حال التنمية البشرية في العراق: سجل التدهور

بواسطة عدد المشاهدات : 344197
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حال التنمية البشرية في العراق: سجل التدهور

يعالج البحث واحدة من المفاهيم المهمة التي باتت مقولاتها رائجة في الفكر المعاصر، ويسعى البحث إلى توسيع دائرة النقاش حول أوضاع التنمية البشرية في العراق الذي عانى خلال العقدين الماضيين تدهورا في مجمل مؤشرات التنمية الأمر الذي انعكس سلبا على حال التنمية في البلد وتفاقم أوضاع الناس فيه.

 

 

 

حال التنمية البشرية في العراق: سجل التدهور

 

 

 

 

الدكتور حسن لطيف كاظم الزبيدي

مدرس كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة الكوفة

 

الدكتور عاطف لافي مرزوك السعدون

معاون العميد للشؤون العلمية

 كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة الكوفة

 

 

 

 

2007


المقدمة

        تعد التنمية عملية مركبة فهي محصلة لتفاعل العناصر المرتبطة بحركة المجتمع، والتي تحدث تغيرات كمية ونوعية على حياة الناس في حقبة زمنية معينة. وقد توسع مفهوم التنمية من مجرد التركيز على النمو الاقتصادي، ليصبح جزءً من عملية التنمية المستمرة والمستدامة. عليه فالتنمية البشرية عبارة عن صيرورة تؤدي إلى توسيع الخيارات أمام الناس، عبر وضع البشر في صميم عملية التنمية وجعلهم هدفها وموضوعها، مثلما تدعو إلى حماية الخيارات الإنسانية لأجيال المستقبل والأجيال الحاضرة وتشمل هذه الخيارات الحياة الطويلة والصحية واكتساب المعرفة والتمكن من الموارد الضرورية للتمتع بمستوى عيش مناسب، يضاف إلى ذلك الحرية السياسية والتمتع بحقوق الإنسان واحترام الذات. وبهذا فمفهوم التنمية البشرية يجمع بين القدرة وتنميتها واستعمالها، ويتجاوز المفاهيم التقليدية كرأس المال البشري وإشباع الحاجات الأساسية، والموارد البشرية..الخ. وينبه مؤشر التنمية البشرية HID إلى المقارنة بين رأس المال والبشر، وبين الثروة الوطنية وعائدها التنموي.

        تبرز أهمية البحث كونه يعالج واحدة من المفاهيم المهمة التي باتت مقولاتها رائجة في الفكر المعاصر، ويسعى البحث إلى توسيع دائرة النقاش حول أوضاع التنمية البشرية في العراق الذي عانى خلال العقدين الماضيين تدهورا في مجمل مؤشرات التنمية الأمر الذي انعكس سلبا على حال التنمية في البلد وتفاقم أوضاع الناس فيه.

لذا فان المشكلة التي يعالجها البحث هي أن أوضاع التنمية البشرية متدهورة إلى الحد الذي تعجز مؤشرات التنمية البشرية عن فضحها بصورة دقيقة، فالتبدلات السلبية في أحوال المجتمع والاقتصاد والسياسة أنتجت تشوهات في بنية التنمية البشرية يستلزم إصلاحها توافر الإرادة السياسية والمجتمعية التي تعمل على حشد الطاقات والجهود باتجاه تحسين الأوضاع الإنسانية.

        وينطلق البحث من فرضية مؤداها: أن سنوات الحروب والحصار الاقتصادي والظروف غير الاستثنائية التي يمر بها البلد أدت إلى تدهور أوضاع التنمية البشرية كما تقيسها مؤشرات وأدلة التنمية البشرية.

إن الوصول إلى هدف البحث واثبات فرضية تفرض على الباحثين استخدام مجموعة واسعة من البيانات التي اجتهد الباحثان في تبويبها وجدولتها حتى تكون تعبيرا مختصرا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية لذا فان البحث جاء غنيا معززا بمؤشرات التنمية ومقاييسها بغية تقديم بيان إحصائي وتحليل واقعي لأوضاع التنمية البشرية في العراق.


خلفية تاريخية

مما لا شك فيه إن العراق ومنذ الثاني من أب 1990 وحتى 20 أيار/ مايو 2003 واجه ظروفا اقتصادية وسياسية قاسية وغير مسبوقة. فقد تفاقمت في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي مشكلات الاقتصاد العراقي. ومع وقف تصدير النفط العراقي أصبحت الدولة مواجهة بجدول أعمال كبير بدايته إعادة إعمار ما خربته الحرب وآخره إنجاز وعد التنمية وان كان مجمل الخطاب الاقتصادي للدولة يقوم على مواجهة التآمر المزعوم على استقلال ووحدة العراق. وكل ذلك كان في ظل اختفاء موارده من النفط استمر حتى عام 1996 الذي شهد توقيع اتفاق النفط مقابل الغذاء. وإجمالا يمكن القول بأن الوضع المالي لم يكن ملائما للقائمين بالسياسة الاقتصادية حتى ذلك الحين، فمع تعطل القطاع الخارجي وانكسار دورة النقد الأجنبي في الاقتصاد هبطت الإيرادات النفطية التي كانت تشكل نسبة كبيرة تتجاوز 50 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية خلال المدة (1970–1989)، وبسبب حرب الخليج الثانية والحصار لم يستطع البلد خدمة ديونه فتراكمت متأخرات السداد حتى أصبحت الديون الخارجية 126 مليارا في نهاية عام 1998([1]). ولهذا كان لا بد من اللجوء إلى السلطات النقدية للاقتراض، ففرضت مشكلة التضخم نفسها الأولى في قائمة مشاكل الاقتصاد المزمنة. إذ تؤشر معدلات نمو المخفض الضمني خلال سنوات الحصار موجة من التضخم تخرج عن حدود السيطرة.

وعلى الرغم من أن معظم الاخفاقات التي واجهها الاقتصاد العراقي قد نتجت عن أوضاع الحصار الاقتصادي خلال عقد التسعينات، إلا إن جزءً منها نتج عن فشل برامج التنمية الاقتصادية في تحقيق المعدلات المستهدفة من النمو، وتنوع الهيكل التصديري خلال عقد السبعينيات والثمانينيات، بسبب جنوح التوزيع النسبي للإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي نحو متطلبات الحرب في عقد الثمانينيات، مما ترتب عليه أن يتسم الاقتصاد العراقي آنذاك بحساسية عالية تجاه الصدمات الاقتصادية، ولا سيما تلك المتأتية من التغيرات السعرية للسلع في السوق الخارجية، والتقلبات في أسعار النفط خلال العقد المذكور([2]).

إن حال التنمية البشرية في العراق مدعاة للقلق الشديد، فالبيانات المتاحة برغم قلتها وقصورها تدلل على تدهور أوضاع التنمية واتساع نطاق الفقر رغم ما توافر له من إمكانات مادية وبشرية طوال العقود الماضية، ورغم ما تختزنه أراضيه من ثروات وضعت بلدانا أخرى في مقدم الركب التنموي. ولعل هذه النتيجة أمر متوقع في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بالعراق فقد عرف نصف القرن الماضي من تاريخه أحداثا جسام كانت كوارث حلت بالتنمية البشرية وأوقفت خطاها، بل دمرت مكتسبات كانت قد تحققت في أوقات ماضية.

وتكشف مراجعة مؤشرات التنمية البشرية في العراق عن تدهور كمي ونوعي فيها. نتيجة الدمار الذي لحق بالبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة الحروب الداخلية والخارجية وسنوات الحصار الطويلة، فتأثير تلك الظروف أعمق من أن تقيسه مؤشرات وأرقام تتسم بقدر عال من التجريد والعمومية. كما أن هذه الظروف سترافق آثارها وانعكاساتها السلبية مسيرة التنمية القادمة والمستوى الذي يمكن إن تصل إليه التنمية البشرية. أن ذلك يعني أن البيانات لا تعكس حقيقة وحجم التراجع الذي حصل في بنية التنمية البشرية وجوهرها. مثلما تفشل في إعطاء صورة التراجع في البنى المؤسسية الاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع. لقد مرت أكثر من ثلاث سنوات منذ الاحتلال الأمريكي للعراق (نيسان/ ابريل 2003)، وقد كان الاحتلال قد أحدث صدمة هائلة تبعها انقلاب واضح في النظم والمؤسسات والقيم, مع ذلك لا يمكن عد حالة التنمية البشرية اليوم نتاج آلي لتلك اللحظة من تاريخ العراق، بل هي نتاج تراكمي لعقود من الإنجاز والفشل، البناء والتدمير، ومن السلم والحرب...

        إن الهدف الأساس من البحث هو رسم صورة لأوضاع التنمية البشرية في العراق وما انتهت إليه سنوات الحروب والحصار والتدمير من أوضاع مأساوية جعلت الإنسان العراقي بين أكثر البشر معاناة على وجه الأرض رغم أن الأرض من تحت قدميه تختزن ثاني أكبر ثروة نفطية في العالم.

 

تدهور دليل التنمية البشرية

أن مفهوم التنمية البشرية أوسع من أي مقياس يمكن أن يقاس به ويصعب أيجاد مقياس شامل له، لأن هناك العديد من الأبعاد الحيوية للتنمية البشرية لا يمكن حصرها مثل المشاركة. فاختيارات البشر لا تحدها نهاية، وتتبدل مع الزمن، مع ذلك فان هناك ثلاث اختيارات أساسية تسمح للأفراد بحياة مديدة وصحية، يكتسبون خلالها المعارف، ويحصلون فيها على موارد تسمح لهم بمستوى معاشي لائق. ويقيس مؤشر التنمية البشرية هذه الأبعاد الثلاثة للتنمية البشرية. لكن يبقى مفهوم التنمية البشرية أعم وأشمل من أن تحتويه مقاييسها ومؤشراتها. مع ذلك فان ابرز الإسهامات التي سـاهمت بها تقارير التنمية البشرية في مجالها التنموي هو دليل التنمية البشرية (HDI) الذي يستخدم لقياس الإنجازات التنموية الخاصة بالقدرات البشرية ويحوي في طياته إمكانات واسعة للتطوير قد يجعله الأفضل حالياً([3]). ويتضمن الدليل ثلاثة مكونات رئيسية هي: (1) البعد الصحي ممثلا بالعمر المتوقع عند الولادة؛ (2) البعد التعليمي ويقاس بنسبة القراءة والكتابة لقياس؛ (3) مستويات المعيشة أو التحكم بالموارد بالصورة التي يجعل التمتع فيها بحياة كريمة لقياس بعد الدخل. وقد أجريت بعض التعديلات في استخدام هذه المؤشرات.

وطبقا لتقرير التنمية البشرية في العراق لعام 1994 فان محصلة العقوبات الدولية على التنمية البشرية أفضت إلى تراجع النمو الاقتصادي لما يقرب من أربعة أعوام لكل عام من أعوام تنفيذ العقوبات([4])، وهو ما يعني تراجعا في التنمية الاقتصادية بحوالي نصف قرن.

يشير الجدول رقم (1) إلى إن العراق قد حقق تحسنا بنسبة 0.235 في مؤشر التنمية البشرية الخاص به بين عامي 1960 و1998، حيث زاد هذا المؤشر من 0.348 إلى 0.58 وهي زيادة تقل عن نصف ما حققته البلدان العربية الخليجية المجاورة للعراق. وعلى الرغم من إن جميع بلدان العالم قد حققت تحسنا ملموسا في هذا المؤشر إلا إن أداء العراق كان من بين الاداءات المتواضعة قياسا لما يتمتع به من إمكانات، ومرد ذلك هو طبيعة الظروف القاسية التي مر بها العراق خلال سنوات الحرب والحصار. وقد يكون الجزء الأكبر في هذا التدهور يعود إلى التراجع الكبير في متوسط نصيب الفرد بتعادل القوة الشرائية بسبب تدهور قيمة الدينار العراقي وانخفاض إيرادات الدولة مع توقف صادرات العراق النفطية.

وطبقا لمقياس التنمية الإنسانية العربية الذي يقوم على توسيع مقاييس التنمية البشرية والمفاهيم الداخلة فيه فإن الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية العربية تعاني من نواقص ثلاثة تفت من عضد التنمية الإنسانية في الأقطار العربية هي: نقص الحرية، نقص تمكين المرأة، ونقص القدرات الإنسانية قياسا إلى الدخل خاصة القدرة المعرفية([5]). وتأسيسا على هذا المقياس نجد إن ترتيب العراق في دليل التنمية البشرية المقدم من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد تراجع من 80 إلى 110 أي انه تراجع ثلاثين مرتبة ولا تتفوق عليه في ذلك إلا سوريا التي تراجعت 33 مرتبة([6]).


 

الشكل(1)

دليل التنمية البشرية في العراق

الشكل من إعداد الباحثين بالاستناد

United Nations Development Program [UNDP] ,Human Development Report, several reports.

 

 

الجدول (1)

 تطور دليل التنمية البشرية في العراق

السنوات

قيمة دليل التنمية البشرية

العمر المتوقع عند الولادة

معدل معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين

نسبة القيد الإجمالية في التعليم الأولي والثانوي والعالمي معا

نصيب الفرد من الناتج الإجمالي الحقيقي بالدولار حسب تعادل القوة الشرائية

دليل العمر المتوقع

دليل التعليم

دليل الناتج المحلي الإجمالي

الترتيب حسب دليل التنمية البشرية

1960

0.348

48.5

--

--

--

--

--

--

--

1970

0.489

55

30

--

--

--

--

--

--

1980

0.581

--

--

67

--

--

--

--

--

1985

0.661

--

--

--

--

--

--

--

--

1990

0.589

65

89

--

--

0.37

0.13

0.23

76

1992

0.614

--

--

--

--

--

--

--

100

1993

0.599

66.1

55.7

55

3413

0.68

0.55

0.56

109

1995

0.538

58.5

58

52

3170

0.560

0.560

0.490

127

1997

0.586

62.4

58

51

3197

0.62

0.56

0.58

125

1998

0.583

63.8

53.7

50

3197

0.65

0.520

0.850

126

2007

0.623

 

 

 

 

 

 

 

 

United Nations Development Program [UNDP],Human Development Report, several reports.

 

 

بالرغم من إن الكثير من المهتمين بشؤون التنمية البشرية يشيرون إلى غلبة التحليل المقارن على هذا المؤشر كونه يعكس وبشكل أساس موقع العراق بين أقرانه من البلدان النامية، إلا أنه يقصر في كشف التفاوت داخل البلد. والمفارقة التي نسجلها هنا هو العجز الواضح عن سد الفجوة بين النمو الاقتصادي والإنساني رغم ما أتيح للعراق من موارد ضخمة انعكست في اطراد نمو الناتج المحلي للفرد في خلال الستينات والسبعينات، ورغم تدنيه في الثمانينات وانخفاضه في مطلع التسعينات إلى مستويات ما كانت في الستينات، رغم أن سكان العراق قد تضاعف مرتين عما كان عليه عام 1960.

 أما خلال التسعينات فقد تراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي من 15.9 مليار دينار عراقي عام 1988 إلى 3.5 مليار دينار عام 1994 (بأسعار عام 1980). وترتب على ذلك تقلبات واسعة في متوسط حصة الفرد من الناتج المحلي، فقد بلغ نحو 564 دولار في مطلع عقد التسعينات، وأقصاه نحو 1586 دولار في مطلع الثمانينات، ثم أخذ بالتراجع إلى نحو 161 دولار في منتصف عقد التسعينات([7]). وكانت مستويات معيشة الأفراد والأسر هي الأكثر تضررا بشكل عام، وخصوصا الأسر ذات الدخل المحدود أو الدخل المتوسط. وطبقا لتقديرات منظمة الغذاء والزراعة الدولية لعام 1995 فقد انخفضت مستويات الدخول والمعيشة لثلثي سكان العراق، وأصبح دخل الأسرة يقارب ثلث دخلها مقارنة لعام 1988([8]). ورغم ذلك استمر الإنفاق العسكري يحتل الأولوية على الرغم من توقف الصادرات النفطية الرسمية، وأصبح العبء المالي والاجتماعي الذي يمثله الجيش خطرا لا يستهان به. والذي أضيف إليه جيش آخر أكثر عدة واستنزافا للموارد، هو الحرس الجمهوري الخاص، فضلا عن القوات غير الرسمية مثل جيش القدس، وما تطلبته إدامتها من مبالغ ومصاريف، وما كانت تتركه الخدمة فيها من آثار على العمل في أجهزة الدولة الأخرى والمؤسسات الخدمية (وحتى القطاع الخاص)، حتى صارت هذه المؤسسات والتشكيلات الملحقة بها تمثل عبئاً على الاقتصاد والمجتمع العراقيين([9]).

ويظهر مؤشر النوع الاجتماعي بوضوح الفجوة في مؤشر التعليم بين الإناث والذكور، وما يتعلق بالتمكين السياسي والمشاركة الاقتصادية. وهو ما يتطلب وضع السياسات الكفيلة بتضييق هذه الفجوة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. بعد أن تحسن موقع المرأة في مجال التربية والتعليم في عقد السبعينات تراجع بشكل مثير خلال العشرين سنة الماضية حيث إن 47 في المائة من النساء في العراق يعيشون حالة الأمية الكلية أو الجزئية. وطبقا لمسح أحوال المعيشة فان الفجوة حسب الجنس هي الأعلى في إقليم الشمال حيث تقل نسبة التعليم للنساء بـ 20 في المائة عن الرجال، كما انه يوجد اختلاف إقليمي واضح  في تعليم النساء. ففي السليمانية ودهوك والمثنى هناك أكثر من 60 في المائة من النساء بعمر 15 سنة فأكثر يملكون أقل من مستوى التعليم الأساسي مقارنة بـ 32-38 في المائة في بغداد والبصرة على التوالي([10]).

 

الجدول (2)

دليل التنمية البشرية المرتبط بنوع الجنس في العراق

السنة

الترتيب حسب دليل التنمية المرتبط بنوع الجنس

العمر المتوقع عند الولادة

معدل معرفة القراءة والكتابة بين الكبار

نسبة القيد الإجمالية في التعليم الأولي والثانوي والعالي

الحصة من الدخل المكتسب (في المائة) أو القيمة

قيمة دليل التنمية المرتبط بنوع الجنس

إناث

ذكور

إناث

ذكور

إناث

ذكور

إناث

ذكور

1995

127

59.7

57.3

45

70.7

45.4

55.1

13.9

86.1

0.443

1997

-

63.9

60.9

--

--

44

57

970

5347

--

1998

107

65.3

62.3

43.2

63.9

44

57

--

--

0.548

United Nations Development Program [UNDP], Human Development Report, 1997

 

أن تعزيز المساواة في النوع الاجتماعي وتمكين النساء يعد من الأمور الضرورية لتحقيق التنمية البشرية. لكن هذه القضية تكتسب خصوصية تنبني على طبيعة المجتمع العراقي والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي أثرت وتؤثر في صياغة شكل وطبيعة العلاقة الجندرية. ومهما يكن من أمر فان للنوع الاجتماعي أثره في توصيف المشهد التنموي في العراق وبخاصة وانه لم يجر حتى الآن تفحص وتحليل نظري وعملي شامل ومعمق لقضايا النوع الاجتماعي في البلد، ولم تول أدبيات التنمية البشرية في العراق اهتماما ذا بال بمقولة النوع الاجتماعي، بل اكتفى التحليل على أساس الجنس وهو تحليل أدنى من تحليل النوع الاجتماعي واقل سعة وشمولا.

        تشكل الأسر التي تعيلها النساء في المجتمع العراقي حوالي 11 في المائة من مجموع الأسر المسجلة في دراسة مسح الأحوال المعيشية في العراق. ومن بين تلك الأسر هناك 73 في المائة تعيلها الأرامل([11])، تتفاقم بين صفوفها ظاهرة الفقر.

        كان العراق من أوائل البلدان التي حصلت فيها النساء على فرص للعمل في مجالي التعليم والتمريض وبخاصة بعد تأسيس الدولة العراقية. وخلال الثلاثينات نشطت الحركات النسوية الداعية إلى تحرير المرأة متأثرة بالحركة الشيوعية التي طغت على تلك الحقبة. وفي عام 1959 شغلت أول امرأة في العراق منصبا وزاريا([12]). وفي السبعينات بادرت سلطة البعث إلى زج المرأة في خططه السياسية وشهد العراق صعودا في الحركة النسوية في حدود ما سمحت به الدولة. وفي سنوات الثمانينات ومع انشغال الرجل بالحرب كان للمرأة أن تملأ الكثير من الفراغات التي خلفها الرجل بعد انخراط ما يزيد على مليون رجل في القوات المسلحة إبان الحرب العراقية الإيرانية. مع ذلك ظلت مساهمة النساء في سوق العمل خلال الثمانينات منخفضة، زادت تدهورا خلال التسعينات الذي اتسمت سنواته بانخفاض حاد في الأجور الحقيقة الأمر الذي أدى إلى إن تزايدت انسحابات النساء من العمل.

غالبا ما تستخدم المشاركة في قوة العمل كمؤشر مهم على واقع النساء الاقتصادي. وتظهر الإحصاءات نسبة منخفضة من النساء اللاتي يعمل خارج البيت، ففي عام 2004 كان عدد النساء في قوة العمل 1.1 مليون امرأة من مجموع 6.7 مليون شخص هم في سن العمل. أي إن نسبة مساهمة النساء لا تتجاوز 13 في المائة، تتركز معظم هذه النسبة في المناطق الريفية([13]). من جانب آخر فان نسبة البطالة بين النساء أعلى منها بين الرجال([14]) (24 مقابل 17.2 في المائة)([15]) وهو ما يشير إلى البطالة والأعداد الكبيرة من النساء اللاتي يحاولن دخول قوة العمل.

        من جهة ثانية، فان المرأة الريفية تعاني من مشاكل كثيرة، وتحمل أعباءً إضافية بسبب دورها الإنجابي ونشاطها الإنتاجي غير المأجور، وعدم المساواة في الحصول على الأرض والدخل والأسواق. ففي العراق نجد أن الحيازات الزراعية مملوكة للرجال، إذ تمتلك النساء أقل من 5 في المائة من مجمع الحيازات الزراعية عام 2001([16]) لكن النساء أكثر حظا من ذلك في ما يتعلق باستخدامهن كعاملات ذلك أن حوالي 35 من العمال (الدائميين والمؤقتين) في الحيازات الزراعية هم نساء([17]).

إلى جانب المشاركة في قوة العمل، يعتبر التعليم مؤشرا رئيسا على أوضاع المرأة، وعاملا حاسما فيها، لان الوصول إلى المستويات التعليم سوف يزيد بشكل عام أدوار اتخاذ القرار التي تضطلع بها النساء، ويجعلهن مرشحات أكبر في قوة العمل، ويمكنّهن من اتخاذ قرارات متنوعة بشأن الخصوبة والرعاية الصحية. كما أن التعليم يعتبر أساسي لزيادة وعي النساء بحقوقهن الاقتصادية والسياسية والاجتماعية([18]). وتبرز هذه الحقيقة من خلال معرفة إن التعليم قد زاد من نسبة مساهمة النساء في قوة العمل، إذ ترتفع المشاركة مع زيادة مستويات التعليم، فتنشط النساء المتعلمات لمدة أطول([19]). مع ذلك تبلغ نسبة النساء اللاتي لم تلتحق بالتعليم حوالي 31 في المائة في حين هناك 8 في المائة من النساء أكملن دراستهن الجامعية([20]). كما تعتبر نسب التحاق الإناث في المدارس الابتدائية منخفضة جدا مقارنة بالذكور. وقد أصبحت فجوة النوع الاجتماعي أكبر بكثير في المناطق الريفية، فحوالي 40 في المائة من الإناث في هذه المناطق غير ملتحقات بالمدارس الابتدائية، مقارنة بحوالي 20 في المناطق الحضرية([21]).

 

تدهور النظام الصحي

قطع التقدم الصحي في العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين شوطا طويلا ساعد على تزايد نسب السكان بشكل واضح. وتمثل أحد أبرز سماته التحسن في الحد من تأثير عدد من الأمراض السارية والمتوطنة وأمراض الأطفال (الإسهال، الحصبة، الكزاز..الخ). وتجسد التحسن الصحي بتوسع استخدام الأنواع العديدة من لقاحات الأطفال([22]). وفي ثمانينيات القرن الماضي كان العراق يمتلك أفضل نظام رعاية صحية في المنطقة، بأساليب متطورة وباستخدام التقانة (التكنولوجيا) المختصة في مجال الرعاية، كما أنه كان يتمتع بشبكة شاملة من الرعاية الطبية الأساسية([23]). وكان العراق يمتلك حوالي 1800 مركز صحي قبل حرب عام 1991، انخفض هذا الرقم إلى 929 عام 2001 وكان ثلث هذه المراكز بحاجة إلى إعادة تأهيل([24]). نتيجة تدهور نسبة الإنفاق على التعليم والصحة من الإنفاق العام لصالح زيادة الإنفاق العسكري إبان الثمانينات والتسعينات مدفوعا بظروف الحرب وتزايد زخم الهاجس الأمني في الأداء الحكومي.

منذ بدء الحصار بدأت المشكلات تظهر على قطاع الخدمات الطبية، ومع انهيار نظام الخدمات المدنية ترافق انهيار النظام الصحي في ظل ضعف قدرة المواطنين على اقتناء مواد التلقيحات من السوق التجارية، مما أدى إلى تزايد الالتهابات المرضية والأمراض وخصوصا بين الأطفال دون سن الخامسة. واتسمت المراكز الصحية والمستشفيات بندرة الخدمات العلاجية كالعمليات الجراحية ومختبرات التحليل والأجهزة الملحقة كالأشعة والتجهيزات والمعدات الطبية بالإضافة إلى النقص الشديد في الأدوية، وتقلص عدد الأطباء بشكل واسع، فضلا عن تدهور أوضاع التعليم الجامعي والمهني للعلوم الطبية والإرشاد الصحي، وتراجع نصيب القطاع الصحي من التخصيصات المالية إلى 5 في المائة قياسا لحجم التخصيصات لعام 1989. وقدرت منظمة الصحة العالمية أن خمس سنوات من الحصار أفرز تراجع القطاع الصحي لنصف قرن إلى الوراء.

وطبقا لمنظمة ميداكت MEDACT الطبية العالمية المستقلة فان الصحة العامة للشعب العراقي تدهورت منذ حرب الخليج الثانية عام 1991. فقد خلفت العقوبات والحروب آثار على تركيبة البلد البنيوية، وتفككت التركيبة الاجتماعية أيضا بسبب القمع والاضطهاد، والفقر والعنف، والبطالة، وطبيعة العلاقات العائلية، وهي عوامل أثرت في الصحة العامة للمجتمع وفي تطور الفرد العراقي. كما أضرت هذه الحرب بالشعب العراقي الذي كان وما يزال هشا بقدراته لبناء مجتمع جديد، ناهيك عن تحمل صدمة حرب جديدة. وتؤكد المنظمة أن الحرب قد أدت إلى مقتل وإصابة الألوف من العراقيين المدنيين والعسكريين، وسببت تدهور الصحة العامة إلى الأسوأ، كما ساعدت على انتشار الأمراض واختلال التوازن البيئي. وفي ظل زيادة العنف وعدم الاستقرار، فان المخاطر تزداد خصوصا على الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى. وبقطع النظر عن التأثيرات المباشرة، أدت الحرب إلى تحطيم شبكات المياه والمجاري والكهرباء والإسكان، واستمرار دمارها. وسببت شحة المواد الغذائية استمرار معاناة الشعب على المديين القريب والمتوسط. وهناك مخاوف من زيادة البطالة وتأثيراتها في انتشار الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي([25]).

ويقدر عدد الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية مزمنة سببها الحرب بحوالي 223000 فرداً، وفي الحرب الأخيرة أصبح عدد الأطفال وكبار السن والنساء، الذين أصيبوا بعجز، أكبر من العدد الذي خلفته الحروب السابقة([26]). إذ ما يزال ربع أطفال العراق يعانون من سوء التغذية، في حين يولد ربع المواليد الجدد بوزن تحت الوزن الطبيعي، وتصل نسبة تفشي سوء التغذية الحاد (الوزن منخفض نسبة إلى الطول) أعلى مستوياتها في الجنوب وبشكل خاص محافظة القادسية حيث يعاني 17 في المائة من الأطفال من سوء التغذية الحاد([27]). في حين قدرت الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يعانون من تبعات الاضطرابات النفسية والعقلية بأكثر من نصف مليون شخص عام 1998 بعد أن كان حوالي مائتي ألف مطلع التسعينات([28]). كما أن أطفال العراق هم ((الأكثر معاناة بين أطفال الحروب))([29]) فغالبيتهم سيعانون من مشكلات نفسية شديدة في حياتهم([30]). ويبدو أن الزمن لن يرحمهم، فالحرب وما تبعها من نتائج وأحداث تبدو ذات أضرار وأخطار أكبر على هذه الفئة الحساسة من السكان. كما اضطرت النساء العراقيات اللاتي فقدن الأزواج أو الأبناء أو الأشقاء في الحروب إلى تحمل عبء ثقيل، فأكثر من 10 في المائة من العراقيات أرامل، وغالبا ما يكن الوحيدات اللاتي يحصلن على أجر في العائلة. لقد فاقمت العقوبات من حالة الضعف الاقتصادي للنساء وزاد من المشكلات الصحية والنفسية لديهنَّ([31]).

لقد ترتب على الحروب وتأثيراتها في متغيرات التنمية البشرية انعدام التماسك الاجتماعي بين السكان، والذي كان بدوافع نفسية، وقد تجلت مظاهره في نواحٍ عديدة، أهمها: ارتفاع نسبة الطلاق، تزايد حالات اشتغال الأطفال في سن مبكرة، استفحال ظاهرة التسول والاحتيال وتصنع العوق والإصابة، وبينهم أعداد غير قليلة من الأطفال. ارتفاع معدلات الجرائم، ومنها الجريمة المنظمة، وجنوح الأحداث والسرقة، حيث زاد عدد المودعين في الأقسام الإصلاحية بنسبة 217 بالمائة عام 1998 قياسا لعام 1990. تفشي الدعارة ولا سيما بين الشباب من الجنسين. شعور عام باليأس والقلق حيال المستقبل، تدهور الحالة الثقافية والتعليمية، تضاعف الإحساس بالعزلة بغياب الاتصال مع العالم الخارجي، تفاقم ظاهرة الرشوة والفساد الإداري، وتطور اقتصاد غير متوازن مفعم بالاستغلال والإجرامية([32]).

وبالاستناد إلى المؤشرات الأكثر شيوعا وتركيبا في ما هو متوفر منها ويوفر دلالة مناسبة في المجتمع العراقي سوف نركز على مؤشرات التنمية البشرية بغية الوقوف على أداء التنمية البشرية. لقد تم تركيب مؤشر التنمية البشرية ليربط بين أعمار الناس (مقاسا بالعمر المتوقع عند الولادة) ومعارفهم (توليفة من معدل القراءة والكتابة بين البالغين ونسبة القيد الإجمالي في التعليم الابتدائي والثانوي) ومستويات معيشتهم (مقاسا بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي)، وهو ما قد يخضع للتغير من سنة لأخرى.

 

تراجع المستوى العمري

تشير المعطيات إن توقع الأعمار عند الولادة في العراق قد ارتفع من 44 عاما للمدة (1950-1954) إلى 62 عاما للمدة ما بين (1985-1990)، ما يعني أن معدل الزيادة السنوية لتوقعات الأعمار تزداد 0.52 عاما سنويا. وطبقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فانه كان مقدرا للمعدل العمري في العراق أن يصل إلى 68 سنة في نهاية القرن العشرين. وتلك التوقعات كانت مبنية على معدلات الزيادة السنوية لانخفاض نسب وفيات الأطفال عند الولادة وأعمار الأطفال دون سن الخامسة من العمر للحقبة ما قبل الحصار. غير أن ملامح تلك الصورة قد تبدلت بسبب التطورات التي طالت حياة الإنسان بعد فرض العقوبات الاقتصادية. فالمقياس الأساسي لمعرفة تطورات عمر الإنسان عند الولادة قد تغير بسبب ارتفاع معدلات وفيات الأطفال([33]). وطبقا لتقرير التنمية البشرية في العراق، فان العمر المتوقع للإنسان قد انخفض إلى 60 عاما عام 1993، وهو ما يقارب مستويات الأعمار عند الولادة عام 1975. في حين قدر تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي المعدل بـ 57 عاما  عام 1997، ورجحت تقديرات أخرى انخفاض العمر إلى 55 عاما عند نهاية القرن العشرين، وهو ما يقارب معدل عمر الإنسان عند الولادة لعام 1965، وأدنى من المعدل لسكان العالم العربي بحوالي سبع سنوات([34]). وإذا ما قارنا بين معدلات الأعمار في حالة استمرار انخفاض الوفيات قبل الحصار، وتوقع أنها ستصل إلى 68 عاما في نهاية القرن الماضي، وبين توقع انخفاضه إلى حوالي 55 عاما مع استمرار الحصار، نرى أن الفرق الزمني يصل إلى ما يقرب من ثلاثة عقود ونصف من التراجع. ولكي تعود معدلات الإعمار إلى ما كانت عليه حتى عام 1990، فان ذلك يتطلب وفقا لمعدلات الدول النامية في الإضافة السنوية لزيادة معدلات توقع العمر تقدر بـ 0.48 عاما في الأوضاع الطبيعية، فانه يحتاج إلى 18 عاما على الأقل. ومع أخذ مجموع الخسائر التي تشتمل على التراجع الزمني وما يتطلبه تعويض ذلك التراجع، فإن كلفة التراجع الإجمالي تتجاوز النصف قرن من التاريخ العراقي الحديث. الأمر الذي يعكس الحالة الحرجة للتنمية البشرية وعنصرها الحساس العمر المتوقع للإنسان عند الولادة([35]).

وتشير تقديرات احتمالية موت الأطفال في العراق إلى أن الأطفال العراقيين الذين ولدوا خلال الحقبة (2000-2005) سيبلغون منتهاهم قبل بلوغهم سن الأربعين بحوالي 18 في المائة، وينضوي تحت هذا الاحتمال حوالي ثلاثة أضعاف المستوى المقدر في الأردن وسوريا ([36]).

لقد ازدادت معدلات الوفيات بين الأطفال الرضع من 40 لكل حالة ولادة عام 1990 إلى 107 مولود لكل 1000 مولود حي عام 2001([37])، والى 193 عام 2004، وهي معدلات أعلى مما كانت الحال عليه في العراق عام 1960. وان نسبة وفيات المواليد (حالات وفاة الأطفال دون السنة لكل 1000 من المواليد الأحياء) هي 32 في المائة. في الجانب الصحي نلاحظ وفيات الأطفال الرضع في الجنوب هي أعلى المعدلات في العراق فقد بلغت في البصرة (1479) وبابل (498) وكربلاء (399) والقادسية (289) وهذا دليل على مدى التدهور الصحي في هذه المناطق. ويمكن تتبع هذا التدهور من خلال عدد المستشفيات والعيادات الشعبية فقد بلغ عددها 79 مستشفى وعدد الأسرة فيها 10880 سرير وما نسبته 38 في المائة من عدد الأسرة في العراق.

 

الشكل (2)

وفيات الأطفال الرضع لعام 2003

الشكل من إعداد الباحثين بالاستناد إلى البيانات الواردة في الجهاز المركزي للتخطيط وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية 2004

 

خلال السنوات الأربع الأولى من الحصار تضاعفت معدلات الوفيات بين الأطفال ممن هم دون سن الخامسة ست مرات عند نهاية السنة الرابعة من الحصار([38]). واستمرت بالارتفاع حتى وصل إلى 107 لكل 1000 مولود حي عام 2001. وتبلغ نسبة وفيات الأطفال دون سن الخامسة لكل 1000 من المواليد الأحياء حوالي 40 في المائة الأمر الذي جعل العراق في مؤخرة دول العالم من حيث تخفيض معدلات وفيات الأطفال([39]).

أما خلال العقد الماضي، فقد تضاعفت معدلات وفيات الأمهات في العراق ثلاث مرات فبلغت 370 وفاة لكل (100000) من المواليد الأحياء. وكان ما يناهز 70 في المائة من النساء الحوامل يعانين من فقر الدم، مما يعرضهن لخطر الوفاة والاعتلال. وعلاوة على ذلك أعربت وكالات المعونة عن قلقها الشديد إزاء ارتفاع مستوى حالات الإجهاض والمواليد الميتين، الذي زاد من حدته ارتفاع مستويات الإجهاد وقلة العناية السابقة للولادة ورعاية التوليد في الحالات الطارئة([40]).

وطبقا لنتائج المسح المشترك بين منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية عام 1995 لأوضاع الأطفال دون سن الخامسة من العمر فان حالات إعاقة النمو والتشوهات البنيوية ازدادت من  12 في المائة عام 1991 إلى 28 في المائة عام 1995، كما ازدادت نسبة الأطفال ذوي الوزن المنخفض من 7 في المائة إلى 29 في المائة، وتضاعفت حالات الهزال أربع مرات أي من 3 في المائة إلى 12 في المائة للمدة نفسها. أما أعراض سوء التغذية للأطفال دون سن الخامسة من العمر، فقد بين تقرير منظمة الغذاء والزراعة عام 1995 أن حالة الأطفال في العراق تبدو مروعة. فحالات الخواء وأعراض نقص الغذاء ازدادت بنسبة 50 مرة في السنوات الأربع الأولى من الحصار.

        ومن الناحية الأخرى، تعد النساء بمختلف الأعمار شديدة الحساسية لنقص الأغذية، وخصوصا خلال مدة الحمل والرضاعة. فيمكن أن تنقل الأمهات الحوامل أعراض سوء التغذية للولادات الجديدة، وينعكس ذلك بإحدى صوره بالولادات المنخفضة الوزن. وفي حالة استمرار الظروف الاقتصادية – الاجتماعية – البيئية نفسها، فمن شأن ذلك أن يجرد الأطفال من قدراتهم العقلية والجسدية([41]). على أن تفشي ظاهرة نقص التغذية لدى الأمهات وعلاقتها بتنامي وفيات الأطفال الرضع يعكس الحالة الصعبة للأمهات في مواجهة أوضاع الحصار. ومن المؤلم أن الإجهاض لحالات الحمل يعد هو الآخر واسعا ويفضي إلى تعدد إسقاط الأجنة الميتة. كما أن انتشار نسبة الوفيات للأمراض الوراثية (MMR) وارتفاع معدلاتها منذ عام 1991 وتشوهات خلقية أخرى أمر يثير الهلع حول مستقبل الطفولة في العراق([42]).

أما الأمراض الوبائية فقد وجدت طريقها يسيرا للانتشار السريع في ظل غياب الوقاية المناسبة. فالملاريا التي كانت محدودة الانتشار قبل عام 1990 بدأت بالظهور عام 1992 وأخذت شكل موجات في مختلف المناطق العراقية عام 1994، حتى تضاعفت  نسبة أمراض الملاريا بأكثر من 12 مرة عام 1994 قياسا لعام 1989 في المحافظات الوسطى والجنوبية وأكثر من 20 مرة في المحافظات الشمالية الثلاث. وتزايدت بشكل واسع أمراض الولادات الوراثية، والأمراض الجلدية والتهابات الأمعاء. أما أمراض الكوليرا والتايفوئيد فقد تضاعفت الأولى إلى ما يقرب من ثمان مرات في حين تضاعفت الثانية بأكثر من 12 مرة، وتزايدت بنسب كبيرة أمراض شلل الأطفال والسعال الديكي والخناق والحصبة والتهاب السحايا وبنسب مقاربة لنسب تزايد الأمراض السابقة([43]).

 

تدهور خدمات مياه الشرب والصرف الصحي

كانت منظومات خدمات الماء والصرف الصحي للحقبة التي سبقت عام 1991 تعمل بفاعلية، إضافة إلى إن نسبة السكان الذين يحصلون على الماء الصالح للشرب كانت تصل إلى 95 في المائة في المناطق الحضرية و75 في المائة في المناطق الريفية، أما عدد وحدات معالجة المياه فكانت (218) وحدة رئيسية في عموم البلاد و 1.191 وحدة مجمعة. في حين كانت خدمات الصرف الصحي تغطي 75 في المائة في المناطق الحضرية و 50 في المائة من المناطق الريفية([44]). مع ذلك فقد اتسم الإنفاق الحكومي لتوفير مياه الشرب النقية للسكان بالضآلة قياسا بأهميته، فهو لم يتعد 0.35 في المائة من مجموع الإنفاق الحكومي خلال المدة (1980-1990). أما نصيب الفرد من الماء الصافي فقد بلغ 46 متر مكعب عام 1980، ليصل إلى 70 متر مكعب عام 1992 بعد إصلاح مشاريع تصفية المياه. غير أن نوعية مياه الشرب تعد منخفضة بسبب نقص مادة الكلور حيث نقصت كمية الاستخدام من 5 ملغم للتر الواحد إلى ملغم واحد للتر الماء. والمشكلة الأكثر جدية تحملها مشاريع المجاري والصرف الصحي للغالبية الساحقة للمدن والمجمعات السكانية. وتشمل المشكلة جميع خدمات الصرف الصحي كالمجاري الرئيسية ومحطات الضخ، ومراكز التصفية سواء في الريف أو المدينة([45]).

 أما في الحقبة التي تلت عام 1991 فقد بدأ التراجع في مستوى هذه الخدمات ومستوى أدائها. ومن خلال مقارنة رقمية لمفاصل هذه الخدمات نلاحظ مدى التراجع الحاصل فيها حيث تشير الدراسات الحديثة والمسوحات للسنتين الأخيرتين إلى إن هناك 34 وحدة فقط لمعالجة المياه تعمل بشكل جيد من اصل 177 وحدة. كما إن خدمات تجميع مياه المجاري ومعالجتها وان كانت تشمل 80 في المائة من سكان مدينة بغداد إلا إنها تتراجع في المناطق الحضرية المحيطة ببغداد لتصل تغطيتها إلى 9 في المائة فقط من هذه المناطق. في حين لا توجد خدمات للصرف الصحي في المناطق الريفية في عموم القطر وبالأخص المناطق الشمالية. وإزاء هذا الوضع المتردي فان خدمات الصرف الصحي أصبحت تشكل خطورة بيئية وصحية كبيرة, تثقلها وتزيد خطورتها ما يصيب مفاصلها الرئيسية كتآكل أنابيب المجاري وضغط المياه الجوفية والطفح والانسداد لأغلب خطوطها مما يتسبب في تلوث الماء الصالح للشرب وما ينعكس عن ذلك من تفشي للأمراض الخطرة والانتقالية منها، ومن الملاحظ إنه لا توجد وحدات فعالة لمعالجة المياه المصرفة حيث إن 50 في المائة من المياه المصرفة توجه إلى الأنهر والممرات المائية مما يحمل آثارا خطرة على الإنسان والحيوان وتساهم بغداد وحدها  بما نسبته 75في المائة من هذا التلوث وما يرتبط به من مشاكل بيئية وصحية([46]).

        وتواجه معظم المدن العراقية الآن خطر انهيار الخدمات، فشبكات الصرف الصحي تعاني من التدهور وانعدام الصيانة، وعدم السيطرة على عمليات الطفح وانهيار وتحطم الأنابيب.

لقد التزمت الحكومة باستعادة المواصفات ومستوى أداء خدمات الماء والصرف الصحي التي كانت موجودة قبل عام 2003 من خلال سعيها لتوسيع إمكانية الحصول على الماء بصورة دائمة, ومن بين المجالات المستهدفة لتحقيق ذلك وكأنشطة طارئة هو توفير صهاريج نقل المياه إلى المناطق الأكثر حرمانا وخاصة في المدن الجنوبية. كما جرى التأكيد على ديمومة الرقابة على نوعية المياه  في عموم القطر, وتوفير المستلزمات الكيماوية لمعالجة المياه ومستلزمات جمع النفايات([47]).

       


الجدول (3)

نسبة السكان الذين يحصلون على المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي (سنوات مختارة)

 

1989

1990

2000

2003

2005

 

ريف

حضر

المجموع الكلي

ريف

حضر

المجموع الكلي

ريف

حضر

المجموع الكلي

ريف

حضر

المجموع الكلي

ريف

حضر

المجموع الكلي

السكان الذين يحصلون على مياه مأمونة

47

93

80

44

92

78

48

96

81

50

81

97

61.6

79.9

73.7

السكان الذين يحصلون على خدمات الصرف الصحي

--

--

--

37

85

70

31

93

73

48

95

80

--

--

--

المصدر: -بيانات عام 1989 مأخوذة من (ESCWA,1993)

-بيانات عام 1990 مأخوذة من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، [وآخرون]، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 2004، ملحق (2/15)، ص 261

وبيانات عامي 2000 و 2003 مأخوذة عن: الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، ملامح قطرية وإقليمية لمؤشرات التنمية المستدامة لقطاعات مختارة في منطقة الاسكوا، (3) قطاع البيئة، ص 13

-بيانات 2005 مأخوذة عن: جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الإعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، ستراتيجية التنمية الوطنية (2005-2007 )، حزيران- 2005، ( طبعة أولية )، جدول رقم (1)، ص 17 (علما أن البيانات لا تشمل أربيل ودهوك)

 


الجدول (4)

نسبة السكان المخدومين بشبكات مياه صالحة للشرب ومتوسط نصيب الفرد من المياه الصالحة للشرب (2005)

المحافظة

نسبة السكان المخدومين بشبكات مياه صالحة للشرب

متوسط نصيب الفرد من المياه

الصالحة للشرب (م3/ساعة)

حضر

ريف

حضر وريف

نينوى

83.8

87.2

85.1

0.018

السليمانية

72.0

10.0

53.7

0.018

كركوك

93.2

95.1

93.8

0.024

ديالى

91.4

89.7

90.4

0.019

الانبار

65.9

65.5

65.7

0.018

بغداد/ أمانة بغداد

100.0

0.0

100.0

0.017

بغداد/ أطراف بغداد

46.0

28.0

35.0

0.030

بابل

49.9

50.2

50.1

0.019

كربلاء

87.5

87.6

87.5

0.018

واسط

67.0

68.0

67.5

0.019

صلاح الدين

92.5

64.8

77.6

0.019

النجف

73.9

73.4

73.8

0.018

القادسية

66.1

66.4

66.2

0.017

المثنى

43.6

43.9

43.8

0.011

ذي قار

45.5

44.8

45.2

0.020

 ميسان

35.5

35.7

35.6

0.021

البصرة

81.2

83.9

81.8

0.019

المجموع

79.9

61.6

73.7

0.018

 جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الإعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، ستراتيجية التنمية الوطنية (2005-2007)، حزيران-2005، جدول رقم (4)، ص 19؛ والجدول رقم (6)، ص 22

 

يعاني قطاع الماء في محافظات العراق من مشاكل عديدة، وفي مسح حديث يعاني هذا القطاع من مشكلات هي: قدم الشبكة وضعفها، إنتاج المشروع لا يسد الحاجة، شحة الأدوات الاحتياطية والمواد الأولية، شحة وتذبذب الطاقة الكهربائية اللازمة للتشغيل، تجاوزات المواطنين على الشبكة، قلة الوعي لدى المواطن بترشيد الاستهلاك؛ في حين كانت مشكلة ضعف الصيانة وعدم الإدامة، الأقل التي يعاني منها قطاع الماء.كما يوضحها الجدول التالي:


الجدول (5)

هم المشاكل التي يعاني منها قطاع مياه الشرب حسب المحافظة (2005)

أهم المشاكل

عدد المحافظات

النسبة المئوية من مجموع المحافظات

عدم كفاءة المشروع

9

56.3

شحة مياه المصدر المجهز

7

43.8

تلوث مياه المصدر

5

31.3

قدم الشبكة وضعفها

16

100.0

إنتاج المشروع لا يسد الحاجة

16

100.0

ضعف الصيانة وعدم الإدامة

1

6.3

شحة الادوات الاحتياطية والمواد الأولية

12

75.0

قلة الكادر الفني والإداري

12

75.0

عدم كفاءة الكادر الفني

4

25.0

شحة وتذبذب الطاقة الكهربائية اللازمة للتشغيل

16

100.0

تجاوزات المواطنين على الشبكة

16

100.0

قلة الوعي لدى المواطن بترشيد الاستهلاك

16

100.0

مشاكل أخرى

7

43.8

جمهورية العراق، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مديرية إحصاءات البيئة، المسح البيئي في العراق لسنة 2005، حزيران- 2006، جدول رقم (13)، ص31

 

أما حالة شبكات المجاري نجد أن معظمها في حالة متوسطة أو رديئة وتعاني من التجاوزات والطفح في بعض المناطق([48]). وتقوم ثمان محافظات على الأقل بتصريف مياه الصرف الصحي للدور غير المخدومة بشبكات المجاري إلى النهر، في حين تقوم 13 محافظة بتصريفها إلى الأراضي المجاورة، في ما تطرحها 11 محافظة في المبازل([49]). وليس خافيا ما تتركه هذه العملية من آثار مدمرة على البيئة، بحيث تركت معظم مياه الأنهار ملوثة وغير صالحة للشرب.

 


الجدول (6)

أهم المشاكل التي تعاني منها شبكات المجاري حسب المحافظة (2005)

أهم المشاكل

عدد المحافظات

النسبة المئوية من مجموع المحافظات

عدم كفاءة الشبكات

10

76.9

ضعف الصيانة وعدم الإدامة

6

46.2

قلة الكادر الفني والإداري

11

84.6

قلة الآليات

13

100.0

مشاكل تتعلق بمحطات الضخ (قدم واستهلاك، عطل المحطة)

10

76.9

قدم محطات معالجة مياه المجاري وضعف كفاءتها

6

46.2

شحة وتذبذب الطاقة الكهربائية اللازمة لعمل محطات المعالجة والضخ

11

84.6

التجاوزات في ربط شبكات مياه المجاري بشبكات مياه الأمطار

10

76.9

قلة الوعي والإساءة في استخدام شبكات المجاري

13

100.0

مشاكل أخرى

6

46.2

جمهورية العراق، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مديرية إحصاءات البيئة، المسح البيئي في العراق لسنة 2005، حزيران- 2006، جدول رقم (24)، ص64

 

تدهور الأمن البشري

        ظهر مفهوم الأمن الإنساني في سياق البحث عن السلام في الثمانينات كرديف لمفهوم الأمن القومي الذي ساد في خلال الحرب الباردة؛ لينتشر انتشارا واسعا على الصعيد الدولي في عام 1994 عندما تمحور تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حوله. فقد أكد التقرير على أن جوهر اللاأمن الإنساني يكمن في التعرضية (vulnerability)، وأنه علينا أن نسأل أنفسنا كيف يمكن حماية الناس بالإلحاح على إشراكهم وعلى الرابط الوثيق بين كلٍ من التنمية والأمن. بادئ ذي بدء، حدد برنامج  الأمم المتحدة الإنمائي ثمانية أبعاد للأمن الإنساني (وبالتالي اللاأمن الإنساني) هي: الاقتصادي، المالي، الغذائي، الصحي، البيئي، الشخصي، الجندري، المجتمعي، والسياسي. بحسب تعريف مفوضية الأمن الإنساني فان الأمن الإنساني يعني ((حماية الحريات الحيوية وحماية الناس من الأوضاع والأخطار الحرجة والعامة، وبناء قواهم وطموحاتهم. وتعني كذلك خلق النظم السياسية والاجتماعية والبيئية والعسكرية والثقافية) التي تمنح الناس لبنات ليبنوا بقاءهم وكرامتهم ومعيشتهم)) ويعنى مفهوم الأمن الإنساني بالفرد والمجتمع وتركز سياساته على الناس والمجتمعات المحلية. وتحديدا المدنيين الذين يعانون حالة متطرفة من التعرض والعنف لأي سبب كان، لكنه لا يقتصر على حماية الناس فحسب، وإنما يشمل أيضا تمكينهم على نحو يستطيعون معه حماية أنفسهم. لذا فانه يتضمن الحقوق الإنسانية للأفراد، ويشمل أبعادا عديدة متصلة بالبيئة والغذاء والتنمية، في وقت لم تعد فيه الدولة المسؤول الوحيد عن توفير الأمن الإنساني، وإنما تشاركها في هذه المهمة المنظمات الوطنية والدولية من بين الفواعل في عملية التنمية البشرية، فهو مفهوم شامل وان تمحور حول الإنسان، لأنه ينبثق من المجتمع المدني في محاولة لحماية الأفراد ومجتمعاتهم، ويتجاوز مسائل الدفاع عن الأرض والقوة العسكرية([50]). إن الأمن الإنساني يوفر قاعدة أساسية للتنمية والحكم الفعال. فتوفير الأمن هو إحدى أكثر وظائف الدولة أساسية؛ ويتضمن الحماية من التعسف المنهجي الذي يستهدف حقوق الإنسان، والتهديدات الجسدية، والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية البالغة([51]). ويقتضي مفهوم الأمن والتنمية البشرية أن يوفر الضمان للنمو الطبيعي للطفولة والضمان الاجتماعي وحق العمل ويحميهم من أشكال الاغتصاب والعنف والإكراه ويضع ضوابط صارمة على الجريمة ويمنع اندلاع الحروب العرقية والطائفية ويوفر للإنسان الإحساس بكرامته وآدميته. فالأمن والتنمية البشرية يتحددان من الانتقال من امن الأرض إلى أمن الإنسان أولا وان تتوفر الضمانات عبر التنمية الدائمة والمستمرة([52]).

لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار التدهور الحاصل في امن الإنسان العراقي نتيجة لما خلفه الاحتلال وحده، ذلك أن الوضع القائم حاليا محصلة لعقود من التدهور المتواصل في الأمن وعدم الاستقرار. فالعراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية لم يعرف الاستقرار إلا في لحظات قصيرة. فتاريخه السياسي عبارة عن سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة. وحتى عندما لا يحدث انقلاب تقوم السلطة القائمة بفبركة انقلاب وهمي لتطيح به بأعدائها وتعيد رسم خارطة تحالفاتها. وأوضاع عدم الاستقرار السياسي كان لها التأثير الأكبر في التدهور في أوضاع الأمن الإنساني في البلد. مضافا إلى ذلك الأوضاع الداخلية غير المستقرة التي شهدها العراق والتي تميزت بكثرة الاضطرابات وتبديها في صورة رفض لإجراءات الدولة، تمظهر أحيانا كثيرة في صورة هبات أو انتفاضات تتفجر في مناطق متفرقة غالبا ما كان الجيش يستخدم لإخمادها وبخاصة في مناطق الجنوب والشمال.

        وعلى صعيد آخر كان لظروف الحروب والحصار آثارها المدمرة على أوضاع الأمن الإنساني، ففي الوقت الذي تهدد فيه الإنسان في حياته وبقائه، عمل الحصار على خلق بيئة مضطربة بعوامل وأسباب عدم الاستقرار واللاأمن، وهيأ المناخ لتفاقم أسباب العنف والجريمة.

خلال عمر الدولة العراقية الذي تجاوز العقود الثمانية، تبنت النخب الحاكمة فكرة الأمن الوطني على أساس أنه أمن النخبة نفسها، من دون أن تسهم في تعزيز أمن المواطن العراقي، وكرست مجهودات الدولة والمجتمع لأغراض الحفاظ على موقعها على قمة هرم السلطة بعدما تباينت أساليب وصولها إليها. وبعد عام 1968 ازداد الوضع حدة نتيجة تطرف الطغمة الحاكمة ومسكها بمقدرات البلد، استعدادا لتخليد هيمنتها على الدولة.

إن الانتهاكات التي اقترفها النظام السابق لحقوق الإنسان العراقي تبعث على الحزن والألم، فالإنسان العراقي عاش عقودا وقد انتهكت حتى أبسط حقوقه. فعلى الرغم من أن دستور عام 1970 يقر بان العقوبة شخصية ويعطي حقوقا للمتهم، فقد كشفت محاكمات أركان النظام السابق في قضية الدجيل (1982) أن القائمين على التحقيق قد مارسوا صورا فضيعة لانتهاك حقوق الإنسان فقد اعتقل العشرات وأدين  أكثر من 180 منهم واعدموا دون محاكمة عادلة بل دون استماع القاضي لأقوالهم. وبالمثل جرت انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان إبان انتفاضة آذار/ مارس 1991 راح ضحيتها الآلاف من أبناء المدن الجنوبية، ممن دفنوا في مقابر جماعية. فلا غرابة أن يعتبر العراق في مقدمة البلدان التي تشهد حالات اختفاء في العالم.

وفي المدة ما بين 1990- 1996 قدم المقرر الخاص لحقوق الإنسان 11 تقريرا عن حالة حقوق الإنسان في العراق، مكونة من 500 صفحة، محتويا على أنواع من التفاصيل والانتهاكات للحياة المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مستندة على دراسة آلاف الصفحات من أدلة الشهادات لآلاف الوثائق العراقية (أختيرت من ما يقارب أربة ملايين وثيقة توفرت للمبعوث الخاص) وصور السلايدات والفوتغراف، وتسجيلات أشرطة الفيديو بالإضافة إلى التسجيلات السمعية، وشهادات المعذبين من الجرحى وعينات من تربة الأراضي التي تعرضت للقصف الكيمياوي، فضلا عن إجراء المقارنات والتعرف على وجهات النظر والخبرات العلمية والتحاليل الطبية، لعملية تحليل تلك التقارير([53]).

وفي ظل الاحتلال تدهور أمن المواطن واستبيحت حياته مجددا. وبسبب فشل سلطات الاحتلال في ضمان الأمن والاستقرار شهد العراق انفلاتا أمنيا غير مسبوق، وانتشرت أعمال القتل والإرهاب في معظم أرجاء العراق([54]). لقد تعرض أمن الإنسان العراقي إلى تحول من خرق منظم كانت الدولة تتولاه في السابق، إلى فكر بات يتوسل أسبابا دينية لتبريره، وهو نزاع عنفي يتصاعد بين الحين والآخر وان حافظ على اتجاه عام نحو الارتفاع. وعلى الرغم من إن هذا المد الذي يدعي الجهاد هو المحرك الرئيس للعنف في العراق، فإن دورة العنف والعنف المضاد باتت المعلم المميز للحياة العامة في العراق. ولعل أبرز تمظهرات هذا العنف هو عشرات السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة التي تحصد أرواح الآلاف من العراقيين في دور العبادة وأماكن التسوق ودور العبادة... لذا فان البلد فقد جوانب الأمن الشخصي والمجتمعي مع تصاعد موجات العنف الطائفي الموجه نحو فئة أو أخرى.

وتهدد العمليات الإرهابية التي تنحو منحى طائفيا خطيرا الحياة البشرية على نحو خطير وغير مسبوق وتنذر بوقوع حرب أهلية، خاصة وإننا نشهد في الوقت الحاضر نتائج حرب أهلية غير معلنة وخصوصا ما يتعلق بالتهجير ومعظم ضحاياه من الأطفال والنساء وما ينطوي عليه من استئصال اجتماعي وثقافي وخسارة الملكية من أغراض ومنازل وممتلكات أخرى فضلا عن خسارة الأعمال والأمن الغذائي. وقد عجزت كلا من الحكومة العراقية الانتقالية والقوات متعددة الجنسيات عن تطوير خطط للأمن ضمن إطار مكافحة الإرهاب ولم تساهم في التخفيف من عدم الاستقرار السياسي. وهنا لا بد من إن تعمل الحكومة الجديدة على تعزيز الديمقراطية والحكم الصالح والأمن السياسي باعتبارها شروطا لازمة للأمن الإنساني.

 

تدهور النظام التعليمي

       كان العراق يتوافر على نظام تربوي يعتبر من أفضل الأنظمة في الشرق الأوسط حتى عام 1980 ومنذ ذلك الحين وبسبب ندرة الموارد وتسييس النظام التربوي، وهجرة الأخصائيين والمدرسين جعل النظام التربوي في العراق في أدنى مستوى له في الشرق الأوسط. فآفة الأمية منتشرة بشكل واسع حيث إن 39 في المائة من سكان الريف لا يعرفون القراءة والكتابة, و 22في المائة من السكان البالغين لم يلتحقوا بمدرسة, وان 9 في المائة فقط منهم أكملوا الدراسة المتوسطة كأعلى مرحلة دراسية, حيث تصل الأمية وشبه الأمية من النساء إلى 47 في المائة وتتسع الفجوة بين الجنسين في المنطقة الشمالية حيث تنخفض نسبة المتعلمين بـ 20 في المائة للنساء عنها للرجال. كما أن هناك تفاوتا مهما على مستوى تعليم النساء بين المحافظات. ففي محافظات السليمانية ودهوك والمثنى فان هناك ما يزيد على 60 في المائة من النساء ممن تبلغ أعمارهن 15 سنة فأكثر يقل مستوى تعليمهن عن الابتدائية مقارنة بـ 32 في المائة و38 في المائة في كل من بغداد والبصرة على التوالي. إن أعادة مستوى الخدمات إلى ما كانت عليه في عام 1980 هو في صلب الجهود الرامية لإعادة الأعمار خلال الثلاث سنوات القادمة, إضافة إلى تشجيع القطاع الخاص لتمكينه من أن يلعب دوراً مهماً في قطاع التربية. حيث بإمكانه إنشاء مدارس ابتدائية وثانوية أهلية كما يمكن أن يساهم الاستثمار الخاص في الارتقاء بمستوى التقنية الطبية. وهناك إجراء قيد التنفيذ خلال هذه السنة بهذا الاتجاه([55]).

 

ارتفاع معدلات الأمية

تأخذ اتجاهات معرفة القراءة والكتابة منحى مقلقا، حيث إن معدلات تلك المعرفة في الفئة العمرية بين (15-24) سنة أدنى منها في الفئة (25-34)، بالرغم من التوسع الظاهر في التعليم الأساسي في العراق خلال السنوات الثلاثين الماضية. وهو ما يعود إلى تدهور النظام التعليمي خلال حقبة الحصار. وعلى الرغم من أن الفجوة بين الجنسين قد تناقصت إلا إن ذلك يعود إلى تدني معدلات معرفة الذكور بالقراءة والكتابة. أما الفئات العمرية التي تتجاوز 65 سنة فإنها تبلغ 39 و 14 للرجال والنساء على التوالي([56]). بلغت معدلات معرفة القراءة والكتابة للبالغين 65 في المائة عام 2004 وهي أقل من المستوى الذي كان عليه متوسط البلدان النامية عام 1990.

 

ارتفاع معدلات التسرب من المدارس

بين عامي 1987 و 2002 انخفض معدل الالتحاق بالتعليم الأساسي والثانوي بنسبة 2.941، وعاد للزيادة في عام 2004 إلى 50.051 . وفي تحليل لجانب من التنمية البشرية ففي مجال التعليم نجد إن عدد المدارس الابتدائية قد بلغ 4795 مدرسة من مجموع 13914 مدرسة في عموم القطر لتشكل نسبة 34.5 في المائة. وبلغ عدد الطلاب في المرحلة الابتدائية 1509822 طالب أي 34.8 في المائة من مجموع الطلبة في المدارس الابتدائية والثانوية، وهنا نلاحظ إن نسبة الأخيرة إلى الأولى بلغت 30.95 في المائة بمعنى أن التسرب قد بلغ أكثر من نصف الطلبة وهذا يعود إلى الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها الأسر في منطقة الوسط والجنوب حيث يترك الطلبة الدراسة ليتوجهوا إلى إعالة عوائلهم. أما عدد الطلبة في جامعات المنطقة والبالغ ست جامعات حكومية فقد استوعبت 16338 طالب وهو أقل بكثير من عدد الطلبة في بغداد وحدها([57]).

        تؤدي ظاهرة التسرب من المدارس إلى حدوث خسائر اقتصادية واجتماعية وسياسية، مباشرة وغير مباشرة. وإذا ما كانت الخسائر المباشرة ترتبط بالخسائر المادية التي تنتج عن التسرب نفسه، فان دخول الشخص المتسرب من الدراسة إلى سوق العمل وهو غير مكتمل النضج التربوي والاجتماعي يلحق أضرارا سلبية بإنتاجية العمل ونوعية الإنتاج، فضلا عن خلق المواقف السلبية والسلوك غير المسؤول تجاه المجتمع ومؤسساته وقوانينه ويسهل تعرض هؤلاء المتسربين للانحراف([58]).

        يرتبط التعليم بتدهور أوضاع التنمية البشرية من خلال مؤشر معدل التسرب من الدراسة. وذلك أن معظم المتسربين من الدراسة هم من العائلات التي تعتبر من الفئتين الأفقر في المجتمع، بحيث تظهر علاقة عكسية بين مستوى الدخل ومستوى التسرب، فكلما انخفض الدخل، ازدادت إمكانية تسرب الطلبة. وخلال حقبة الحصار تدنت نسبة التسجيل في جميع مراحل التعليم، لكافة الأعمار (6-23 سنة) إلى 53 بالمائة. وبرزت الأمية بين الشباب والنساء بحدود مستويات منتصف الثمانينيات. وتشير أرقام اليونسكو إلى أن معدلات التسرب من المدارس الابتدائية ازدادت من 95692 عام 1990 إلى 131658 عام 1999. كما تسرب 26394 معلم ومدرس وموظف. وعانت الأبنية المدرسية، سواء خلال التشييد أو الصيانة، نقصا خطيرا. ويشير الواقع إلى نقص حاد في احتياجات المدارس من الأثاث والتجهيزات والمواد التعليمية والتقنية، الأمر الذي أدى إلى تردي مريع في المستوى التعليمي، وزيادة المشكلات السلوكية غير المرغوبة، وضعف دافع التعليم للطلبة ومتابعة أوليائهم، وضعف شديد في مستوى الكادر التعليمي([59]).        

 

تدهور نوعية التعليم

تتألف منظومة العلم والتقانة (التكنولوجيا) من عدد من العناصر هي: المنظمات التربوية؛ منظمات البحث والتطوير؛ منظمات المعايير والاختبار؛ الأنظمة القانونية؛ المنظمات الاستشارية والهندسية والتخطيطية؛ خدمات المعلوماتية؛ الخدمات المالية؛ الجمعيات والنقابات المهنية([60]). أما مخرجات المنظومة فهي مساهمات للتنمية التقانية وللقوة العاملة المهنية وللمدخلات التقنية في كل النشاطات الاجتماعية- الاقتصادية والمدخلات في النشاطات المتصلة بشؤون الدفاع. وهذه المخرجات حيوية للتنمية الاقتصادية ولصيانة الاستقرار الاجتماعي والصحة الوطنية([61]). لكن وضع وتطبيق السياسات العلمية يتطلب حساسية كبيرة في الأمور الاجتماعية والسياسية والتقنية([62]).

فتخلف المناهج والأساليب التعليمية والتربوية وقصور النظام التعليمي ككل يؤدي بالضرورة إلى عدم قيام هذا النظام بدوره المطلوب في تنشئة القيم العلمية التقدمية، وزرع روح الإبداع والإخلاص في العمل، ورفع مستوى المهارات، مما قد يجعله عاملا أقرب إلى خدمة التخلف منه إلى التنمية السريعة والشاملة([63]). وفي ظل أوضاع العراق لا وجود لدليل على أي تنسيق في التخطيط والتطبيق للبرامج التقانية والعلمية بهدف خفض كلفتها وزيادة منافعها وتأمين نقل التقانة على أحسن وجه في الأعمال الاستشارية والتعاقدية والهندسية.

تشير البيانات إلى زيادة عدد الملتحقين بمستويات التعليم الثلاثةغير أن هذا التطور يعكس تباينات بين نصيب الإناث من جملة الملتحقين خاصة في المستوى الثالث (التعليم العالي)، كما أن نمو الالتحاق بالتعليم كان أسرع في المستويين الثاني والثالث عنه في المستوى الأول، وهو ما يعني ارتفاع عدد الأطفال المحرومين من التعليم. لذا فان المستوى الأول من التعليم قد قصر حتى الآن عن استيعاب الأفواج الجديدة من الأطفال. كما تضائل التفوق النسبي للعراق على معظم البلدان النامية في الالتحاق بالمستوى الثاني، والذي يبدو انه بلغ أقصاه في عام 1990. وهو أمر ربما يعود أساسا إلى سعي الشباب العراقي إلى البقاء في مقاعد الدراسة أقصى ما أمكنهم ذلك بعيدا عن الانخراط في صفوف القوات المسلحة إبان الحرب العراقية الإيرانية. على الرغم من الإنجازات المهمة المتحققة، فان رصيد التحصيل العلمي في العراق يقتصر كميا على المساهمة المرجوة في التنمية، خاصة في سياق كثافة المعرفة. إذ يسود الاعتقاد بتردي نوعية ناتج التعليم، الأمر الذي يلقى ظلالا قاتمة على الإنجاز الكمي للتعليم النظامي في البلد. بل إن عقد مقارنة معارف وقدرات وتوجهات خريجي النظام التعليمي بنظرائهم في البلدان المجاورة، أو بمقتضيات التنمية التي تأخذ التوجه المستقبلي بجدية، يظهر إن الفرق بين الواقع والمرتجى ما يزال شاسعا.

وما يلفت الانتباه تردي نوعية التعليم بشكل بالغ الخطورة وانخفاض حجم التحصيل العلمي مقاسا بمتوسط سنوات التعليم. إذ يتسم التعليم العالي بتدني التحصيل المعرفي وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واطراد التدهور فيها، وعدم الاهتمام ببرامج التدريب، فضلا عن ضعف الصلات بين قطاعات الإنتاج ونظم التعليم. وهي أمور تضرب في العمق كل امكانات بناء نسق علمي عراقي يمكنه أن يخرج الاقتصاد العراقي من عثرته ويعيد بناءه على أسس جديدة تكفل له الاستقلال والقوة وتتيح له فرص المنافسة في الأسواق الدولية.

وتعتبر معدلات رسوب الأطفال العالية (20 في المائة) دليلا على سوء نوعية التعليم([64]).

ليس خافيا مدى أهمية التقانة والمعرفة في عملية التنمية، وبالنسبة للعراق فان أداءه كان سيئا في هذا المضمار وبخاصة في مجالات البحث والتطوير التقاني وتقانة المعلومات والاتصالات، إذ تتصف مخرجات البحث والتطوير التقانية العراقية بمحدوديتها وتدني نوعيتها ومحدودية استخدامها أيضا. وهو أمر يعود إلى: الظروف الصعبة التي مر بها العراق. فعلى سبيل المثال، فان العراق لم يسجل أية علامة من بين العلامات الأربع والعشرين التي حققتها الأقطار العربية طبقا لبيانات مكتب العلامات التجارية الأمريكي.

وهناك سبب يدور مدار النتيجة، وهو وجود خلل جوهري بين سوق العمل وعملية التنمية من جهة وناتج التعليم من جهة ثانية. ينعكس في ضعف إنتاجية العمالة ووهن العائد الاقتصادي والاجتماعي على التعليم في الاقتصاد. فلا غرابة أن تتفشى البطالة بين المتعلمين، ولا يمارس العاملون منهم أعمالا تقع ضمن اختصاصاتهم وتتدهور الأجور الحقيقية للغالبية العظمى منهم. ففي الوقت الذي نجد أن ناتج النظام التعليمي لا يستجيب على نحو مناسب لطلب سوق العمل، يعجز هذا النظام على تزويد الطلاب بالمهارات الضرورية والكافية التي يطلبها أرباب العمل ويتزايد طلب سوق العمل عليها. الأمر الذي يقلل الطلب على المتخرجين الشباب، فترتفع معدلات البطالة بينهم.

إن تدني نوعية التعليم، ومحدودية برامج التدريب والتأهيل تعمل على زيادة الصعوبات بالنسبة للوافدين الجدد للحصول على عمل منتج. فلا غرابة أن ترتفع أعداد المتعلمين الباحثين عن عمل في ظل افتقارهم الخبرة للحصول على أعمال مناسبة. الأمر الذي يشكل تحدا بنيويا للحكومة بالذات، ويفرض عليها زيادة الاهتمام بتحسين نوعية التعليم وتزويد الطلاب بالمزيد من المهارات والمؤهلات الفنية، وبخاصة مهارات تكنولوجيا المعلومات التي تعتبر المنتج الرئيس للفرص الاقتصادية في عالم اليوم.

        وعلى ما يبدو إن العراق بحاجة ماسة إلى الخبرة والتقانة الأجنبية لإعادة إعمار البنية التحتية وتطوير نظم الإنتاج الوطنية، مما يحتم إتاحة مناخ اقتصادي ملائم للاستثمار الأجنبي بهدف استغلال أفضل للموارد المتاحة. هذه الضرورة تحتم وضع أسس قانونية لعلاقات جديدة مع الشركات متعدية الجنسيات تستلزم إعادة النظر في حقوق العمل والإنتاج.

تراجعت نوعية التعليم في العراق بشكل مستمر سيما خلال ربع القرن الماضي، مدفوعة بظروف الحروب والحصار. ومع جمود المؤسسات التي تحكم نظام التعليم فانه قد فشل حتى في الحفاظ على مستويات هيئات التدريس ونوعيتها وتدهورت بشكل ملحوظ فتدني الأجور وقلة الاستثمارات في مجال التدريب والاعتماد على معلمين غير مؤهلين ودهور البنية التحتية المادية للمؤسسات التعليمية كلها أثرت سلبا على جودة التعليم في العراق. فشل نظام التعليم في العراق في الاستجابة لاحتياجات الجيلين الأخيرين. وبات قلة من الطلاب هم من تتاح لهم فرص اكتساب المهارات اللازمة لتأمين الحصول على عمل مجزًّ ومتناسب مع مهاراتهم. لذا فان أعدادا متزايدة من الخريجين كانت تدخل في دائرة البطالة والفقر. فلم يتمكن نظام التعليم من إنتاج خريجين مؤهلين للعمل، ولم يفلح في إكساب الطلاب المهارات التي يحتاج إليها القطاعين العام والخاص بالتوافق مع مقتضيات التنمية الاقتصادية. وابتعد كثيرا عن تعزيز القدرات الإبداعية. وتمظهر ذلك الفشل في صورة معدلات عالية للبطالة والعمالة الناقصة، وبخاصة بين الخريجين والداخلين الجدد في سوق العمل، والنقص الواضح في المهارات وهبوط الإنتاجية. وفي ظل معدلات النمو السكاني العالية وزيادة عمالة النساء فان جانب العرض من سوق العمل يميل إلى الزيادة بما يفاقم مشكلة الخريجين الجدد. لذا فان معالجة هذا الواقع تعد أمرا ضروريا في إطار البناء المقصود.

 

الجدول (7)

نسبة الالتحاق الإجمالي والصافي في المدارس الابتدائية والمتوسطة والإعدادية لعام 2004

مستوى المدارس

الالتحاق الإجمالي

الالتحاق الصافي

المجموع

الجنس

المنطقة

المجموع

الجنس

المنطقة

ذكور

إناث

ريف

حضر

ذكور

إناث

ريف

حضر

المدارس الابتدائية

102

109

94

107

89

79

83

75

69

83

المدارس المتوسطة

64

73

55

38

74

41

47

36

25

47

المدارس الإعدادية

36

40

32

18

42

36

40

32

18

42

                       

الجدول من إعداد الباحثين بالاعتماد على: وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، الجزء الأول: تقرير الجداول، ص90-97

 

الشكل (3)

المعدل الصافي للالتحاق بالتعليم الابتدائي في العراق

 


 

الشكل من إعداد الباحثين بالاستناد إلى البيانات الواردة في : تقرير مؤشرات رصد الأهداف الإنمائية للألفية، ص5

 

الشكل(4)

معدل الالتحاق الكلي بالتعليم في العراق 2004

الشكل من إعداد الباحثين بالاستناد إلى البيانات الواردة في: وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، الجزء الثاني: التقرير التحليلي، ص94

 

إن أحد الأهداف الرئيسة للتعليم يجب أن يكون تمكين الناس من الوصول إلى عمل لائق. فالعمالة هي الوسيلة التي تترجم من خلالها عملية التعليم إلى نمو وتوزيع منصف لعوائد هذا النمو. وعندما تنقطع الصلة بين التعليم والعمالة تهدر الموارد وتتقلص العوائد على التعليم. يعد التعليم واحدا من أقوى الأسلحة ضد الفقر والبطالة، لذا فان استهداف القضاء على الفقر ينبغي له أن يهتم بتوفير التعليم الجيد القادر على تخفيف وطأة الفقر وتقليص حجم البطالة.

أن على النظام التعليمي في العراق أن يتم الوصول إلى شمولية التعليم الأساسي، كما يجب على الحكومة تسهيل الوصول إلى المدارس في المناطق الريفية، وتحسين نوعية التعليم بزيادة رواتب المعلمين وتعزيز تدريب المعلمين، وتجديد المناهج في جميع المراحل. كما يجب إعطاء أهمية خاصة لتعليم الفتيات خاصة القاطنات في المناطق الريفية والمحافظات التي ترتفع فيها معدلات الأمية لدى النساء([65]). على إن الاستجابة الحاسمة للتعليم في العراق لا تقتصر على إشاعة المعرفة بالقراءة والكتابة فقط، وإنما يتعين أن تعطى الأولوية للأهداف التالية: القضاء على الأمية، رفع جودة التعليم، وتوفير فرص التعلم مدى الحياة لجميع الناس.

           

تدهور التعليم العالي

يدعم التعليم العالي بقية النظام التعليمي عبر تدريب المعلمين ومسؤولي المدارس (التربويين)، وإشراك المختصين من مؤسسات التعليم العالي في وضع المناهج وفي البحوث التربوية، ووضع معايير الدخول (admission criteria)- أو القبول- التي تؤثر على مضمون التعليم وطرائقه وعلى التعلم على المستوى الثانوي([66]). من جهة أخرى يسهل التعليم العالي بناء الأمة بتعزيز أكبر للتماسك الاجتماعي والثقة بالمؤسسات الاجتماعية والمشاكل الديمقراطية والحوار المفتوح واحترام التنوع في النوع الاجتماعي والاثنية والدين والطبقة الاجتماعية([67]). كما يضطلع التعليم العالي بدور رئيس في دعم التعليمين الأساسي والثانوي، باحتضانه الآثار الخارجية الناجمة عن هذين المستويين المنخفضين. فالتعليم العالي المحسن ضروري لإحداث تقدم مستمر في التعليم الأساسي. فاحتياطي المعلمين ومسؤولي المدارس المؤهلين والقدرة على وضع المنهج وتصميمه والبحث في حقلي التعليم والتعلم والتحليل الاقتصادي والإدارة([68]).

 

ارتفاع معدلات البطالة والفقر

ترتبط قضية البطالة بالفقر ارتباطا وثيقا وواضحا بازدياد مستويات الفقر، وتشكل العلاقة بينهما تحديا كبيرا للتنمية البشرية في العراق. وبخاصة وان الأسباب الهيكلية للبطالة في البلد تكمن في نمط النمو الاقتصادي المتمحور حول استغلال النفط وفي خصائص قوة العمل التي ترتفع ضمنها نسبة الشباب في وقت تفتقر إلى التدريب اللازم لتلبية احتياجات سوق العمل. حيث يمتاز هذا السوق بالاعتماد شبه التام على القطاع العام في خلق فرص العمل، إضافة إلى نتائج الحروب والحصار وتحديات الأمن والإرهاب([69]). وقد وصلت البطالة في جميع محافظات العراق إلى مستويات تتجاوز 18 في المائة، أي حوالي 1.359 مليون شخص. في حين يبلغ معدل البطالة بين الشبان 33.4 في المائة([70]). وفي بغداد يصل المعدل إلى 22 في المائة.

يرجع تفاقم البطالة في العراق إلى العديد من العوامل أهمها؛ زيادة السكان في ظل سوء التخطيط الاقتصادي وبالتحديد سوء تخطيط القوى البشرية، وضعف مستوى التأهيل لمن هم في سن العمل، وتخلي الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين وتشجيع القطاع الحكومي، وسوء التخطيط التعليمي وعدم ربط المؤسسات التعليمية بسوق العمل وعدم قدرة القطاع الخاص على استيعاب القوى، وتقدر الطالة في العراق في بعض الإحصاءات بحوالي 60 في المائة عام 2003 من مجموع القوى العاملة. وقد أظهرت نتائج مسح التشغيل والبطالة لسنة 2004 إن معدل البطالة للفئة العمرية (15 – 24) سنة حوالي 43.8 في المائة منها 46 بالنسبة للذكور، و 37.2 في المائة للإناث([71]). وتعتبر البطالة واحدة من أخطر المشاكل التي يواجهها العراق الآن، إن لم تكن أخطرها على الإطلاق، ففضلا عن إن ارتفاع عدد العاطلين عن العمل يمثل هدرا في عنصر العمل البشري، فأن نتائجها الاجتماعية الخطيرة هي المسألة الأكثر حساسية. إذ تعتبر البطالة البيئة الخصبة والمؤاتية لنمو الجريمة والتطرف وأعمال العنف، إضافة إلى أن ارتفاع البطالة يعني انعدام إمكانية الحصول على الدخل، مع ما يترتب على ذلك من خفض مستوى المعيشة ونمو عدد من يقعون تحت خط الفقر([72]).

ومع عدم قدرة الاقتصاد على توليد وظائف جديدة في القطاعين العام والخاص، فانه ينبغي على الحكومة أن تزيد من الاهتمام بتشجيع خلق الوظائف، وتعزيز المهارات والتدريب وبخاصة لدى الشباب، فضلا عن وضع خطط اقراضية محابية للفقراء، واستجلاب تقانات منخفضة التكلفة، وتسهيل الوصول إلى المعرفة ومعلومات السوق.

وطبقا لنتائج مسوحات التشغيل والبطالة فان معدل البطالة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر في العراق (عدا منطقة كردستان) بلغ 28.1 و 26.8 في المائة لكلا الجنسين في عامي 2003و 2004 على التوالي. وكلا النسبتين تشيران إلى إن عدد العاطلين عن العمل يتجاوز المليون ونصف المليون عاطل نسبة الإناث منهم أقل من العُشر. كما تفضح المسوحات التفاوت الصارخ بين معدلات البطالة بين المحافظات حيث تأتي محافظة ذي قار في مقدمة المحافظات ذات البطالة المرتفعة(أكثر من 46 في المائة)، في حسن سجلت أدنى المعدلات في كربلاء (14 في المائة) عام 2003 والبصرة (10.5 في المائة) عام 2004([73]).

 


الجدول (8)

خصائص البطالة في العراق 2004

توزيع البطالة حسب الجنس ومكان الإقامة

 

التعريف القياسي

التعريف المتراخي

 

ذكور

إناث

الحضر

الريف

المجموع

ذكور

إناث

الحضر

الريف

المجموع

معدل المساهمة في سوق العمل

--

--

--

--

40.9

--

--

--

--

44.9

البطالة (بالآلاف)

567716

141989

--

--

709705

1048435

310081

--

--

1358516

معدل البطالة (في المائة)

10.1

12.7

11.9

6.6

10.5

17.2

24.0

20.1

13.6

18.4

البطالة حسب الفئة العمرية

15-24

18.7

20.3

--

--

18.9

32.1

40.6

--

--

33.4

25-54

7.2

11.1

--

--

7.9

11.2

18.8

--

--

12.7

55-64

5.9

5.1

--

--

5.8

9.5

12.5

--

--

10.0

65 +

6.6

3.0

--

--

6.0

14.7

31.9

--

--

17.1

البطالة حسب المستوى التعليمي (الفئة العمرية 15-55 فأكثر)

لم يلتحق بالمدرسة مطلقا

7.2

--

--

--

6.4

15.7

--

--

--

15.4

لم يكمل المرحلة الابتدائية

12.3

--

--

--

12.4

21.4

--

--

--

22.6

الابتدائية

10.7

--

--

--

11.1

18.2

--

--

--

19.5

المتوسطة

10.0

--

--

--

11.0

16.1

--

--

--

18.5

الإعدادية

9.3(1)

--

--

--

9.4

14.4(1)

--

--

--

15.3

العالي

 --

--

--

--

11.2

--

--

--

--

16.6

(1) إعدادية وأعلى

تم إعداد الجدول بالاستناد إلى البيانات الواردة في: وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004

 

إن العمالة هي الآلية التي تترجم التعليم إلى نمو منصف موزع بشكل جيد، وبانقطاع الصلات بين التعليم والعمالة، تهدر موارد هامة وتتضاءل العوائد من التعليم. لذا فارتفاع نسبة البطالة بين الحاصلين على شهادات جامعية يعكس أزمة التعليم العالي في العراق. فنوعية التعليم في تراجع منذ الثمانينيات مع فشل المؤسسات التي تحكم نظام التعليم في تطوير مستويات هيئات التدريس والبنية التحتية المتعلقة بالتعلم والمناهج، أو حتى الحفاظ على المستويات نفسها ومنع تدهورها. والواقع أن حوافز هيئات التدريس ونوعيتها قد تدهورت مع اشتداد سنوات الحصار وما رافقها من موجات من التضخم الجامح وتدني مستويات الأجور الحقيقية وانعدام الاستثمار في مجال التدريب. فمعظم القوى العاملة العراقية كانت تلقت تعليما غير جيد، فباتوا غير قادرين على الاستقلال الفكري، ولم يتمكنوا من مواصلة التعلم إلى ما بعد الحدود التقليدية للتعليم المدرسي. كما أن التعليم في العراق فشل في تقديم مهارات سوق غير أكاديمية (كالتفكير الإبداعي، الابتكار، العمل الجماعي، الثقة بالذات، المبادرة، تحمل المسؤولية، الالتزام بالمواعيد، الأمانة...). لذا فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى طرق غير تقليدية في التدريس تضمن غرس هذه المهارات في مراحل مبكرة من عملية التعلم. إن عدم توفر المهارات الجيدة، يعني استمرار تخلف رأس المال البشري في العراق، الأمر يمكن أن ينعكس على عمليات البناء وإعادة الإعمار من خلال الفشل في اجتذاب الاستثمار الأجنبي، وزيادة في حدة البطالة والفقر والتوتر الاجتماعي.

إن أولويات البناء ينبغي لها أن تضع في المقدمة أهداف من قبيل: القضاء على الأمية؛ رفع جودة التعليم الأساسي وبخاصة للإناث والفقراء؛ تعزيز التعليم الإعدادي في ميادين العلوم والهندسة؛ وتوفير فرص للتعلم مدى الحياة لجميع الناس.

ينبغي أن تنصب جهود التخفيف من حدة الفقر على معالجة الأسباب البنيوية للبطالة، ومعالجة أسباب نقص فرص العمل أمام القوى العاملة. على أن يجري العمل على تنويع الاقتصاد العراقي ليمتد إلى قطاعات كثيفة الاستخدام للأيدي العاملة. وينبغي أن تستهدف السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفئات ذات الدخل المنخفض، وتوليد فرص اقتصادية أفضل في المناطق الريفية الفقيرة، وتعزيز الرعاية الاجتماعية، وتشجيع العمالة وتكافؤ الفرص. كما يجب على الحكومة أن تبادر إلى وضع وتنفيذ استراتيجية تدريبية وتعليمية قادرة على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل. تعمل خلالها على تحسين نوعية الموارد البشرية على  أن تتضمن المشاركة الفاعلة للقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

يتوجب على النظام التعليمي استهداف العاطلين عن العمل إضافة إلى الفئات المهمشة الأخرى. ولهذا يجب تنفيذ برامج لإعادة تدريب العمال وإعادة تأهيلهم. ويجب أن تركز هذه البرامج على الفئات المعرضة لخطر الفقر، أي العمال غير المهرة والنساء. فهذه الفئات لا تملك المهارات التي تمكنها من المنافسة في سوق العمل.

إن مكافحة الفقر تمثل تحديا حاسما في عمليات البناء وإعادة الإعمار في العراق. ويمكن القيام بذلك عن طريق ضمان النمو الاقتصادي وخلق فرص العمالة. إن تحقيق الترابط بين الأنظمة التعليمية واحتياجات أسواق العمل لا يمكن حله إلا عن طريق صياغة برامج التنمية البشرية وتنفيذ سياسات محلية تتعلق بسوق العمل تعتمد على اكتساب المهارات. لذا فلا مناص من إنشاء نظام لتقييم العملية التعليمية والبرامج المتصلة بها.

 

انتهاك الحريات وحقوق الإنسان

كانت الصراعات القومية والاثنية والطائفية إحدى بؤر العنف التي أسهمت بإنتاج التوتر منذ ما يقرب من أربعة عقود من الزمن. فقد واجهت المجموعات الاثنية والطائفية صورا واسعة من أشكال العنف، للجم مشاعرها وانتمائها. فقد واجهت الطائفة الشيعية ومؤسساتها عمليات تمييز وقمع شديدين انعكست في ميادين التنمية والنشاط السياسي والإداري والاقتصادي، وتعمقت تلك السياسات بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وأحداث آذار/ مارس 1991. ويمثل الموقف من سكان اهوار الجنوب والجنوب بشكل عام وعمليات التهجير وتغيير التركيب الديمغرافي نماذج متنوعة لتلك السياسات. وواجهت السياسات نفسها طائفة الكرد الفيلية، والتركمان والاكراد والتجمعات المسيحية([74]). إن ما يميز العنف الطائفي والاثني تعميقه لحالة الانقسامات بين المجموعات وانغلاقها، فهو يفضي إلى إحداث انكسار في القضية الوطنية، والى سوء التوزيع الوظيفي وموارد التنمية للسكان، والاحتقان الاجتماعي المستمر وبالتالي إلى أزمات سياسية متواصلة. وتوفر تلك الاحتقانات الاجتماعية المناخ الملائم لتعميق الأصولية الاثنية، التي يمكن أن ترجع القهقرى بالإنسان إلى أطوار غابرة، وتحول الصراع السياسي والمطالبة بالحقوق إلى لون داكن بتحويل الهوية الوطنية إلى هوية طائفية وقومية وعرقية. كما أن تزايد الضغط  على تلك المجاميع يفتح خطوط الاحتكاك مع أطراف اقليمية ودولية ذات امتداد وارتباطات اثنية وعرقية وقومية مشتركة . ومما هو جدير بالاهتمام أن نسبة الهجرات المتنوعة قد أدت إلى أن بعض المذاهب أو المجموعات الاثنية مهددة بالانقراض، أو تضاؤل عدد المتبقين منها في الوطن. فأعداد المسيحيين والصابئة في الخارج يقارب إن لم يكن يفوق أعدادهم في الداخل. وما يميز العنف أنه لا يفق عند سقف معين، بل أنه تطور على الدوام بابتداع طرق جديدة من تراث الماضي السحيق أو من إبداع العصر التكنولوجي الحديث. وشهدت المرحلة ما بعد آذار/ مارس 1991، التوجه الحثيث نحو طرق انتقامية شديدة الأثر. فقد جففت ثلثا الاهوار الجنوبية، وحولت أراضيها إلى صحراء، وابتكر قانون بتر الأذن والأيدي والتوشيم على الوجه والجباه بعلامة (X) للجنود الرافضين للخدمة العسكرية. ووفقا لتقرير المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بملف حقوق الإنسان في العراق، واستنادا لشهادة عدد من الأطباء من أن عمليات قطع (بتر) الآذان والتوشيم، قد تركزت على الجنود الهاربين من أبناء الاهوار من محافظتي ذي قار والبصرة. ففي شهر كانون الثاني/ يناير من عام 1995 تم إجراء 150 عملية قطع للآذان والتوشيم في ظروف لا تتوفر فيها أدنى حدود الخدمات الصحية للمعذبين، حيث تجري للضحية عملية تخدير عام، وتبقى في سن المستشفى دون علاج مناسب لبضعة أسابيع، وفي أفضل الحالات تجري عمليات تضميد بسيطة لأولئك الجنود. وكثيرا ما تحصل التهابات ومضاعفات تنتهي إلى الوفاة بسبب الإهمال([75]).

        بعد أن وضعت العمليات العسكرية الأساسية أوزارها في 9 نيسان 2003، سادت أخلاقيات مميزة بعد الحرب، إذ غلب على المجتمع العراقي إيمان بأن الحرية هي الفردية الفضفاضة، وكان ذلك رد فعل طبيعي للكبت الذي عاشه العراقيون أبان الحكم القمعي، فكان المجتمع فوضويا ومجتمع حرية غير منظمة، وجرى تحول تام في المجتمع العراقي لا ينطوي على طبيعة تشكيلة الشعب فحسب، بل وعلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي بات يعيشها العراقيون. ورغم أهمية هذا التحول في تحقيق طفرة لصالح حقوق الإنسان في العراق. إلا أن هذا الرحم الذي نما فيه هذا التحول والذي جاء بعده وهو الفكر البرجماتي- والذي يرتكز على النتائج المتوخاة من العمل دون أن يعترف بأيديولوجية مثالية محددة ومسبقة([76])، لم يكن مذهباً محدد المعالم متماسك البناء، بل كان تيارا ينطوي على التنوع والتباين، ومع ذلك فلا يمكن التقليل من شأن البرجماتية الفكرية وتأثيرها على التحول الإنساني في العراق فهو مرحلة أولية على طريق مراحل ستبلغ غايتها مع انتهاء مراحل التحول الديمقراطي وترسيخ قواعد الديمقراطية في العراق.

        وبالرغم من إن الدستور العراقي الجديد قد اقر العديد من حقوق الإنسان، إلا إن تلك الحقوق لا يمكن اختزالها في شاكلة نصوص القانون، بل هي ارتباط مستمد من الصراع الوطني والتضحيات التي قدمها المناضلون من اجل الخلاص من الاسترقاق، ورفضهم الظلم الذي كان قد تشكل في علاقات اجتماعية موجهة.فحقوق الإنسان تبنع من إرادة العراقيون لمعنى القوة الجمعية التي مكنتهم في أن يكون لهم أدوارا سياسية، وأعني إن تلك الحقوق هي مطلب اجتماعي تظاهره قوة ووعي، فقبل أن يستند إلى أحكام دستورية كان ثمرة ومحصلة وتعبير لمجموع. فنقطة الحراك السياسي لمواجهة الطغيان مثلت نقطة الانطلاق في التأثير في الحريات من الداخل، فجاء الأثر الخارجي مكونا فرضاً تاليا لتراكم أنماط وسلوك المجموع ليكون ما يمكن أن نسمية بـ(( شرعنة التفريخ الأيديولوجي للسلوك الجمعي)) ([77])

 

التهجير القسري

        تطورت ظاهرة الهجرات المرتبطة بنقل أعداد كبيرة من السكان من موقع لآخر مما تفضي إلى إحداث تشويه للبنية الاجتماعية وتعقيد نمط حياتهم. وتجمع الدراسات على أن تغيير موقع السكن والإقامة، يسبب فقدان الأصدقاء والمدرسة والثقافة ولغة العمل والتقاليد وخصوصا للأسر المحافظة. وتتسم بيئة اللاجئين عموما بالتدهور، وكثيرا ما تعد النساء بين أكثر الضحايا بسبب من مسؤوليتهن المزدوجة في الحياة المنزلية وأعباء الأسرة([78]).

        بدأت عمليات التهجير في العراق بتلك التي تعرض لها الشعب الكردي عام 1976، إذ بلغ عدد القرى المهجرة حتى عام 1979 ألفي قرية. تلتها حملة أخرى عام 1985 حين هجر سكان 360 قرية وتم إبعادهم إلى صحارى محافظة الرمادي، وفي عام 1987 تواصلت عمليات تهجير وتدمير القرى والقصبات لمئات القرى والقصبات الكردية والآشورية، ودمرت وأحرقت المزروعات والبساتين وردمت ينابيع المياه بالاسمنت المسلح، ضمن سياسة الأرض المحروقة. واجبر السكان للإقامة في أطراف المدن في قرى ومجمعات خاصة موضوعة تحت المراقبة([79]). 

        كما طال التهجير أهوار الجنوب، إذ تعرض سكانها إلى حملات عسكرية واسعة النطاق، ففي عام 1988 وعند نهاية الحرب العراقية الإيرانية كان يقطن المنطقة مئات الألوف من المواطنين مستفيدين من خصائصها الطبيعية، غير أن غالبيتهم قد تعرضوا لعمليات التهجير المنظمة في صحارى الرمادي أو أجبروا على العيش في معسكرات اللاجئين على الحدود الإيرانية في ظروف تتسم بالقسوة الشديدة. ووفقا لمصادر منظمة العفو الدولية فان بضعة ألاف من أبناء محافظات البصرة والناصرية والعمارة، لم تعرف مصائرهم ([80]).

ولأسباب عدة منها الحظر الاقتصادي، وأحوال نقص الغذاء والدواء واتساع ظاهرة البطالة والتضخم تضخمت أعداد اللاجئين العراقيين في العالم، ومن بين تلك الحشود البشرية المهاجرة آلاف من المثقفين من فنانين وشعراء وكتاب وأغلب الصحفيين والألوف من العلماء والباحثين والأطباء والمهندسين والفنيين. وتقدر نسبة الهجرة في العراق بـ (1:6) ولا يتقدم عليها سوى البلدان المنكوبة بالحروب الأهلية (أفغانستان ورواندا)([81]).

ومنذ بداية عام 2004 بدأ العراق يشهد عمليات منهجية ومنظمة لتهجير قسري قائم على أساس الهوية الطائفية والعرقية في العراق. إن التهجير القسري المنظم والممنهج ينطوي على أغراض تتلخص بمحاولة تصنيع خطوط تماس عرقية وطائفية تعزل العراقيين فيما بينهم على أساس الهوية الطائفية والعرقية ضمن مناطق محددة تمهيدا لتوفير المناخ المناسب والأرضية الخصبة لحرب أهلية حاضرة وقادمة وبالتالي فرض تقسيم وحدة العراق. إذ أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن إن اعدد النازحين والمهجرين يزداد «بشكل كبير» مع عدم وجود مؤشرات على نهاية العنف في العراق أو إيقاف عمليات التهجير القسري ومحذرة من احتمال تردي الأوضاع المعيشية للمهجرين مع اقتراب فصل الشتاء. وأضافت المنظمة التي تقوم بمتابعة وتقييم النازحين في العراق بالتعاون مع وزارة الهجرة والمهجرين إن اعدد النازحين والمهجرين قسريا نتيجة العنف ومنذ أحداث سامراء في شباط/ فبراير 2006 وصل إلى ما يقارب مئة وتسعين ألف وبمعدل تسعة آلاف نازح أسبوعيا، وان النزوح يبدو أنه يتحول بشكل متزايد إلى استيطان دائم وهناك حاجة ملحة لإيجاد حلول تتعلق بالمأوى والتشغيل لهذه العائلات.

 

الخاتمة

        إن صورة التنمية البشرية في العراق كما عرضتها الصفحات السابقة، هي صورة قاتمة لتدهور الأوضاع في كافة مجالات التنمية البشرية دون استثناء، فلم يسلم جانب من جوانبها من أن تناله يد الضرر، لذا فان التدهور في أوضاع التنمية البشرية يعكس الوضع المأساوي الذي وصل إليه البشر في العراق رغم أنه يعد ثاني أغنى بلد بالنفط في العالم، وفي الوقت الذي تمكنت فيه بلدان كانت ثروتها الطبيعية والبشرية أقل مما لدى العراق، فان سوء إدارة التنمية والتورط في الحروب والنزاعات الداخلية والخارجية ترك أثاره المدمرة على أوضاع التنمية بكل جوانبها، فكان حصة التنمية البشرية من التدمير أكبر من غيرها محسوبة بضخامة النزف البشري طوال العقود الماضية وحتى اليوم وتفاقم أوضاع الإنسان الصحية والمعيشية والاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية والروحية.

        إن إصلاح أوضاع التنمية البشرية والنهوض بمؤشراتها نحو التحسن ومجارات التقدم الهائل الذي حققته البلدان العربية والشرق أوسطية في ميادين التنمية البشرية يستلزم تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني نحو تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو إعادة بناء الإنسان العراقي كشرط مسبق لعملية إعادة البناء والإعمار المادي.

 


الهوامش والمصادر

 



([1]) The Economist Intelligence Unit. Country Profile. Iraq. 1999-2000 London

([2]) سالم توفيق النجفي، التنمية الاقتصادية في العراق: الحاضر والمستقبل، في: احتلال العراق وتداعياته عربيا وإقليميا ودوليا: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، أحمد يوسف أحمد [وآخرون]، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004، ص 866-867

([3]) نبيل النواب، الجهود العربية في تبني مفاهيم وإعداد تقارير التنمية البشرية المستدامة (تجربة سلطنة عمان)، ندوة دراسات في التنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي، الطبعة الأولى، بيت الحكمة، بغداد، 2001، ص 356

([4]) ورد في علي حنوش، العراق: مشكلات الحاضر وخيارات المستقبل (دراسة تحليلية عن مستويات تلوث البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية)، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2000، ص 158

(([5] المصدر السابق نفسه، ص 24- 25

(([6] انظر: المصدر السابق، الجدول 36

([7]) سالم توفيق النجفي، المصدر السابق، ص 864

([8]) علي حنوش، المصدر السابق، ص 157

([9]) سعد ناجي جواد، الوضع العراقي عشية الحرب، في: احتلال العراق وتداعياته عربيا وإقليميا ودوليا: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، أحمد يوسف أحمد [وآخرون]، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004، ص 219

([10]) جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الاعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، ستراتيجية التنمية الوطنية (2005-2007)، حزيران- 2005، (طبعة أولية)، المربع رقم (2)، ص 19

([11]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، الجزء الثاني: التقرير التحليلي، ص113

([12]) أول وزيرة هي نزيهة الدليمي إبان حكم عبد الكريم قاسم.

([13]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المصدر السابق نفسه، ص 121-122

([14]) المصدر السابق نفسه، ص 135

([15]) المصدر السابق نفسه، الجدول (8-29)، ص 135

([16]) ذلك انه من أصل 435467 لا تملك النساء سوى 21566 حيازة. في حين سجلت محافظة التأميم أعلى نسبة لامتلاك النساء للحيازات الزراعية 10.07 تليها نينوى 9.29 . في كانت نساء الأنبار هي الأدنى من حيث امتلاك الحيازات الزراعية، وبنسبة 1.46 في المائة. النسب محتسبة من: وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، مديرية الإحصاء الزراعي، تقرير التعداد الزراعي الشامل لسنة 2001، كانون الأول 2005، الجدول رقم 17، ص 26

(([17] المصدر السابق، محتسب من الجدول رقم (21)، ص 32

([18]) أيفون يزبك حداد وجون ل. اسبوزيتو [تحرير]، الإسلام والجنوسة والتغير الاجتماعي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2003، ص 227

(([19]  وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المصدر السابق نفسه، ص 122

([20]) المصدر السابق نفسه، ص 103

(([21] المصدر السابق نفسه، ص 110

(([22] علي حنوش، المصدر السابق، ص 147

([23]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المصدر السابق نفسه، ص 81

([24]) المصدر السابق نفسه، ص82

(([25] كاظم المقدادي، التأثيرات الصحية والبيئية للحرب على العراق، المستقبل العربي، السنة (26)، العدد (300)، شباط/ فبراير 2004، ص 27-42

([26]) المصدر السابق نفسه، ص 81

([27]) المصدر السابق نفسه، ص 57

([28]) تيم نبلوك، العقوبات والمنبوذون في الشرق الأوسط: العراق – ليبيا – السودان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2001،ص 86

([29]) جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 46

([30]) المصدر السابق نفسه، ص 47

([31]) المصدر السابق نفسه، ص 164

([32]) جمعية الأمل العراقية من أجل خير الإنسان، لمحات عن أوضاع الفقر في العراق، في: التنمية الاجتماعية: الخطوة التالية في جنيف 2000، شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، بيروت، 2000، ص 83

([33]) علي حنوش، المصدر السابق، ص 156

(([34] المصدر السابق، ص 156

([35])المصدر السابق، ص 156-157

([36]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المصدر السابق نفسه، ص 81

(([37] جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الإعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، المصدر السابق نفسه، المربع رقم (2)، ص 19

([38]) علي حنوش، ص 150

([39]) الأمم المتحدة، الأهداف الإنمائية للألفية في المنطقة العربية 2005، ص 15

(([40] المصدر السابق نفسه، ص 18

([41]) علي حنوش المصدر السابق، ص 150

(([42]المصدر السابق نفسه، ص 151

([43]) المصدر السابق نفسه، ص 153

(([44] اللجنة الوزارية لإعداد ستراتيجية التنمية الوطنية، المصدر السابق، ص 23

([45]) علي حنوش، المصدر السابق، ص 71

(([46] اللجنة الوزارية لإعداد ستراتيجية التنمية الوطنية، المصدر السابق، ص 23

([47]) جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الإعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، ستراتيجية التنمية الوطنية (2005-2007 المصدر السابق نفسه، ص 38

(([48] المصدر السابق نفسه، جدول رقم (18)، ص37

([49]) المصدر السابق نفسه، جدول رقم (26)، ص49

(([50]الراصد الاجتماعي تقرير عام 2004: الخوف والعوز عقبتان في وجه الأمن الإنساني، ص 16

([51]) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية لعام 2005، ص 162

(([52] علي حنوش، المصدر السابق، ص 144

(([53]  المصدر السابق نفسه، ص 210

([54]) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المكتب الإقليمي للدول العربية، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2004، ص 33

(([55] جمهورية العراق، الهيئة الستراتيجية لإعادة الإعمار، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، ستراتيجية التنمية الوطنية (2005-2007 )، حزيران- 2005، ( طبعة أولية )، ص 39

([56]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، المصدر السابق نفسه، ص99

(([57] البيانات مأخوذة عن: الجهاز المركزي للتخطيط وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية.

([58]) مصدق جميل الحبيب، التعليم والتنمية الاقتصادية، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1981، ص 77

(([59] جمعية الأمل العراقية من أجل خير الإنسان، المصدر السابق، ص 82

([60]) أنطوان زحلان، العرب وتحديات العلم والتقانة: تقدم دون تغيير، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999، ص 168-206

([61]) المصدر السابق نفسه، ص 219-220

(([62] المصدر السابق نفسه، ص 229

([63]) مصدق جميل الحبيب، المصدر السابق، ص 84

(([64] وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، المصدر السابق نفسه، ص 91

([65]) المصدر السابق نفسه، ص 105

(([66] البنك الدولي، بناء مجتمعات المعرفة: التحديات الجديدة التي تواجه التعليم العالي، البنك الدولي، واشنطن العاصمة، 2002، ص xi

([67]) المصدر السابق، ص xii

(([68] المصدر السابق، ص xii

[69] انظر: حسن لطيف كاظم الزبيدي، الفقر في العراق: مقاربة من منظور التنمية البشرية، مجلة بحوث اقتصادية عربية (الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية ومركز دراسات الوحدة العربية: بيروت)، السنة (18)، العدد (38)، ربيع 2007، ص 104

([70]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004، المصدر السابق نفسه، ص 133

([71]) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، تقرير مؤشرات رصد الأهداف الإنمائية للألفية، ص 14، و ص 135 جدول (8-29)

(([72] ثامر محمود العاني، تعقيب، في: احتلال العراق وتداعياته عربيا وإقليميا ودوليا: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، المصدر السابق، ص 886

([73]) جمهورية العراق، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تقرير حول نتائج مسح التشغيل والبطالة لسنة 2003، كانون الثاني، 2004؛ وجمهورية العراق، وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، مديرية الإحصاء الاجتماعي، نتائج مسح التشغيل والبطالة/ المرحلة الثانية، النصف الأول لسنة 2004، كانون الأول 2004.

(([74] علي حنوش، المصدر السابق، ص 202

([75]) المصدر السابق، ص 202- 203

([76]) سلام فاضل المسعودي، الموجز في المصطلحات والمفاهيم لنظم الدولة، مؤسسة المعرفة الثقافية، بغداد، 2005، ص 24

([77]) انظر:عاطف لافي مرزوك،حقوق الإنسان والتنمية البشرية في العراق، بين التجربة الديمقراطية وأرث الماضي، نشرة التنمية البشرية، العدد(3)، بيت الحكمة، بغداد، آذار مارس 2006، ص3-5

([78])  علي حنوش،المصدر السابق، ص 214

([79]) المصدر السابق، ص 214

(([80] المصدر السابق، ص 215

([81]) المصدر السابق، ص217

الأكثر مشاهدة