للفائض وإنما كان هناك فائض يعادل أضعاف قيمة إجمالي النفقات. وهو أمر فرض على الاقتصاد قيودا تدفع به إلى الركود رغم إن التضخم يدفع به إلى غير ذلك وهي الصورة التي تغلبت على تصرف الدولة الاقتصادي أثناء حقبة المذكرة. لقد لجأت الحكومة إلى سياسة ضغط الأجور الحقيقية والحفاظ على النمو في الرواتب الاسمية بمعدل يقل كثيرا عن معدل التضخم وذلك من أجل الحفاظ على نفقات عامة منخفضة رغم التزام الدولة بتشغيل الأعداد المتزايدة من القوة العاملة، ولهذا استطاعت الدولة مواجهة الزيادات في التوظيف والأجور الاسمية، وحيث أن رواتب الموظفين قد انخفضت من حيث قيمتها الحقيقية الأمر الذي نتج عنه تدني نوعية العمل الحكومي وانسحاب الموظفين المتخصصين والمهرة من العمل الحكومي ولجوئهم إلى السفر إلى الخارج أو العمل في القطاع الخاص حتى في غير اختصاصاتهم، وهو ما أفرز ظاهرة عدم قدرة البنى العامة للتوظيف على مكافأة العاملين فيها. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصلة بين النمو في الناتج وتدني مستويات الإنتاجية لم يوقفه إلا اعتماد الحكومة سياسة جديدة تضمنت تقديم حوافز ونسب من الأرباح للعاملين في المؤسسات الإنتاجية العامة. وهو أمر عمق من حالة عدم التوازن والاختلال بين الطبقتين الوسطى والعاملة، ففي الوقت الذي يحصل الأستاذ الجامعي على راتب يفترض أن يكون الأعلى يحصل عامل غير ماهر في وزارة الصناعة على حوافز تعادل ضعف أو ضعفي ذاك الراتب بعدما تغيرت سياسة بيع السلع التي ينتجها القطاع العام لتحاكي أسعار السوق.

 

لكن الحال تغيرت بعد التاسع من نيسان 2003 إذ سمحت سلطات التحالف للسوق بالحلول محل الدولة التي قوضها الاحتلال وأصبح العراق يعيش حالة نادرة تستحق التأمل والدراسة فقد فتحت الحدود على مصراعيها وأخذت السلع تتدفق بدون أية رقابة من أية جهة واستوردت آلاف السلع. وحتى مع تشكل الدولة وتشكيل مؤسساتها فان الأوضاع السابقة لم تتغير فما تزال الدولة ابعد عن ممارسة دورها المناسب للمرحلة، ومع تأسيس الحكم الوطني فان على الدولة الوطنية أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد وان تتولى مهام التحضير للاعمار وإعادة البناء وتحقيق النهوض الاقتصادي وهو ما يستلزم العمل الجاد والواعي لهذا العمل، وينبغي لها أن تأخذ بالتخطيط الاقتصادي والعمل وفق خطة تصاغ وفق امكانات العراق واحتياجاته.

         

(ب‌)            السياسات البديلة ونوعية الفلسفة الاقتصادية: تتصارع في العراق رؤيتان تدعو الأولى إلى اعتماد الليبرالية الاقتصادية والشروع ببرنامج واسع للخصخصة يشمل المشروعات الـ 129 المملوكة للدولة والقبول بالاستثمار الأجنبي والواردات الأجنبية. فهناك من يرى انه ينبغي على إدارة بوش أن(( تمد الحكومة العراقية المقبلة بالقيادة والتوجيه للقيام بإصلاح اقتصادي عميق. وينبغي أن يشمل الإصلاح خصخصة واسعة شفافة منتظمة لمؤسسات تملكها الدولة، لا سيما إعادة هيكلة قطاع النفط وخصخصته. فمن شأن هذه الخطوات توسيع قدرة العراق على اجتذاب المزيد من رأس المال الأجنبي الذي يحتاجه. وستدعو الحاجة إلى المساندة الأمريكية لحث المنظمات الدولية على تقديم الخبرة والتقنية لهذه العملية. ومن هذه المنظمات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وربما منظمات غير حكومية مثلا المؤسسة الوطنية لدعم الديمقراطية والمركز العالمي للقطاع الخاص ورابطة المحامين واتحاد النقابات في أمريكا.))([27]) أما الرؤية الثانية فهي التي تحذر من هذه السياسات وتؤكد على أهمية الابقاء على القطاع العام للحفاظ على العمالة والاستقرار الاجتماعي. وبعيدا عن الجدال النظري والحجج التي يقدمها أي من الفريقين فان اختيار سياسات ذات تأثيرات عميقة في تشكيل مستقبل العراق يجب أن لا يتم في ظل ظروف استثنائية ومن قبل جهات أو سلطات تفتقر للشرعية ودعم الشعب. لذا ينبغي انتظار تشكيل الحكومة الوطنية، وحتى ذلك الحين ينبغي الالتزام بالقانون الدولي الذي لا يسمح بفرض إصلاحات اقتصادية هيكلية رئيسة. أما القطاع النفطي فان خصوصيته واحتياج الشعب العراقي لموارده التي ينبغي لها أن توزع بعدالة لا تبيح أن يكون مسرحا للسياسات الخصخصة([28]).

ومهما يكن من أمر فان بعض الاقتصاديين يؤكد على إن الأوضاع المستقبلية للاقتصاد العراقي تتطلب وجود قوة من خارج (( السوق )) تضبط سيرها لتفعيل نموذج التنمية الاقتصادية في ظل الأوضاع الاقتصادية العراقية المتحولة. ويتحدد هذا الدور (( بالدولة )) في صورته المتغيرة وفقا للفهم الاقتصادي وبعيدا عن التطرف الأيديولوجي، كما أن هذا الدور لا يعد ضرورة أبدية بقدر ما هو ذو طبيعة مرحلية تتحدد أبعادها وفقا لتنمية الاقتصاد وتطوره باتجاه الرفاهية الاقتصادية من جانب، فضلا عن أن هذا الدور يعد دالة بندرة الموارد في المجتمع الاقتصادي من جانب آخر، ويستأثر النشاط الاقتصادي للدولة بسلع (( الحاجات الأساسية )) و (( التنمية البشرية )) وهي السلع التي تحسن مستوى الرفاهية المذكورة([29]).

 

 

رابعا: التعويضات والديون سياسة الاعمار:

طـبقا لقرار مجلس الأمن المرقم 687 في 3 نيسـان/ ابريل 1991 يتحمل العراق المسؤولية (( عن أية خسائر مباشرة أو أضرار، بما في ذلك الأضرار البيئية ونضوب المصادر الطبيعية وعن الأخطار التي لحقت بالحكومات الأجنبية، أفرادا أو كائنات اعتبارية، كنتيجة لغزو العراق غير القانوني واحتلاله للكويت ))([30]) ومنذ ذلك الحين تسلمت لجنة التعويضات حوالي 2.6 مليون طلب للحصول على تعويضات تتجاوز في مجملها 300 مليار دولار. رفعت الطلبات من قبل نحو مائة حكومة نيابة عن مواطنيها أو مؤسساتها الخاصة والعامة، إضافة إلى ثلاثة عشر مكتبا تابعا للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين نيابة عن أفراد لم يكونوا في موقع يسمح لهم بتقديم طلباتهم بواسطة حكوماتهم([31]). بإضافة المطالبات السابقة إلى إجمالي الدين التجاري والدين الأجنبي الرسمي الذي يتراوح ما بين 62 و 130 مليار دولار، فان القيمة الإجمالية تتراوح ما بين 327 و 395 مليار دولار. عليه فان نسبة دين العراق إلى صادراته تضعه في فئة الدول الأكثر أعباء بمعايير البنك الدولي، بحيث تتخطى بمراحل نسبة خدمة الدين البالغة 1:3 التي تعتبر غير قابلة للاستمرار وتضع الدول قسرا في فئة الدول الفقيرة المثقلة بالديون.

 

ينص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 على أن العائدات النفطية (فضلا عن المال الذي تحتفظ به الأمم المتحدة في برنامج النفط مقابل الغذاء) يجب أن يودع في صندوق للتنمية، وأنه يجب استخدام هذا الصندوق لتسديد تكاليف إعادة البناء. ويهدف القرار إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب العراقي وإعادة بناء الاقتصاد وإصلاح البنية الأساسية العراقية، واستمرار نزع سلاح العراق وتسديد نفقات الإدارة المدنية العراقية ولأغراض أخرى يستفيد منها الشعب العراقي. وسيشرف على الصندوق مجلس دولي استشاري ورقابي سيضم ممثلين عن مؤسسات مالية دولية والأمم المتحدة([32]). ويخضع الإنفاق من صندوق التنمية لسيطرة الولايات المتحدة وبريطانيا. لمكنه يفتقر إلى ضمانات لسير عمله بشفافية، إذ لا يوجد في القرار (( نص يجيز إنشاء آلية للشكاوي أو إجراء من هذا النوع حتى يستطيع العراقيون الطعن في مشروعية مشاريع معينة أو كيفية إرساء العقود.))([33])

يقدر البنك الدولي احتياجات العراق بمبلغ يصل إلى 55 مليار دولار خلال أربع سنوات لإعادة الخدمات العامة، وبضمنها 1.6 مليار دولار للقطاع الصحي و 6.8 مليار دولار للمياه والمجاري و12 مليار دولار للكهرباء([34]). واستنادا إلى تقديرات كلفة إعادة البناء في أعقاب حرب الخليج الثانية فان كلفة إعادة البناء ستتراوح بين 50-100 مليار دولار. شريطة القيام بإصلاحات بنيوية للاقتصاد العراقي([35]). وسيكون احتياطي النفط الهائل غير قادر على توفير المال اللازم لإعادة البناء وإنعاش النمو الاقتصادي. إذ سيحتاج العراق إلى دعم مالي ملموس من المجتمع الدولي (أنظر الجدول رقم (6)). ولكي يحصل العراق على متوسط لحصة الفرد من إجمالي الناتج المحلي يساوى ذلك الذي تحققه مصر أو إيران، وإذا كان نصف المخزون الرأسمالي يحتاج إلى إعادة بناء، فهذا يعني ضمنا احتياجات إعمارية تبلغ 800 دولار أمريكي للفرد الواحد([36])، أو ما مجموعه 21.5 مليار دولار.

   وبقطع النظر عن الديون والمطالبات بالتعويض فضلا عن الحاجات المالية للاعمار فان مهام إعادة العراق إلى المستوى الذي كان سائدا ما قبل الحرب العراقية الإيرانية أو حتى لما قبل استيلاء البعث على السلطة عام 1968، تبدو مهمة تتجاوز حدود الموارد المتاحة للبلد. فأي محاولة لاستشراف مستقبل سياسات الاعمار ينبغي له أن يضع في الحسبان ارتباط المعطيات الذاتية بالقوى الخارجية وبخاصة العوائد النفطية وهو ما ستقرره السوق النفطية العالمية وموقف بلدان الأوبك من العراق وإمكانية الأخير من العودة بقوة إلى السوق واسترجاع حصته التي فقدها في السابق. وطبقا لتقديرات الباحث فان استهداف معدل نمو مرتفعا للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحوالي 3 أو 4 في المائة خلال السنوات الخمسة القادمة تتطلب استثمارا ما بين 100 إلى 125 مليار دولار. وهو ما يعكس الحجم الضخم لاحتياجات الاعمار والبناء والتنمية وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان المتنامي.

 

 

خامسا: الخاتمة

إن من أهم البنود العاجلة على أي جدول أعمال للإصلاح في الاقتصاد العراقي يجب أن يتضمن إجراء إصلاح جذري في هيكل الدولة وفي طبيعة دورها في المجتمع والاقتصاد. ذلك أن فلسفة الإصلاح نفسها تستلزم، وتشمل ضمن متضمناتها، أن يكون الإصلاح شاملا الأجهزة والمؤسسات كافة وعلى مختلف الصعد، وإذا كانت الدولة تسير في طريق الإصلاح الاقتصادي، وتأمل من ورائه تقليص دورها المباشر في عمليات الإنتاج والاعتماد بصورة متزايدة على اقتصاد السوق، فان عليها أن تحد من سلوكها الأبوي، وان لا تزج نفسها في المجالات كلها. وعليها إلا تعتبر نفسها مسؤولة عن كل ما يحدث في المجتمع، وان تبدأ بزرع الثقة في نفوس مواطنيها في ما يتعلق بسن تقدير الصالح العام في ظل قواعد وأشراف مؤسسي عام ومحدد. كل ذلك يؤثر في الاتجاه العام لإصلاح نظام الخدمة المدنية وأيضا في تحديد الوظائف التي ينتظر من الجهاز الإداري القيام بها، وتلك التي يتركها للنشاط الخاص كلية أو يكلف القطاع الخاص للقيام بها تحت رقابته أو بناء تعاقد معه([37]).

        إن تعزيز كفاءات وسلطان الإدارة العامة أمر ضروري في إطار الحاجة الملحة لمواجهة الدور المتغير والمتعاظم للإدارة العامة في مجال التوجيه والتخطيط الاستراتيجي التأشيري، وفي مجالات الرقابة والضبط وإدارة النشاطات، وفي ضوء اعتبارات رعاية المصلحة العامة وحمايتها من المتلاعبين الذين دفعت بهم إلى الساحة الوطنية الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي مر بها البلد. في ظل الواقع الاقتصادي الراهن، وما آل إليه دور الدولة ينبغي للإصلاح أن يركز على الجوانب الاقتصادية، وينطلق من ضرورة تدعيم هذا الدور وجعله أكثر اتزانا. إذ ينبغي على الحكومة القيام بالتخطيط العام أو التأشيري الذي يكتسب أهميته من خلال رسم الإطار العام للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد الأهداف والتوجهات المستقبلية التي يتطلع المجتمع إلى بلوغها بما من شأنه أن يوفر للقوى الفاعلة في النشاط الاقتصادي الإحساس بالاتجاه، وأن يؤمن الاستقرار الذي تحتاج إليه للعمل على المدى الطويل. كما يساعد وجود مثل هذا الإطار على معالجة المشاكل الاقتصادية التي تعترض مسيرة التنمية من منظور شامل، فضلا عن خلق المناخ المناسب لتعزيز مصداقية الدولة وبناء الثقة بالحاضر والمستقبل. وإن تضطلع الدولة بتنفيذ السياسات، وتوفير الخدمات والقيام بمهام المتابعة والرقابة والإشراف، وتفويض جميع السلطات والوظائف التي تمثل جزءاً لا يمكنها القيام به بصورة أكمل من غيرها وتفويضها إلى المشروعات الخاصة والسوق والمنظمات الوسيطة. وفي هذا الصدد ينبغي أن تنصب مجهودات الحكومة على تعديل وإصلاح الجهاز الحكومي باتجاه تقليصه وإعادة هيكلته من خلال:

§   تحويل الأجهزة الاقتصادية الشمولية إلى أجهزة فرعية تقوم بالرقابة على المستوى الكلي والعمل باتجاه توحيد اختصاصها.

§   تحويل أجهزة الإدارة الاقتصادية المتخصصة إلى كيانات اقتصادية بدون وظائف حكومية. أي تحويلها إلى مؤسسات اقتصادية تقوم بتشغيل أصول مملوكة للدولة، أو إدارة الأعمال الصناعية والتجارية والصناعية.

§         وضع نظام فاعل للرقابة والإشراف والمحاسبة على مؤسسات القطاع العام.

§   توسيع سلطات الحكم المحلي وتعزيز اللامركزية. والعمل على تحقيق التوازن في علاقة الحكومة المركزية والحكومات المحلية بحيث تتولى الأخيرة مهمة تنفيذ برامج اقتصادية، واجتماعية، وتحديد حدود الاستقلال المالي وإنشاء نظم ضريبية محلية مستقلة وتحديد حدود استقلاليتها.

§         إعادة هندسة الأجهزة الحكومية العاملة في مجالات تقديم الخدمات العامة والتجارية الدولية.

§         وضع برنامج لتدريب موظفي الدولة.

§         مكافحة الفساد الإداري المتفشي.

 

ولسنا في حاجة إلى التشديد على أهمية الدور المحوري الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المدني للخروج من الأزمة ذلك أن إحياء مؤسسات المجتمع يمكنه أن يمهد الطريق لمنع استفحال تلك الأزمة واستمراريتها في المستقبل، ويقود إلى الحفاظ على ما تبقى من عناصر التوحيد الوطني. لكن عملية الأحياء المنشودة لمؤسسات المجتمع المدني ينبغي لها أن تنبني على مؤسسات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية متعددة النشاطات، ومتنوعة ومتكاملة الأهداف، وترتبط جميعا بعلاقة (( دينامية )) بين الديمقراطية والتنمية، فلا غنى عن التعددية في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية حتى يتحصل التوازن داخل مؤسسات المجتمع المدني نفسه، وفي علاقته الوظيفية بمؤسسات الدولة.

         من جهة أخرى، فإن دور القطاع الخاص ينبغي أن لا ينظر إليه على أنه بديل تام لدور الدولة إذ تعتبر دوافعه في تحقيق الربح السريع عائقاً أساسيا للتوجهات التنموية بعيدة المدى، وبالتالي تحد من توجه هذا القطاع إلى الاستثمار في المشروعات والأنشطة الضرورية للمجتمع، وهذه الطبيعية المميزة للقطاع الخاص قد تولد تناقضاً وإشكالية عميقة لنظام توفيق المصالح الذاتية والمصالح العامة، وتؤثر بالتالي سلبا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن النظرة المستقبلية للقطاع الخاص يجب أن تتجاوز نظرة الازدراء والاتهام والتقصير إلى نظرة تشتمل على شيء من التقدير والواقعية لحدود امكاناته، ومثلما لم يكن مجديا تحميل القطاع العام فوق ما يحتمل ينبغي أن لا يُحمّل القطاع الخاص فوق ما يستطيع. فما من أحد يمكنه الادعاء بأن القطاع الخاص يستطيع الاضطلاع بعملية تحقيق التنمية إذا ما ترك لهواه تطبيقا لمبدأ (دعه يعمل) بل يبدو معقولا ضبط عملية " المرور " ولعل في تجارب شرق آسيا واليابان ما يمكن أن يكون حصيلة جيدة يُقتدى بها في هذا الصدد.

        إن تشجيع القطاع الخاص لكي يلعب دورا متزايدا في التنمية الشاملة لا ينبغي له أن يقترن عمليا بسياسة التخلي نهائيا عن القطاع العام كإطار ممكن للتنمية. فالأجدر إقامة التوازن ما بين القطاعين العام والخاص لكي يلعبا دورا متكاملا لا متناقضا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. فمن جهة نجد إن مسؤولية القطاع العام ما تزال كبيرة في ظل الزيادة السكانية وما يتبعها من تأزم حاد تعانيه شرائح واسعة منهم تعيش دون خط الفقر، وتشكل أرضا خصبة لكل أشكال العداء للدولة. ومن جهة أخرى، فان تشجيع القطاع الخاص في ظل رقابة الدولة يساعد على تطوير كثير من القطاعات وعلى امتصاص أعداد كبيرة من الشباب في سن العمل وعلى تنمية اليد العاملة وعلى الحد من الهجرة إلى الخارج أو النزوح من الريف إلى المدينة.

        وعلى ما يبدو إن العراق بحاجة ماسة إلى الخبرة والتقانة الأجنبية لإعادة إعمار البنية التحتية وتطوير نظم الإنتاج الوطنية، مما يحتم إتاحة مناخ اقتصادي ملائم للاستثمار الأجنبي بهدف استغلال أفضل للموارد المتاحة. هذه الضرورة تحتم وضع أسس قانونية لعلاقات جديدة مع الشركات متعدية الجنسيات تستلزم إعادة النظر في حقوق العمل والإنتاج.

 

إن الأخذ بمثل هذه الإصلاحات يسمح بتحضير المستقبل بصورة جيدة من خلال تعبئة الجهود التنموية. كما أن هذه الإصلاحات يمكن أن تساهم بطريقة فعالة في تدنية سمات الدولة العربية وزيادة فاعلية الدولة في أداء أدوارها وفي تحسين البيئة الاقتصادية وبرد الاعتبار للفرد والمجتمع والدولة على السواء.

 

الهوامش والمراجع

 



[1] عباس النصراوي، الاقتصاد العراقي: النفط- التنمية- الحروب- التدمير – الأفاق 1950-2010، ترجمة محمد سعيد عبد العزيز، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1994، ص 119

[2] المصدر السابق نفسه، ص 190

([3]) من التحليلات المميزة في هذا المجال أطروحة مسلم بن علي بن مسلم، لماذا غزا صدام الكويت؟ محاولة نظرية، ترجمة: مخايل خوري، دار الساقي، بيروت،1995. والذي يقدم فيها الكاتب تحليلا لثلاث متغيرات: الرجل؛ الدولة؛ النظام العالمي. ودور كل منها في تحقيق النتيجة المعروفة، وهي النظرة المستمدة من أطروحة الأمريكي كينيث والتز Kenneth Waltz ((Man, the State and War  )) المنشورة عام 1909 والتي تحدد وتوضح أسباب النزاع والحرب

([4]) ناجي أبي عاد وميشيل جرينون، النزاع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط: الناس، النفط، التهديدات الأمنية، ترجمة: محمد نجار، الأهلية، عمان، 1999، الجدول رقم(3-10)، ص 228

([5]) جيف سيمونز، استهداف العراق: العقوبات والغارات في السياسة الأمريكية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003، ص 107

[6] متروك الفالح، المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية: دراسة مقارنة لإشكالية المجتمع المدني في ضوء ترييف المدن. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002،ص 120

([7]) منظمة العفو الدولية، العراق نيابة عن من؟ حقوق الإنسان وعملية إعادة بناء الاقتصاد في العراق، المستقبل العربي، السنة (26)، العدد(294)، آب/ أغسطس، 2003، ص ص 104-105

([8]) كاظم المقدادي، التأثيرات الصحية والبيئية للحرب على العراق، المستقبل العربي، السنة (26)، العدد (300)، شباط/ فبراير 2004، ص 37

([9]) تيم نبلوك، العقوبات والمنبوذون في الشرق الأوسط: العراق- ليبيا- السودان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2001، ص 86

([10]) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة، مركز دراسات الوحدة العربية،ـ بيروت، 1998، ص 46

([11]) المصدر السابق نفسه، ص 47

([12]) المصدر السابق نفسه، ص 164

([13]) كاظم القدادي، المصدر السابق، ص ص 27-42

([14]) غيدون بوليا، القتلى العراقيون في الحرب: العدد الإجمالي للقتلى العراقيين يصل إلى مستوى ((هولوكوست))، المستقبل العربي، السنة (27)، العدد(305)، تموز/ يوليو 2004، ص162

([15]) اللجنة الوزارية لإعداد ستراتيجية التنمية الوطنية، ستراتيجية التنمية الوطنية 2005-2007، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الهيئة الستراتيجية العراقية لإعادة الاعمار، مطبوعات جريدة النهضة، بغداد، 2004، ص 30

([16]) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة، المصدر السابق، ص ص 176-179

([17]) كاظم المقدادي، المصدر السابق، ص ص 31-32

([18]) منظمة العفو الدولية، المصدر السابق، ص 96

([19]) مجيد الهيتي، مساهمة في النقاش حول نفطنا، الثقافة الجديدة، العدد (309)، حزيران/ يونيو 2003، ص 8-9 وكذلك انظر: سمير صارم، إنه النفط يا (...) الأبعاد النفطية للحرب على العراق، دار الفكر، دمشق، 2003.

([20]) تيم نبلوك، المصدر السابق، ص ص 100-101

([21]) مجيد الهيتي، المصدر السابق، ص 9

([22]) اللجنة الوزارية لإعداد ستراتيجية التنمية الوطنية، المصدر السابق، ص 10

([23]) مجيد الهيتي، المصدر السابق نفسه، ص 9

([24]) اللجنة الوزارية لإعداد ستراتيجية التنمية الوطنية، المصدر السابق ، ص 12

([25]) انظر: منظمة العفو الدولية، المصدر السابق، ص 97

([26]) ثناء فؤاد عبد الله، الدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي: علاقات التفاعل والصراع، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2001، ص 114

([27]) ارييل كوهين وجيبرالد أوديسكول. المصدر السابق، ص 44

([28])  حول هذه الملاحظة أنظر: عباس نصراوي، الدعوى ضد الخصخصة، المستقبل العربي، السنة (27)، العدد(300)، شباط/فبراير 2004، ص ص 85-90

([29]) سالم توفيق النجفي، (العراق الى أين؟ ) مستقبل التنمية، المستقبل العربي، السنة (27)، العدد(305)، تموز/ يوليو 2004، ص 96

([30]) عبد الأمير الانباري، (العراق ... إلى أين؟ ) المصدر السابق، ص 129

([31]) المصدر السابق نفسه، ص ص 129-130

([32]) منظمة العفو الدولية، المصدر السابق، ص 98

([33]) المصدر السابق نفسه، ص 100

([34]) كاظم المقدادي، المصدر السابق، ص 39

([35]) ارييل كوهين وجيبرالد أوديسكول. المصدر السابق، ص 40

([36]) منظمة العفو الدولية، المصدر السابق، ص 104

([37]) إبراهيم شحاته، الإصلاح الإداري في البلدان العربية: ملاحظات عامة وحلول مقارنة (( مع إشارة خاصة إلى مصر ))، المستقبل العربي، السنة (16)، العدد (128)، نيسان/ ابريل 1994، ص 36

الأكثر مشاهدة