الموازنة العامة الاتحادية 2012: قراءة من منظور اقتصادي

بواسطة عدد المشاهدات : 472995
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الموازنة العامة الاتحادية 2012: قراءة من منظور اقتصادي

قراءة نقدية لاسس اعداد الموازنة العامة في العراق

الموازنة العامة الاتحادية 2012: قراءة من منظور اقتصادي

 

د. حسن لطيف الزبيدي

 

الإطار المفاهيمي للدور التنموي للمالية العامة

 مفهوم الموازنة باختلاف العلوم

ظهرت الموازنة العامة عملياً بظهور الدولة، وعرفت عدة تطورات قبل أن تأخذ شكلها ومضمونها الحديث. فقد تأثرت فلسفتها خلال حقب تطورها بالمذاهب الاقتصادية والسياسية السائدة، وتصورها لطبيعة الدولة ودورها الاقتصادي والاجتماعي.

· الموازنة المالية (إداريا): ينظر إليها على أنها توزيع المسؤوليات المختلفة المتعلقة باتخاذ القرارات في إطار طبيعة العلاقات السياسية القائمة بين سلطات الدولة، فهي مجموعة من القواعد الإدارية التي تنظم العلاقة بين المستويات المختلفة لإدارة السلطة التنفيذية.

·  الموازنة العامة (محاسبيا): فهي جداول الأرقام التي تتعلق بالاعتمادات المقدر إنفاقها والإيرادات المتوقع تحصيلها..

· الموازنة العامة (قانونيا): هي الأداة التي تمكن السلطة التشريعية من فرض رقابتها على السلطة التنفيذية، فهي الصيغة التشريعية التي تقدر بموجبها أعباء الدولة المالية ووارداتها ويؤذن بها ويقررها البرلمان في قانون الموازنة الذي يعبر عن أهداف الحكومة الاقتصادية والمالية.

· الموازنة المالية (اقتصاديا): هي تقدير معتمد من السلطة التشريعية لنفقات الدولة وإيراداتها، عن مدة قادمة غالبا ما تكون سنة وتعبر عن الأهداف الاقتصادية للدولة..

 

والموازنة العامة عبارة عن وثيقة تصب في قالب مالي قوامه الأهداف والأرقام أما الأهداف فتعبر عما تعتزم الدولة القيام به من برامج ومشروعات خلال فترة زمنية محددة مقبلة، أما الأرقام فتعبر عما تعتزم الدولة إنفاقه على هذه الأهداف. وما تتوقع تحصيله من موارد من مختلف مصادر الإيراد خلال الفترة الزمنية المنوه عنها والتي تحدد عادة بسنة. 

 

وظائف الموازنة

تحقق الموازنة العامة عددا من الوظائف أهمها:

الوظيفة التنظيمية للموازنة العامة، إذ يجب أن تكون الموازنة الأمة منظمة بصورة منطقية وعقلانية، وتتصف بالوضوح والشفافية، بحيث أن التصرف بالمال العام يحقق أهدافا تتعلق بالسياسة الاقتصادية المحلية والدولية. وتتحقق هذه الوظيفة أصلا بالتقنية المستخدمة في نظام إعداد الموازنة وذلك من ناحية احتساب الإيرادات والنفقات، وكيفية تقديم ملخص عن الموازنة تكشف فيه العلاقات والروابط بين الإدارات العامة المختلفة عند تصرفها بالمال العام، وتأثير ذلك على جميع القطاعات في الاقتصاد الوطني.

الوظيفة السياسية: وحيث أن الموازنة العامة وثيقة سيادية، لأن التعليمات التي تضعها الإدارات والمصالح العامة تعبر ضمنيا عن سيادة الدولة.

الوظيفة الاقتصادية والتنموية: ذلك أن الموازنة تعبر عن قرار سياسي تتخذه السلطة، تستهدف من خلاله تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وسياسية، وستحدث آثارا مماثلة.

 

 

مراحل تطور السياسة المالية في العراق

تعبر السياسة المالية عن الدور الاقتصادي للدولة باستخدام السياسة الايرادية والسياسة الإنفاقية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الموضوعة من قبل الجهاز التنفيذي للدولة، وباستقراء التاريخ المالي للدولة العراقية ومنذ تشكلها فإنها مرت بادوار أربعة:

المرحلة الأولى: امتدت من عام 1921 لغاية 1958، إذ كان دورها تنظيمياً لمجريات الحياة الاقتصادية، وتوج هذا الدور في مجلس الأعمار الذي تشكل  في عام 1951.

المرحلة الثانية: فقد ابتدأت من نهاية المرحلة الأولى إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وكان دور الدولة فيها انمائياً ساعد في ترسيخه الزيادة في أسعار النفط وتكون فوائض مالية كبيرة استلزم معها القيام بهذا الدور، ووضعت ثلاث خطط خمسية فقط انتهت مع عام 1985، بعدها أصبحت الموازنات سنوية، إضافة إلى ذلك فإنها سعت إلى هذا الدور لتدعيم ديمومة بقائها، ولانعدام الديمقراطية فان الموازنات العامة للدولة كانت تُقر من قبل النظام وتصدر بقانون ملزم التنفيذ بالنسبة لمؤسسات الدولة.  وتجدر الإشارة إلى أن نشوب الحرب العراقية الإيرانية وما ترتب عليها من تغيرات اقتصادية ومجتمعية فرضت على الدولة التخلي عن هذا الدور في 1987، والقيام بتسريح موظفي القطاع العام بحجة ترشيق جهاز الدولة المتضخم فعلياً. لكن الظروف الاجتماعية كانت لا تسمح بهذا الإجراء، لكن القبضة الحديدية للنظام تجاوز المحنة التي سببتها سياسة الترشيق، ولهذا تحول الدور الاقتصادي للدولة إلى دور تصحيحي مغازلة بذلك المؤسسات الدولية المتمثلة بالصندوق والبنك الدوليين وبشكل غير مباشر. ولكن إفرازات الحرب تطلب من النظام التخلي من الدور الإنمائي إلى الدور التصحيحي.

المرحلة الثالثة: إلا أن الوضع لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما دخل النظام مغامرة جديدة، فادى غزو الكويت إلى فرض العقوبات الاقتصادية التي أثرت على كل نواحي الحياة، وهنا شهد التاريخ المالي المرحلة الثالثة التي امتدت ما بين عامي 1990-2003، التي اتسمت باشتداد العسر المالي ومحاولة الدولة الاعتماد على الايرادات المحلية، بعدما توقف الإيراد النفطي بفعل العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن الدولي. إلا إن الأمر كان أكثر سوءاً ازداد العجز في الموازنة بشكل كبير جداً ولم تغطي الإيرادات العامة سوى 12% من المصروفات في عام 1994 بعد أن كان 73.5% سنة 1987، ولتوقف صادرات النفط بسبب العقوبات الاقتصادية كان تمويل ذلك العجز يتم عن طريق الإصدار النقدي الذي ولد معدلات مرتفعة من التضخم إلى الحد الذي فقدت فيه النقود إحدى أهم وظائفها كمخزن للقيمة.

 

المرحلة الرابعة: وتبدأ مع انهيار النظام السابق، وتأسيس التجربة الديمقراطية، منذ عام 2003، والتي أدت إلى أحداث تغييرات بنيوية في الأسس والمؤسسات. إن الدمار الذي لحق بالاقتصاد العراقي جراء العمليات العسكرية التي أدت إلى سقوط النظام في 9 نيسان 3003 والإرث الاقتصادي الثقيل استلزم من الدولة أن تلعب دوراً انمائياً وتصحيحياً للنهوض بالاقتصاد العراقي، إلا أن المشكلة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي كانت عائقاً أمام السياسة المالية في تأدية وظائفها، إذ لازالت الموازنة تعتمد بشكل أساس على إيرادات النفط التي تشكل بالمتوسط 85% من مصادر تمويل الموازنة، إضافة إلى ان الموازنات لم تعد وفق الأطر الزمنية المقرة قانوناً.

مع ذلك فان هذه المرحلة تتوافق مع حقبة من الرخاء المالي نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام الأمر الذي يسر على نحو لافت إقرار موازنات ضخمة جدا.

 

 

الموازنة العامة في العراق: الإعداد والأهداف

جاء في القسم 6/1 من قانون الإدارة المالية ذي الرقم 94 لسنة 2004 بان يكون «إعداد الميزانية الفيدرالية في العراق على خطط التنمية الاقتصادية والسعي إلى استقرار الاقتصاد الكلي والسياسة الاقتصادية.....»[1] ويقوم وزير المالية بإعداد مشروع الميزانية الفيدرالية ويقدمه إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليها تقدم في 10 تشرين الأول من كل سنة إلى السلطة التشريعية لغرض المصادقة حسب القسم 6/7. كما ألزم القانون أن يتم التشاور مع وزير التخطيط حول الأولويات والتخمينات والتمويل وإجراءات إعداد خطة رأس المال.

كما أوضح القانون في القسم1 بإعطاء مبادئ الشفافية والشمولية والانسجام أهمية جوهرية في تهيئة الموازنة الفيدرالية للعراق والأمور المتصلة بها، وألزم في مبدأ الشفافية بان تنشر معلومات الموازنة وتقدم بطريقة تسهل التحليل وتعزز الثقة بها، إلا أن واقع الحال يشير إلى أن الموازنة تصدر إلى وسائل الإعلام أو تنشر بالمواقع الالكترونية بدون الجداول التفصيلية التي تسهل عملية التحليل والمناقشة العلمية لها وتقييمها تقيماً موضوعياً بغية تعميق العناصر الايجابية فيها وتجاوز السلبيات التي قد تغيب عن بال واضع الموازنة، وحدد قانون الإدارة المالية الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها الميزانية الفيدرالية التي يتطلب تحقيقها خلق البيئة السياسية الملائمة والقادرة على إدارة المال العام بكفاءة ونزاهة، وبالنظر للظروف التي يمر بها البلد فان الأمر يتطلب ضبط العلاقة بأحكام بين الموازنة ومجمل الفعاليات الاقتصادية التي يمكن إجمالها بالاتي[2]:

1- استقرار الاقتصاد الكلي

2- أداء الحكومة لواجباتها السيادية

3- النمو المستدام والحفاظ على الموارد الطبيعية وتنميتها

4- تنويع الاقتصاد

5- الاهتمام بالعدالة التوزيعية

6- تمويل قطاع الخدمات العامة

7- إعطاء أولوية لقطاع الطاقة وخاصة الكهرباء والمنتجات النفطية

 

تحليل اطر الموازنة الاتحادية 2012

تمثل الموازنة ترجمة لبرنامج الحكومة في مجال السياسة الاقتصادية والاجتماعية، لذا فهي المرآة العاكسة لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، ويتم هذا التدخل بواسطة السياسة الايرادية والسياسة الإنفاقية:

 

أولا: السياسة الايرادية

تعد الموازنة في العراق على أساس إيرادات النفط بشكل أساس، فقد تم احتساب إيرادات النفط لموازنة 2012  بسعر 83 دولار وبمعدل تصدير قدرها 2600 ألف برميل يومياً  وبإيراد إجمالي قدره 102.3 تريليون دينار عراقي على أساس سعر صرف مستقر قدره 1170 دينار/ دولار. والجدول (1) يوضح الإيرادات النفطية والكلية المخططة والفعلية للمدة 2006-2011.

 

جدول (3): الإيرادات النفطية والكلية المخططة والفعلية للمدة 2006-2012

مليار دينار

السنة

الإيرادات النفطية المخططة

1

الإيرادات النفطية الفعلية

2

نسبة

2/1

الإيرادات الكلية المخططة

3

الإيرادات الكلية الفعلية

4

نسبة

4/3

المخططة-الفعلية

2006

42106

46534

110.5

45392

49055

108.1

3663

2007

39092

51701

132.3

42065

54964

130.7

12899

2008

72893

75358

103.4

80476

54964

100

(25512)

2009

43070

48872

113.5

50408

55224

109.6

4816

2010

56050

71340

127.3

61735

77025*

124.8

15290

2011

71873

 

 

80935

 

 

 

2012

94.378

 

 

102.327

 

 

 

المصدر:  وزارة المالية، الدائرة الاقتصادية، دراسة حول تقييم وضع الموازنة العامة للأعوام (2006-2010)

-         مسودة قانون الموازنة العامة للدولة لعام 2011

·   لم نحصل على الإيرادات الفعلية الأخرى لذا تم افتراض تحصيلها بالكامل أضيفت إلى الإيرادات النفطية الفعلية لنحصل على الإيرادات الكلية.

 

إن الإيرادات المتحققة خلال المدة المذكورة هي اكبر من المخططة عدا عام 2008 الذي بلغت فيه النسبة 100%  وهذا يرجع إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية التي وصلت إلى أكثر من 140 دولار للبرميل الواحد عام 2007، في حين كانت أعلى نسبة تغطية هي عام 2007 التي بلغت 130.7% كما بلغت 124.8% عام  2010، فانتقل العراق من حالة كان يتمتع فيها بفائض مالي مريح إلى حالة العجز المالي الكبير في غضون أشهر قليلة، فبعد أن كانت فوائض العراق المالية تقدر بحدود 5.5 مليار دولار عام 2007 و1.5 مليار دولار عام 2008، قدر العجز المالي خلال عام 2009 بحوالي 15.3 مليار دولار، وقدر العجز بحوالي 5.3 مليار دولار عام 2010، نتيجة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية ما بين تموز وكانون الأول عام 2008، قبل البدء بالتحسن التدريجي خلال عام 2009، الأمر الذي أثر على مجمل إيرادات العراق، وأثر سلبا على الموازنة العامة، لذا فقد أدى التخوف من تذبذبات أسعار النفط إلى لجوء الحكومة إلى إعادة النظر بالموازنة لأكثر من مرة، أما عام 2011 فان التخوف لازال مستمراً وهذا له ما يبرره بسبب استمرار أثار الأزمة العالمية التي عصفت بالنظام الرأسمالي.

يتم احتساب إيرادات حصيلة مبيعات النفط الخام المصدر للموازنة العامة الاتحادية للسنوات (2006-2012) بالتنسيق مع وزارة النفط في ضوء خطة التصدير للوزارة حيث بلغ أجمالي التقديرات لتلك السنوات 253211.3 مليار دينار وعلى أساس تصدير الكميات المدرجة أدناه وبسعر بيع تقديري  وسعر صرف مبين إزائها.

 

جدول (4): تقديرات الإنتاج النفطي وأسعار بيع النفط العراقي وسعر صرف الدينار لأغراض الموازنة الاتحادية

السنة

النفط المصدر

مليون برميل/يوميا

السعر المتوقع

برميل/دولار

سعر الصرف

دينار/دولار

مخطط

فعلي

الفرق بين المخطط والفعلي

2006

1.65

1.5

-0.15

46.61

1500

2007

1.7

1.6

-0.1

50

1260

2008

1.7

1.9

0.2

57

1180

2009

2.0

1.8

-0.2

50

1180

2010

2.3

2.1

-0.2

62.5

1170

2011

2.3

2.1

-0.2

73

1170

2012

2.5

2.16

-0.34

85

1170

 

 

ومن خلال تحليل جدول الإيرادات وفق الحسابات الرئيسة لسنة 2012 يوضح الجدول التالي انخفاض الحصيلة المتأتية من المصادر الأخرى وخاصة الضرائب التي لم تنمو بشكل يؤدي إلى زيادة مساهمتها في تمويل الموازنة، إذ قدرت بـ 2372 مليار دينار في موازنة 2011 في حين قدرت بمبلغ قدره وبزيادة طفيفة جدا قدرها ثلاثة مليارات دينار وهي الزيادة نفسها التي تحققت وفق مخطط السنة السابقة، وهذه دلالة على تخلف الجهاز الضريبي وتفشي حالات الفساد الإداري والمالي[3].

 

ثانياً: النفقـات العامة

لقد أدت التغييرات في أسعار النفط إلى حدوث تعديل مالي حاد في موازنة عام 2009، فانخفض مجموع الإنفاق من  80306 مليون دينار عام 2008 إلى  66806 مليون دينار عام 2009، وكان معظم الانخفاض نتيجة انخفاض النفقات التشغيلية، رغم استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية، لمواجهة الإنفاق الإضافي على الأمن خلال عامي 2007 و2008.

بلغت النفقات العامة 117094 مليار دينار عراقي لسنة 2012 منها 79916 مليار دينار كنفقات تشغيلية وبأهمية نسبية 69%  و37177 مليار دينار كنفقات استثمارية، وتعد هذه الموازنة الأعلى في تاريخ العراق وقبل تتبع الآثار الاقتصادية للموازنة لابد من نظرة تحليلية على فقرات السياسة الإنفاقية التي يوضح مجملها الجدول (4).


 

الجدول (4): إجمالي التخصيصات والمصروفات الفعلية للموازنة الاتحادية 2006-2011

(مليون دينار)

 

السنة

النفقات التشغيلية

النفقات الاستثمارية

إجمالي التخصيصات

7

إجمالي المصروفات

8

نسبة التنفيذ المالي

9

التخصيص

1

المصروفات

2

نسبة التنفيذ المالي

3

التخصيص

4

المصروفات

5

نسبة التنفيذ المالي

6

2006

39486

32121

81

11477

6520

57

50963

38641

76

2007

38436

35209

92

15236

8412

55

53671

43621

81

2008

61100

56984

93

30584

23321

76

91683

80306

88

2009

54120

50887

94

15608

15919

102

69728

66806

96

2010

60993

--

--

24860

--

--

85853

--

--

2011

66596

--

--

30663

--

--

96663

--

--

2012

79916

--

--

37177

 

 

117094

--

--

 


يشير الجدول (4) إلى أن النفقات التشغيلية هي الأعلى خلال مدة الدراسة وبمعدل نمو قدره 20% عن عام 2011، وهذا يعني ضخ طلب فعال إلى دورة الاقتصاد بهذا القدر ولمحدودية الإنتاج وضعف مرونته فان هذا الطلب سيحول إلى زيادة في الاستيراد التي تمثل تسرب من دورة الدخل بشكل يؤدي إلى عمل المضاعف بشكل عكسي. أما النفقات الاستثمارية هي الأخرى نمت بمعدل 21% عن عام 2011 وهي نسبة جيدة في ظل متطلبات النهوض بالاقتصاد العراقي كونها تمثل التأثير على الطاقة الإنتاجية للبلد.

إن النظرة التحليلية تتطلب تحليل كل من النفقات التشغيلية والاستثمارية كل على حدة. يوضح الجدول (4) النفقات التشغيلية حسب الحسابات الرئيسة للموازنة العامة للدولة لسنة 2012،

الحساب

%

المشاريع وإعادة الأعمار

31.8

تعويضات الموظفين

27.2

السلع والخدمات

11.6

المصروفات الأخرى

8.5

الرواتب التقاعدية

7

منافع اجتماعية

4.9

الإعانات

2.6

المنح

2.4

الموجودات غير المالية

2.4

الفوائد

1.6

إجمالي الموازنة

100

 

 

 

 

 

 

 

 

إذ تشكل تعويضات المشتغلين نصف الموازنة التشغيلية وحوالي 27% من الموازنة الفيدرالية، ولا تقتصر تعويضات المشتغلين على الرواتب والأجور التي يستفيد منها حوالي 2.750.322 موظف ينبغي إضافة 7% أخرى تشمل الرواتب التقاعدية الذين يقدر عددهم بأكثر من مليونين ونصف والمساهمات الاجتماعية، وهذا يعني أن هناك خمسة ملايين ومائتان وخمسون ألف مستفيد، وإذا افترضنا إن متوسط العائلة العراقية خمسة أفراد فان هذا يدلل على أن أكثر من 26 مليون نسمة يستفيدون من الموازنة التشغيلية أي أن حوالي 80% من السكان، وهذا الحال  يشير إلى وجود البطالة المقنعة والترهل في الجهاز الحكومي الذي يحتاج إلى إعادة النظر فيه ولو بالأجل المتوسط إذ إن من الصعوبة المساس بتلك النفقات بالأجل القصير نتيجة للظروف العصيبة التي يمر بها الشعب العراقي المتمثلة بالفقر والبطالة[4].

إن الشق الآخر من النفقات العامة يتعلق بالإنفاق الاستثماري  الذي بلغ 37117 مليار دينار وهو يشكل حوالي 32% من إجمالي الموازنة العامة وهي نسبة مرتفعة من المنظور الاقتصادي، لكن الظروف التي مر بها البلد التي ولدت الدمار لبناه التحتية تتطلب المزيد من الاستثمارات وخاصة في مجال رأس المال الاجتماعي التي يعزف عنها الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي.  

 

التحليل القطاعي لنفقات الموازنة

استمرت موازنة عام 2012 في الحفاظ على التوجهات المالية منذ الموازنتين السابقتين، مع تعديل طفيف على بعض البنود مع انخفاض في قطاع الامن والدفاع من 18% الى 14.5%. ما بين عامي 2009 و 2012.

 

الانخفاض- الارتفاع

الأهمية النسبية %

تقديرات عام / 2012

القطاعــــات

+

17.5

20460.6

الطاقة

-

14.7

17169.32

الأمن والدفاع

 

13.3

15544.09

الخدمات الاجتماعية

 

10.8

12600.6

إقليم كردستان

+

9.8

11476.22

التربية والتعليم

 

8

9368.245

الالتزامات والمساهمات الدولية والديون

+

6.9

8048.781

الإدارات المحلية

+

4.9

5714.207

الصحة والبيئة

+

3.8

4414.817

الإدارات العامة المركزية

 

3.3

3869.674

الماء والمجاري والصرف الصحي

 

2.1

2408.56

القطاع الزراعي

 

2

2319.79

الثقافة والشباب والأندية

 

1.2

1424.394

القطاع الصناعي

 

1

1133.553

النقل والاتصالات

 

1

1142

التشييد والإسكان

 

100

117094.8

المجموع

 

 

 

قطاع الطاقة

 

%من موازنة القطاع

% من الموازنة العامة

إجمالي التخصيصات

 

100.0

17.5

20460594.721

قطاع الطاقة

68.2

11.92

13954189.3

·        وزارة النفط

31.8

5.56

6506405.364

·        وزارة الكهرباء

 

يعد قطاع الطاقة الأوفر حظا في موازنة عام 2012 بأهمية نسبية تبلغ 17.5 منها.

إن التخصيصات للقطاع النفطي قد نمت عن عام 2011 على الرغم من جولات التراخيص النفطية التي لم تظهر آثارها على زيادة الطاقة التصديرية لحد الآن كون أن الصادرات لم تتجاوز عتبة المليوني برميل لنهاية عام 2010.

 

ورغم أهمية هذا القطاع إلا أننا لسنا بحاجة إلى التدليل على الصعوبات التي يواجهها قطاع الكهرباء رغم استنزافه موارد هائلة ذلك أن:

·        1463 مليار ستخصص لوزارة الكهرباء (32%) من إجمالي تخصيصات قطاع الطاقة.

·   4181 مليار دينار كتعويضات لموظفي وزارة الكهرباء. (20.4%) عدد موظفي وزارة الكهرباء طبقا لبيانات 2009 حوالي 18290 موظفا لكنه في الجدول المرفق بالموازنة 1463 موظفا فقط!

·        568 مليار دينار ستخصص لاستيراد الطاقة الكهربائية من دول الجوار. (2.8%)

·        600 مليار دينار ستخصص لاستيراد الوقود لمحطات الطاقة الكهربائية. (2.9%)

إن التخصيصات الاستثمارية لقطاع الكهرباء قد زادت عن 2011 لتعكس الالتزام السياسي تجاه وقف تدهور قطاع الكهرباء وهذا له تأثيرات سلبية ليس على الاقتصاد فحسب بل على المجتمع.

 

الأمن والدفاع

 

إجمالي التخصيصات

% من الموازنة العامة

%من موازنة القطاع

الأمن والدفاع

17169315

14.66

100.0

مجلس الأمن الوطني

11429.87

0.01

0.1

مكتب القائد العام للقوات المسلحة

62800.23

0.05

0.4

جهاز المخابرات الوطني العراقي

223979.7

0.19

1.3

وزارة الدفاع

5327173

4.55

31.0

التسليح

1733535

1.48

10.1

وزارة الداخلية

9570998

8.17

55.7

مديرية نزع السلاح ودمج المليشيات

239399.5

0.20

1.4

 

وإذا ما نظرنا إلى تخصيصات الأجهزة الأمنية (التي تشمل هذه التخصيصات نفقات مكتب القائد العام للقوات المسلحة، مجلس الأمن الوطني، وزارة الداخلية، وزارة الدفاع وجهاز المخابرات الوطني) فقد بلغت تخصيصاتها الأجهزة  17169315 مليار دينار لسنة 2012 وتشكل حوالي 15% من أجمالي تخصيصات الموازنة العامة الاتحادية. وبلغت النفقات التشغيلية  16772485.481  مليار دينار أي حوالي 21% من إجمالي النفقات التشغيلية للموازنة العامة.

 

 

 

 

 

 

الخدمات الاجتماعية

 

 

إجمالي التخصيصات

% من الموازنة العامة

%من موازنة القطاع

الخدمات الاجتماعية

15544085

13.27

100.0

الرواتب والمكافآت التقاعدية

6825000

5.83

43.9

البطاقة التموينية ودعم الحنطة والشلب

5360000

4.58

34.5

شبكة الحماية الاجتماعية

959768.8

0.82

6.2

مؤسسة الشهداء مع مكتب المفتش العام

381543.5

0.33

2.5

مؤسسة السجناء مع مكتب المفتش العام

365208

0.31

2.3

زيادة رأسمال المصارف الحكومية وصندوق الإسكان

325000

0.28

2.1

تعويضات الضحايا

300000

0.26

1.9

العمل والشؤون الاجتماعية

241245.5

0.21

1.6

وزارة المهجرين والمهاجرين

234109.7

0.20

1.5

لجنة 140 من الدستور

172000

0.15

1.1

 هينة دعاوي الملكية العراقية مع مكتب المفتش العام

122839.3

0.10

0.8

وزارة التجارة

75147.26

0.06

0.5

 هيئة الحج والعمرة مع مكتب المفتش العام

50754.5

0.04

0.3

الرواتب التقاعدية للمشمولين بالضمان الاجتماعي

48300

0.04

0.3

حقوق الإنسان

31196.2

0.03

0.2

جمعية الهلال الأحمر العراقي

30150

0.03

0.2

بدلات العسكريين

15000

0.01

0.1

هيئة الأوراق المالية

6822.694

0.01

0.0

 

الدعم

ما يزال يشكل نسبة كبيرة من إجمالي الموازنة تصل إلى حوالي 25%، وحوالي 21% من الناتج المحلي الإجمالي.

·   البطاقة التموينية (4000 مليار دينار) رغم الاحتياج لتخصيص أكبر في ظل الفشل في إصلاح نظام البطاقة التموينية.

 

جدول : مخصصات دعم البطاقة التموينية في الموازنة العامة 2004-2012

السنة

مقدار دعم البطاقة التموينية (مليار دينار)

2004

6.000

2005

6.000

2006

4.500

2007

3.900

2008

6.985

2009

4.200

2010

3.500

2011

3.500

2012

4.000

 

·   الأدوية 1557 رغم الاحتياج لتخصيص أكبر في ظل الزيادة السكانية ذلك ان سكان العراق يزيدون بحوالي 600 ألف سنويا.

 

لقد أدرجت الحكومة ضمن أولوياتها معالجة الفقر، وتبنت إستراتيجية التخفيف من الفقر التي أقرت عام 2009([5])، رغم أنها تبنت منذ عام 2006  شبكة الحماية الاجتماعية الذي يمول من الموازنة العامة للدولة. إن تضمين الموازنة العامة الاتحادية ومنذ عام 2006 التخصيصات المالية اللازمة لصرف رواتب الشبكة من شأنه محاربة الفقر ومساعدة المتضررين من نتائج الإصلاحات الاقتصادية وبخاصة تلك التي ترتبط برفع أسعار المشتقات النفطية محليا. مع زيادة عدد الأسر أو الأفراد الذين تم شمولهم بالإعانات لتصبح بحدود (500) ألف أسرة.

 

 

شكل: تخصيصات (شبكة الحماية الاجتماعية ) في الموازنة العامة الاتحادية للسنوات (2006-2012) (مليار دينار)

تضمنت موازنة 2012 بندا خاصا بإنشاء مشاريع إسكان للفقراء توزع حسب عدد سكان كل محافظة تنفذ على أسا الدفع الأجل وبما لا يزيد عن 18 تريليون دينار.

 

التربية والتعليم

 

إجمالي التخصيصات

% من الموازنة العامة

%من موازنة القطاع

التربية والتعليم

11476224.54

9.80

100.0

وزارة التربية

8058235.708

6.88

70.2

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

3102382.634

2.65

27.0

العلوم والتكنولوجيا

183961.785

0.16

1.6

المبادرة التعليمية لدولة رئيس الوزراء

100000

0.09

0.9

كلية الإمام الأعظم

12345.203

0.01

0.1

كلية الإمام الكاظم

11858.339

0.01

0.1

المجمع العلمي

4770.885

0.004

0.04

الهيئة العراقية للسيطرة على المصادر المشعة

2669.984

0.002

0.023

 

رغم ضخامة التخصيصات الا انها ما تزال دون المستوى المطلوب وبخاصة في ظل فشل وزارة التربية في تنفيذ النفقات الاستثمارية واستمرار النقص في المدارس وظاهرة الازدواج المدرسي والمدارس الطينية


 قراءة نقدية للموازنة الفيدرالية

1-  يلزم قانون الإدارة المالية لسنة 2004 بان يتم إعداد الموازنة الفيدرالية وفق مبادئ الشفافية، إلا أن الملاحظ تصدر الموازنة وتناقش بدون الإعلان عن الجداول الملحقة بها ودون إظهار ديون الحكومة للسنتين السابقتين لإعداد الموازنة كما ورد في القسم /7 /2/ج من قانون الإدارة المالية. وهذا ما يعطي صورة ضبابية عن الوضع المالي، إضافة إلى ذلك إن الدراسات العلمية التي يمكن أن يستفيد منها المخطط المالي لا تكون بالمستوى المطلوب.

2-  لم تقر وتعد الموازنة بالتوقيتات المحددة لإعدادها وإقرارها، وهذا يعكس الصراع السياسي للنخب الحاكمة بعيداً عن مصالح الجمهور.

3- إن مصادر تمويل الموازنة يعتمد بشكل أساس على إيرادات النفط التي تكون متحصلاتها بالدولار وتقوم وزارة المالية ببيع الدولار إلى البنك المركزي العراقي للحصول على الدينار العراقي، وبما أن بعض المدفوعات تتم بالدولار مثل تعويضات الكويت البالغة 5% من إيرادات النفط ومدفوعات الفائدة والتزامات العراق الخارجية الأخرى.

4- إن الظروف التي يمر بها البلد والدمار الذي لحق به يتطلب ان يتم إعداد موازنة استثمارية منفصلة عن الموازنة التشغيلية، تلحق بها دراسة عن المشاريع المزمع إنشائها والمشاريع قيد التنفيذ ودراسات الجدوى الخاصة  بها. التي يجب ان تكون محكومة بضوابط صارمة فيما يتعلق بالسعر العادل وفترة التفريخ اللازمة لتحاشي تجميد النفقات الاستثمارية لمدة أطول. مع إعطاء أولوية لمشاريع الطاقة الكهربائية.

5- شكل الاستثمار في قطاع التعليم والتربية والعلوم والتكنولوجيا ما نسبته 1.2% من الإنفاق الاستثماري وبمبلغ 455.000  مليار دينار وهي نسبة منخفضة لا تتلاءم مع المرحلة التي يمر بها التي تتطلب مغادرة المدارس الطينية والدراسة التلقينية.

6-  بلغ الاستثمار في قطاعي الصناعة والزراعة 2828.559 مليار دينار وبنسبة 3.3%، وهذا دليل على تخلي الدولة من دورها في تنمية القطاعات الإنتاجية التي يفترض الاهتمام بها في الوقت الحاضر الذي أصبح فيه البلد يستورد ما يأكل ويشرب.

7-  رغم ضخامة مبالغ المنافع الاجتماعية إلا انه لم يتم تنظيم قانون لحد الآن حول أوجه التصرف بها وتصرف حسب تعليمات موازنة 2008.

8- من الأمور التي تلفت الانتباه في موازنة 2012 هو تخفيض احتياطي الطوارئ الذي يعد ضروريا لتأمين المدفوعات العاجلة وغير المتوقعة والذي حدد بموجب قانون الإدارة المالية بنسبة 5% من الموازنة وقد أعطي الوزير صلاحية زيادته إلى 10%، فقد انخفض لأدنى مستوى له منذ عام 2006، فقد بلغ 0.6% من إجمالي الموازنة، بعد أن وصل إلى ذروته عام 2008، عندما بلغ 3.6% من الموازنة الاتحادية، ليصل في موازنة 2012 إلى 2.12% فقط وبمبلغ إجمالي مقداره 250 مليار دينار.

 

الملاحظات على الموازنة

تقليدية الإعداد: ما تزال الموازنة الاتحادية تعد بالطريقة نفسها منذ حوالي قرن من الزمن، فلم يأخذ واضعوها باعتماد التقنيات الحديثة في إعدادها والابتعاد عن  موازنة البنود الى موازنة البرامج والأهداف.

الإعداد في ظل اليسر المالي: إن الموازنة الاتحادية منذ عام 2009 تنظم في ظل حالة من الوفرة المالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط الخام الأمر الذي جعل القائمين على الموازنة لا يواجهون صعوبة في تقدير إيرادات مرتفعة جدا والقبول بارتفاع مناظر في النفقات العامة. لذا فان أي تقويم للموازنة العامة يبدو غير واقعي طالما أن الموازنة لا توجه التحدي التقليدي المتمثل في معضلة تأمين الموارد المالية.

 

غموض الرؤى المستقبلية: رغم أن الموازنة تعكس رؤية الحكومة وأولوياتها واستراتيجياتها، لكن الواضح هو الانفصام بين السياسة الاقتصادية والموازنة العامة فهي تفتقر لوضوح الرؤية الإستراتيجية بقدر ما تعكس التعامل الآني وذي الاجل القصير في مواجهة الأعباء المالية المتنامية لذا لا نجد في الموازنة هدفا واضحا تسعى السياسة إلى تنفيذه.

هيمنة عقلية الاستهلاك: تعكس الموازنة العامة عقلية الاستهلاك السائدة على المجتمع والدولة التي تركز على الجوانب الاستهلاكية، والابتعاد عن الاهتمام بالإنتاج، أي التركيز على جانب الطلب وإهمال جانب العرض.

عدم الرشد المالي: تعد الموازنة العامة بعجز كبير، يتطلب تأمين موارد غير اعتيادية في مقدمتها القروض الأجنبية، الا انه وفي نهاية السنة المالية، ونتيجة لانخفاض نسب التنفيذ أو زيادة الإيرادات النفطية بسبب ارتفاع أسعار النفط فان الموازنة تنتهي بحالة فائض، الامر الذي يؤشر عدم الدقة في تقدير الاحتياجات والقدرات الحقيقية للجهات القائمة بتنفيذ النفقات العامة.

من جهة أخرى، فان التنفيذ ما يزال يخضع لما يمكن تسميته «التنفيذ الصفري» إذ نجد أن الإدارات العامة، ونتيجة لعوامل عديدة تحول دون تنفيذ الإنفاق خلال السنة المالية تعمد إلى تكثيف الصرف خلال الشهرين الأخيرين وعلى قاعدة إنفاقها دون الاهتمام بكفاءة الإنفاق.

عدم الاستدامة المالية: تعكس الموازنة عدم الالتزام بالاستدامة في التعامل مع أموال النفط، ذلك أن موارد النفط المستخرج ليست ملكا للجيل الحاضر فقط، ذلك أن للأجيال القادمة الحق في الاستمتاع بجزء منها، لذا تتابع موازنة 2012 ما درجت عليه الموازنة الاتحادية من زيادة مستمرة على قاعدة «أعلى ميزانية في تاريخ العراق».

9-  إن الموازنات التي تم إعدادها ومنذ سقوط النظام السابق تعد بعجز ففي موازنة 2012 بلغ العجز 14767.941 مليار دينار، في حين بلغ العجز في الموازنة الحالية  14275 مليار دينار، ويعود انخفاض هذا العجز إلى التحسن الذي طرأ على أسعار النفط، لكن الواقع يشير إن الحساب الختامي يظهر إن الموازنات تعد بعجز وتنتهي بفائض وكما يوضح ذلك الجدول (6).

جدول (): قيمة العجز في الموازنات الاتحادية

2009

18758.307

2010

22922.155

2011

14277.534

2012

14767.941

جدول : العجز أو الفائض بالموازنة العامة للمدة 2003-2012  (مليار دينار)

السنة

المصروفات

الإيرادات

الفائض

الإيرادات إلى

المصروفات %

2003

1982548

2146346

163798

108

2004

32117491

32982739

865248

103

2005

26375175

40502890

14127715

154

2006

38806679

49055545

10248866

126

2007

39031232

54599451

15568219

140

2008

59403375

80252182

20848807

135

 

 

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية 2008/2009، ص290

 

نستنتج من الجدول إن نسبة تغطية النفقات كانت أعلى نسبة في عام 2005  واقلها عام 2004 بسبب الوضع المتردي آنذاك، لكن بالمجمل إن الوضع النهائي في الموازنة هي حالة الفائض، السؤال الذي يثار هنا لماذا تعد الموازنات بهذا العجز الكبير وتنتهي بفائض؟ ان حالة العجز التي تظهرها الموازنة يتطلب البحث عن مصادر لتمويل هذا العجز فقد ذكرت موازنة 2011 مسارات الاقتراض بالاقتراض (4.5) مليار دولار من صندوق النقد الدولي ومليارين من البنك الدولي و1.8 مليار دولار من استخدام حقوق السحب الخاصة وقرض من البنك المركزي العراقي بقيمة (5) مليار دولار ونصف مليار دولار قيمة القرض الممنوح لوزارة النفط. واستمر هذا التخويل لميزانية 2012. وبذلك يكون إجمالي الاقتراض 13.8 مليار دولار أي ما يعادل 16146 مليار دينار عراقي، وهذا سوف  أعباء جديد على التزامات العراق الدولية، وهو يمثل انتكاسة مخيبة للآمال إذ لم ينته العراق بعد من معالجة مديونيته، وهذا يتطلب إعادة النظر بهذا الأسلوب إلى سوف يؤدي بالبلد إلى أزمة  جديدة تضاف إلى أزمته الحالية[6].

   إن هذا الوضع ينذر بوجود إخفاق أما بالسلطة التشريعية أو بالسلطة التنفيذية، وخاصة في ما يتعلق بالموازنة الاستثمارية التي لازالت نسب التنفيذ بها متدنية جدا، كون إن إعداد الموازنة يجب ان يتم وفق أهداف محددة ضمن الخطة الوطنية للتنمية إلا أننا لم نجد أي إشارة إلى أهداف الموازنة وإذا كانت هناك أهداف فإنها لم يشر إليها في مشروع الموازنة إضافة إلى إنها قد تكون أهداف أعلى من قابلية السلطات التنفيذية، بمعنى إن إعداد الموازنة كان وفق أهداف  طموحة أعلى من قدرة السلطات المنفذة لها، وقد ظهر ذلك جلياً في فقرة تنمية الأقاليم إذ ان اغلب المحافظات لم تستطع تنفيذ ما خصص لها من مبالغ وطلب تدوير تخصيصاتها، على ضوء ذلك فان الأمر يستلزم إعادة النظر بالتخصيصات والضغط على الإنفاق وخاصة بجانبه التقديري وليس التحديدي والذي أيضا يحتاج إلى مراجعة لكن تكاليفه الاجتماعية تكون مرتفعة في الأمد القصير والمواطن لم يعد يتحمل تضحية في ظل هذا الوضع..

 

ومن الملاحظات التي تؤخذ على منهج إعداد الموازنة في العراق خلال السنوات السابقة، هو ابتعادها عن مفهوم «الاستدامة المالية»، حتى باتت الموازنة العامة أكثر مسايرة للاتجاهات الطارئة  من مسايرتها للاتجاهات طويلة الأجل، والاتجاه نحو ممارسة الموازنة التكميلية والتي تهدد عملية إعداد الموازنة.

ينبغي أن تتجه الحكومة إلى اعتماد منهج بديل للموازنة العامة، يقوم على أهداف إستراتيجية بعيدة المدى، ويوائم بين الحاجات الآنية للموازنة (تمويل الدولة)، وبين تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز مجالات التنويع الاقتصادي، وأن تتجه الحكومة إلى اعتماد أسلوب الفصل بين النفقات العامة وعوائد النفط قصيرة الأجل أو الطارئة، تعزيز كفاءة الإنفاق العام من خلال تقوية أسس واليات الإدارة المالية العامة، تعزيز مجالات العمل متوسط وطويل الأجل في إعداد وتنفيذ الموازنة من خلال الربط العملي بخطة التنمية الوطنية والمنهاج الاستثماري

إن تعظيم الانتفاع من الإنفاق العام يجب أن يتم وفق أساليب التحليل العلمية مثل تحليل الكلفة/ المنفعة. وهذه المنهجية لا تقتصر على  الجانب السياسي بل يجب أن يشمل الجانب الاجتماعي كونه يتطلب إعادة النظر بالإنفاق العام بشكل جذري،وقد يشمل بعض الفئات الاجتماعية نتيجة لإعادة النظر بالهيكل الإداري للدولة المترهل، وهذا الإجراء يجب أن يتزامن مع إجراءات أخرى مثل تنمية وتشجيع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي القادر على استيعاب  العمالة الفائضة وزيادة التشغيل وهذا إجراء من شانه تخفيض البطالة وبالتالي يقلل من الفقر.

 

مقترح إنشاء «صندوق العراق السيادي»

إن المنطق يقود إلى أهمية ترشيد الإنفاق العام الذي يتأتي بدرجة أساسية من إيرادات بيع النفط الخام، وهذا ما يتطلب إيجاد حلول جذرية وعملية تساهم في تعزيز الاستدامة والرشد الماليين، وفي تقديرنا إن هذا يمكن أن يحصل من خلال تحقيق استقلالية عالية لمصادر الإيراد عن سيطرة الحكومة، عبر إنشاء «صندوق العراق السيادي» أو من خلال تطوير «صندوق تنمية العراق»([7]) ليستوعب أهداف التنمية والاستقرار  والادخار والاستثمار الذي ينبغي أن يكون صندوقا تنمويا-استقراريا، توضع له قواعد واقعية وشفافة بما يضمن استخدام وتوظيف عوائد النفط بصورة كفوءة. بحيث تخصص نسبة ثابتة من الإيراد إلى الصندوق ليعاد استثماره في الاقتصاد العراقي بعيدا عن آليات الإنفاق الحكومي التقليدي.

ان قانون الإدارة المالية لا يشير إلى إعطاء الصلاحيات للسلطة التشريعية بالتأثير على الإيرادات بل حصر حقها في تعديل النفقات العامة، وحدد المشرع نوعين من النفقات هما النفقات التحديدية وهي التي تحدد بالقوانين النافذة مثل الأجور والراتب وفوائد الدين، لا تستطيع السلطة التشريعية تعديلها كونها تحتاج إلى تعديل القوانين والنفقات التقريرية التي تسمح بمساحة أوسع للتغيير.

ينبغي أن يتجه مجلس النواب إلى وضع آلية جديدة تضمن عدم تبديد الموارد المالية وإلزام الحكومة بتحسين الأطر العامة للاستدامة المالية، ويمكن الاستعانة بتجارب العديد منت دول العالم التي اتجهت إلى الأخذ بهذا المبدأ عبر إنشاء صناديق سيادية توجه إليها الفوائض المالية لاستثمارها خارجيا. ويعكس الشكل التالي الية المقترحة اذ توجه نسبة 30% من إجمالي الإيرادات النفطية إلى الموازنة العامة، أما النسبة المتبقية فتخصص لصندوق العراق السيادي الذي سيعيد استثمارها في مشاريع البنى التحتية والاستثمارات الإنتاجية ليلعب دور المستثمر الخارجي وفق اعتبارات الكفاءة بعيدا عن اطر الموازنة العامة.

 

شكل (1): إطار مقترح للعلاقة بين الموازنة العامة وصندوق العراق السيادي

 

 



[1] قانون الإدارة المالية في العراق 94 لسنة 2004 القسم/6

[2] احمد بريهي العلي، الاقتصاد السياسي لعجز الموازنة العامة ومضمونه النقدي، المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر العلمي لكلية الإدارة والاقتصاد –جامعة القادسية، 2009، ص 1.

[3] علي حميد رشيد وآخرون، موازنة 2010 المقومات.......والتحديات، وزارة المالية، الدائرة الاقتصادية، قسم السياسات الاقتصادية.

[4] محمد علي زيني،الاقتصاد العراقي الماضي والحاضر وخيارات المستقبل، دار الملاك للفنون والآداب والنشر، ط 3، 2009، ص 462

[5] ينظر: اللجنة العليا لإستراتيجية التخفيف من الفقر في العراق، إستراتيجية التخفيف من الفقر في العراق 2010-2014.

[6] تصريح صحفي للدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط الأسبق لصحيفة الحياة

[7] في أيار (مايو) 2003 انشأ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 صندوق تنمية العراق DFI من اجل تحقيق عدد من الأهداف هي: إعادة الاعمار الاقتصادي للعراق؛ النزع المتواصل للسلاح في العراق؛ تمويل تكاليف الإدارة المدنية العراقية؛ اغراض اخرى يستفيد منها الشعب العراقي. وقد كانت تدريه سلطة الائتلاف الموقتة حتى حزيران/ يونيو 2004، لتتولى ادارته القيادة المشتركة للعقود في العراق وأفغانستان (JCC-I/A)، وقد تحولت ادارته الى الحكومة العراقية اعتبارا من مطلع عام 2008.

المرفقات

_________________________________________________2012_764466177.pdf
الأكثر مشاهدة

المرفقات

_________________________________________________2012_764466177.pdf