حول قرار إلغاء نظام البطاقة

بواسطة عدد المشاهدات : 2819
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حول قرار إلغاء نظام البطاقة

في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أصدر مجلس الوزراء العراقي قراره بإلغاء نظام البطاقة بصيغته الحالية واعتماد البديل النقدي بواقع 15000 دينار لكل فرد شهريا. لقد جاء هذا القرار ختاما لجهود الحكومة في مواجهة مشكلات هذا النظام، وصعوبات إدارته الذي بدأت تتفاقم منذ عام 2003.

حول قرار إلغاء نظام البطاقة

د. حسن لطيف الزبيدي

 

 

في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أصدر مجلس الوزراء العراقي قراره بإلغاء نظام البطاقة بصيغته الحالية واعتماد البديل النقدي بواقع 15000 دينار لكل فرد شهريا. لقد جاء هذا القرار ختاما لجهود الحكومة في مواجهة مشكلات هذا النظام، وصعوبات إدارته الذي بدأت تتفاقم منذ عام 2003.

 

خلفيات الإصلاح

بدأ نظام البطاقة التموينية بالتداعي منذ نيسان (ابريل) 2003، متأثرا بما كان يجري في البلد في أعقاب الاحتلال الأمريكي، فزادت سنوات التدهور الأمني وانتشار الفساد الكبير من مشكلاته، وأصبح الناس يتلمسونها في صورة تأخر استلام مفردات البطاقة وعدم انتظام عملية التوزيع، فضلا عن رداءة المواد المقدمة. ومن جهتها وجدت الحكومة في النظام جزءا من التركة البغيضة للنظام السابق، فالحاجة السياسية لإنشائه لم تعد موجودة، فضلا عن أن العقوبات ونتائجها لم تعد هي الأخرى بعد قيام مجلس الأمن بإلغاء الحظر الاقتصادي المفروض على العراق منذ غزوه الكويت في آب (أغسطس) 1990. لكن ظروفا أخرى طرأت جعلت من الصعب القيام بإلغاء البطاقة التموينية، فالتدهور الأمني وما تركته الأوضاع الجديدة من آثار سلبية على مجمل النشاط الاقتصادي عززت الحاجة إلى وجود نوع من الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة والهشة في المجتمع، فضلا عن أن الحكومة كانت تعي ، وربما ما تزال، الأهمية السياسية للبطاقة التموينية وتشبث جميع أفراد الشعب العراقي بها بغض النظر عن مستوى دخولهم وحاجتهم الفعلية لمفرداتها، بل لكونها حقا من حقوقهم المكتسبة التي لا ينبغي التنازل عنها.

          مع ذلك لم تخفت الأصوات الداعية إلى الإصلاح، سواء من الداخل أو الخارج، فالنظام من منظور الحكومة يشكل عبئا متناميا في زيادة أعداد المشمولين به بما يقدر بحوالي 800 ألف نسمة سنويا، يأتون من الزيادة الطبيعية للسكان، فالنظام أصبح يخدم ضعف عدد الأفراد تقريبا الذين كان يخدمهم عند إنشائه، الأمر الذي يستلزم توفر موارد مالية وبشرية كبيرة لم تعد تتلائم ومتطلبات إعداد الموازنة العامة، التي ابتعدت عن التركيز على مخصصات الدعم السلعي طبقا لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي التي اشترطها البنك الدولي ضمن حزمة الإصلاح الضرورية لتكييف اقتصاد العراق وإلغاء دون نادي باريس المتراكمة بذمة الحكومة.

ومن جهتها أصبحت وزارة التجارة العراقية عاجزة عن تلبية متطلبات البطاقة تحت ضغط ثبات تخصيصاتها السنوية ضمن الموازنة العامة للدولة، واطراد حالات الفساد المستشرية في مؤسساتها، والتي طالت كبار موظفيها. لذا فان هذه الوزارة لم تكن مفضلة من جانب الكتل السياسية في كل مرة كانت تشكل فيها الحكومة!!. مع ذلك استمرت هذه الوزارة في إدارة النظام من دون كفاءة وبكلفة عالية، سواء من منظور المجتمع، أم من منظور الاستدامة المالية العامة. ولم تفلح محاولاتها في الإصلاح الجزئي للنظام الذي تبنته أولا، فألغت بعض مفرداتها غير الضرورية، فيما لم تتمكن من السيطرة على عمليتي الاستهداف والشمول بالنظام في ظل ضخامة عدد المشمولين وتخلف قواعد البيانات الخاصة بالنظام وعدم كفاءته وتلبيته لمتطلبات إدارة النظام التي طرأت منذ عام 2003.

 

حزمة الإصلاحات

بادرت وزارة التجارة إلى تنفيذ خطة تقضي بالشروع بحجب البطاقة عن الموظفين الذين تزيد رواتبهم عن 1.5 مليون دينار، ولم تحقق هذه الخطوة تعديلات مهمة في قاعدة المشمولين بنظام البطاقة التموينية، إذ لم يزد عدد المشمولين بهذا القرار عن 60 ألف موظف فقط من الدرجة العليا (أ) وحتى الدرجة الثانية. رغم أن أكثر من حوالي 32 مليون فردا يحصلون على الحصة التموينية الموزعة بموجب نظام البطاقة التموينية. وحتى عندما تم توسيع الشمول بالحذف إلى اسر أولئك الموظفين فان العدد يتراوح ما بين 270 - 300 ألف نسمة فقط.

من جهة أخرى، لقد تم تقليص عدد من مفردات البطاقة التموينية خلال عام 2010 لتصبح خمس مواد هي: الطحين، والرز، والزيوت، والسكر، وحليب الأطفال. رغم ذلك فطبقا لمسح شبكة معرفة العراق 2011 فقد استلمت حوالي 80% من الأسر مادة واحدة على الأقل من مفردات البطاقة التموينية خلال المدة (2010-2011)، في حين استلمت 65% منها مادتين على الأقل، و 25% فقط استلمت ما لا يقل عن ثلاث مواد. فيما تتلقى أقل من 5% من الأسر مفردات النظام كاملة. وهذا يؤشر حجم المشكلات التي بات النظام يعانيها. وعلى مستوى المواد المستلمة من قبل الأسر، فان الطحين يعد أكثرها استلاماً بمعدل يصل إلى 71%، كما أنه يشكل المصدر الرئيس لاستهلاك هذه المادة بالنسبة لثلاثة أرباع الأسر في العراق. يليه الرز بمعدل 64%، وحوالي 30% منها مادتي الزيوت والدهون، وحصلت 5% فقط من الأسر التي لديها أطفال بعمر أقل من سنتين على مادة حليب الأطفال الذي تستحقه طبقا للنظام.

وعلى مستوى المحافظات، حصلت محافظتي المثنى والانبار على الطحين بأكثر من 90% من أسرها، أما دهوك فحصلت 57 من الأسر على الطحين وفي واسط لم تحصل على الطحين سوى 42% من الأسر. ورغم أن الأسر في بابل وكربلاء قد حصلت على الرز معظم الأشهر، فان واسط والنجف قد حصلتا على معدلات أدنى بكثير من الرز من نظام البطاقة التموينية بنسب تصل إلى 27% و 44% على التوالي، رغم أنه يوجد في النجف أكبر مزارع الرز في البلاد.

 

أثر إلغاء البطاقة على الفقراء

طبقا لدراسات أعدت في سنوات سابقة فان إلغاء البطاقة التموينية يمكن أن يؤدي إلى زيادة حدة الحرمان الغذائي وبالتالي الفقر وقد بينت تلك التقارير أنه:

·        في عام 2004 إن إلغاءها يمكن أن يزيد عدد الناس المحرومين غذائيا من 2.6 مليون نسمة (11% من السكان) إلى 6.2 مليون نسمة.

·        في عام 2006 بين تقرير آخر أن هناك 4 ملايين نسمة (15.4% من السكان) يعانون من الحرمان الغذائي يمكن أن يضاف إليهم 8.3 مليون آخرين في حالة إلغاء النظام.

·        وطبقا لنتائج التحليل الشامل للأمن الغذائي والفئات الهشة (2007) فان هناك 930 ألف نسمة يعدون غير آمنين غذائياً، يمكن أن يضاف إليهم 2.8 مليون نسمة آخرين في حالة إلغاء البطاقة التموينية.

·        وطبقا لدراسة مطولة أعدها خبراء البنك الدولي لتحليل أوضاع  المعيشة في العراق (2008) فقد أظهرت أن الإلغاء المفاجئ والعشوائي للنظام من شأنه أن يقلل بشكل كبير من استهلاك الفقراء فضلاً عن استهلاك غير الفقراء. وسوف يكون هذا الخيار بمثابة طرح لقيمة الحصة التموينية، والتي تساوي 10,100 دينار عراقي من متوسط نصيب إنفاق الفرد من الفقراء (61,624) دينار عراقي، وغير الفقراء (126,944) دينار عراقي، مما يؤدي إلى زيادة في الفقر فضلا عن زيادة عدم المساواة. للكن استبدال النظام القائم بنظام نقدي يمكن أن يساهم في التخفيف من الفقر من خلال تخفيض مقاييس الفقر والتفاوت، لكن ذلك مرهون بمنع الأسعار من الارتفاع.

 

ما الذي يمكن توقعه من نتائج؟

          لا يمكن إلا التسليم بان قرار الإلغاء لنظام البطاقة التموينية سيكون له آثار سلبية وأخرى ايجابية، ستطال الأخيرة النظام الاقتصادي وتوجه الحثيث نحو تقنيات السوق، ويمكن أن تعزز من سيادة المستهلك. لكن هناك ملة من الآثار السلبية التي يمكن أن تطال مستويات المعيشة في البلد منها:

·        يمكن أن يؤدي القرار إلى زيادة الفقر والحرمان الغذائي وبخاصة وأن أغلب الدراسات والتقارير التي أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء تؤكد احتمالية وقوع الكثير من الأفراد في براثن الفقر والحرمان الغذائي بسبب قربهم من خط الفقر.

·        لا يمكن ضمان أن التحول النقدي سيؤدي إلى تحسين أوضاع الفقراء والمحرومون غذائيا، لأنه لا توجد إمكانية لضمان صرفها على الغذاء الذي يبقيهم عند مستوى استهلاك الغذاء نفسه الذي توفره البطاقة التموينية.

 

·        إن التوجه إلى البديل النقدي يمكن أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية وديمغرافية سلبية فقد يدفع الأسر الفقيرة إلى المزيد من الإنجاب الأمر الذي سيزيد معدل النمو السكاني المرتفع أصلا، الأمر الذي سيجر آثارا تراكمية ستتجاوز النتائج الايجابية للتحول النقدي وبخاصة انعكاساتها على الموازنة العامة.

الأكثر مشاهدة