دستور العراق: قراءة من منظور التنمية البشرية المستدامة

بواسطة عدد المشاهدات : 14455
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
دستور العراق: قراءة  من منظور التنمية البشرية المستدامة

تقديم قراءة لنصوص الدستور العراقي من منظور التنمية البشرية

دستور العراق: قراءة  من منظور التنمية البشرية المستدامة

حسن لطيف كاظم الزبيدي

 

في ظل الدولة الحديثة التي ينظمها القانون وتديرها المؤسسات يسأل المواطنون الدولة عن واجباتها ووظائفها وما ينبغي عليها أن تقدمه للشعب. وفي السابق كانت الحقوق تقتصر على مضامين تقليدية مثل: المساواة، الحرية الشخصية، حرية الفكر والعقيدة، حرية الاجتماع... الخ. والتي يجب بمقتضاها أن تمتنع الدولة عن ممارسة أي عمل من شأنه أن يمس بحقوق المواطن وحرياته الأساسية. ثم جرى مطالبة الدولة بمراعاة حقوق المواطن بوصفه عضوا في الجماعة، وما يترتب على ذلك من توفير ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تكفل تكامل المجتمع، وشملت المطالبات ضمان حق التعليم، العمل، الملكية... وغيرها. وتدون هذه الحقوق في الدستور الذي يقدم رقابة على القوانين المُسنة للتأكيد من عدم مخالفة القوانين الموضوعة للقواعد الدستورية والانحراف عن مبادئه الأساسية، لان الدستور يسمو على القواعد القانونية العادية، لذا فهو يعتبر « أبو القوانين ».

 

إن الحرية هي حق للمواطنين في مواجهة السلطة وقد وضع الدستور ضوابط هي قيود على سلطة الدولة من شأنها أن تحمي الحرية وتحول دون الاعتداء عليها. وتضمن الدستور العراقي في بابه الثاني مجموعة المواد الخاصة بالحقوق والحريات، وحدد الضمانات التي تكفلها وتحميها: ويمكن قسمة النصوص الدستورية الخاصة بالحقوق وفقا للضمانات على ثلاث مجموعات: أولا، حريات عامة مطلقة لا يجوز للمشرع تقييدها (مثل المادة 14: العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي). ثانيا، حقوق ينظمها القانون، ويشمل المواد التي ذيلت بعبارة (وينظم ذلك بقانون). ثالثا، قانون جنائي لا يتعدى على حقوق الإنسان (المادة 19).

 

انطلاقا مما سبق، يمكن الحديث عن عدد المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومة تصب في مجملها في إطار التأكد من تحقيق التنمية البشرية، وأهداف يجب تحقيقها في ظل التزام الحكومة بالدستور، وإيجاد الوسائل التي تؤمن تحقيق العناصر النوعية للتقدم. لان النمو الاقتصادي ليس هدفا في حد ذاته، وإنما ينبغي أن يكون وسيلة لتحقيق أهداف التنمية البشرية، كما إن العجز عن خلق بيئة تتسع فيها القدرات الإنسانية، يؤدي إلى صعوبة تحقيق هذه الأهداف، ويبعد الجماعات المهمشة في المجتمع من الانتفاع من التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وسنحاول في التالي مناقشة المكونات الاساسية للتنمية البشرية في ضوء ما جاء في الدستور الدائم، وبما يعطي لكل منها مضمونا خاصا يعّبر عن ظروف المجتمع العراقي.

 

التعاون الذي يتضمن هو الاعتراف بان الانتماء إلى الجماعة يشكل مصدر إنجاز وراحة وسعادة وهدف ومعنى على الصعيد الشخصي. فالتنمية البشرية مهتمة بإيجاد السبل التي توفر التعاون لإفراد المجتمع، وبخاصة وان العراق يمتاز بتعدد قومياته وأعراقه ودياناته. (( العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب)) (المادة 3)

التمكين الذي يعني توسيع قدرة الناس على القيام بخيارات، وجعلهم قادرين ممارستها، اثر تخطيهم الجوع والحاجة والحرمان. كما يوفر لهم الفرصة والمناسبة للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم والمصادقة عليها أو رفضها. وهو يعني أن يتمكن الناس من ممارسة الخيارات التي صاغوها بإرادتهم الحرة. وقد كفل الدستور تمكنيهم من القيام بدورهم هذا من خلال:

                    q        وجود ديموقراطية سياسية يتمكن الناس من خلالها من التأثير في القرارات المتعلقة بحياتهم. (لاحظ المادتين 1 و 2)

                    q        وجود حرية اقتصادية بحيث يكون الناس متحررين من القيود والقواعد القانونية المبالغ فيها والتي تعيق نشاطهم الاقتصادي. (( الملكية الخاصة مصونة...)) (المادة 23/ أولا)؛ ((وتكفل الدولة حرية الانتقال للأيدي العاملة والبضائع ورؤوس الأموال العراقية بين الأقاليم والمحافظات...)) (المادة 24)؛ كما (( تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده، وتنويع مصادره، وتشجيع القطاع الخاص وتنميته )) (المادة 25)

                    q        وجود سلطة لا مركزية بحيث يتمكن كل مواطن من المشاركة في إدارة حياته الوطنية والمحلية، انطلاقا من مكان عمله أو سكنه. وقد كفل الدستور هذا من خلال المادة 112 التي نصت على أن (( يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية ))

                     q         مشاركة جميع المواطنين، ولا سيما المؤسسات غير الحكومية في صنع القرار وتنفيذ خطط التنمية. (( للمواطنين رجالا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح )) (المادة 20)

 

الإنصاف: ويشمل القدرة على توافر الفرص، وليس فقط المدخول المادي، إذ يقع مفهوم الإنصاف في قلب مفهوم التنمية البشرية المستدامة، باعتباره احد مكوناته الأكثر أهمية، والتي تصنع جوهر تميزه عن نظريات النمو الاقتصادي ونظريات التنمية التقليدية. ويركز على تكافوء الفرص، على الوسائل والمدخلات لا على النتائج والمخرجات، ويلتزم بمبدأ تحميل الفرد مسؤولية الإفادة منها، وذلك كي لا يأتي المفهوم متعارضا مع الميل السائد نحو تقليص دور الدولة كمسؤول شبه حصري عن تأمين  الحاجات الأساسية وتأمين العدالة. إلا إن مفهوم الإنصاف، مع محدودية اعتباره كتكافؤ في الوصول إلى الفرص بشكل متكافئ، فانه يتطلب إعادة هيكلة جذرية في علاقات القوة في المجتمع، وقد كفل الدستور ذلك من خلال ضمان:

         q    تكافؤ الفرص: فقد نصت المادة (16) على أن (( تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك ))

        q   حق العمل: (( العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة )) (المادة 22/ أولا) ((ينظم القانون، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية)) (المادة 22/ ثانيا)

                    q        حرية تأسيس النقابات: (( تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها)) (المادة 22/ ثالثا)

        q   توزيع عادل للضريبة: فقد نص الدستور على انه (( يعفى أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب، بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة )) (المادة 28/ ثانيا)

 

الاستدامة: وهي توفير حاجات الجيل الحاضر، من دون المساومة على مقدرة الأجيال القادمة في ان تتحرر من الفقر والحرمان وتمارس قدراتها الأساسية. فالتنمية البشرية عبارة عن صيرورة تؤدي إلى توسيع الخيارات أمام الناس، فهي تضع البشر في صميم عملية التنمية من خلال جعلهم هدفها وموضوعها وطبقا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فان التنمية البشرية تدعو إلى حماية الخيارات الإنسانية لأجيال المستقبل والأجيال الحاضرة. لا يقتصر مفهوم الاستدامة على البعد البيئي وحده، بل هو يعني إن تكون "التنمية عملية شاملة لسياسات اقتصادية وتجارية واجتماعية، تجعل التنمية عملية قابلة للاستمرار من وجهة نظر اقتصادية، واجتماعية وبيئية".

        q   نص الدستور على تأسيس هيئة عامة (( لمراقبة وتخصيص الواردات الاتحادية،... تضطلع بالمسؤوليات الآتية: أولا: التحقق من عدالة توزيع المنح والمساعدات والقروض الدولية... ثانيا: التحقق من الاستخدام الامثل للموارد المالية الاتحادية واقتسامها. ثالثا: ضمان الشفافية والعدالة عند تخصيص الأموال لحكومات الأقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم، وفقا للنسب المقررة )) (المادة 103) ويمكن لهذه الهيئة أن تلعب دورا مهما في مجال الرقابة على الحكومة وضمان عدم إسرافها في الاستدانة وتوريث الأجيال القادمة ديونا اقتصادية، أو اجتماعية، تعجز عن مواجهتها. كما يمكن أن تسهم في (( تحقيق العدالة والإنصاف في العلاقات الحالية، لأن التنمية تؤدي إلى ديمومة اللامساواة  الحالية ليست مستدامة، ولا تستحق ان نعمل على إدامتها)).

       q   لان (( النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات )) (المادة 108)  وهنا يمكن للدولة أن تلعب دورا مهما في عقلنة استثمار الموارد الطبيعية، وما يتطلبه ذلك من تعديل في أنماط النمو ومعدلاته، والتقانة المستخدمة في الإنتاج والتكرير والتوزيع. وتعديل أنماط الإنتاج والاستهلاك المبددة للموارد الطبيعية.

 

الأمن والطمأنينة: امن البقاء على قيد الحياة، وتجاوز أخطار الأوبئة والأمراض والقمع السياسي أو الأحداث التي تصدع الحياة اليومية وتؤدي إلى الاضطرابات والتشوش والتشرد. وفي ظل الاحتلال تدهور أمن المواطن واستبيحت حياته. وبسبب فشل سلطات الاحتلال والحكومة معا في ضمان الأمن والاستقرار شهد العراق عدم استقرار، وانتشرت أعمال القتل والإرهاب، وبات الإرهاب الهاجس الأول الذي يقض المضاجع ويهدد امن المواطن وطمأنينته. وقد التزمت الدولة بموجب الدستور (( بمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله..)) (المادة 7/ ثانيا)

 

المشاركة: إن المشاركة السياسية وبالتالي تعزيز مقدرة الشعب على التأثير في قرارات الحكومة من خلال المؤسسات السياسية المنتخبة، يؤدي إلى توسيع الفرص التنموية والى زيادة كفاءة كثير من الموارد البشرية والمادية. إن تعزيز المشاركة السياسية يمنع من اقتراف الحكومة لأخطاء جسيمة تسدد فاتورتها الأجيال القادمة. كما أن المشاركة السياسية تقوي قنوات الرقابة الشعبية والمساءلة وتقرب عمل الحكومات من الشفافية وتبعدها عن الاستبداد بكل أشكاله.

 

الإنتاجية: النمو الاقتصادي، والتطور المضطرد في إنتاج الثروات، وتحسين الإنتاجية، هي من  الشروط الضرورية لتحقيق التنمية، لكنها ليست شروطا كافية. لان مفهوم التنمية البشرية المستدامة لا يوافق على مقولة تعارض النمو الاقتصادي مع تحقيق الإنصاف، وضرورة اختيار أحدهما. وعلى هذا الأساس، نرى إن مفهوم التنمية البشرية المستدامة، يركز على زيادة النمو والإنتاجية بالتلازم مع تحقيق التنمية البشرية. ويرى المفهوم الجديد إمكانية تعزيز الارتباط الايجابي بين التنمية البشرية والنمو الاقتصادي إذا تم إتباع السياسات التالية المرغوب بها:

 

       q   التركيز على الاستثمار في التعليم والصحة، وتطوير مهارات الناس. وتقع على عاتق الدولة مهام الصحة العامة (المادة 31)، وكفالة التعليم بوصفه حقا، وتشجيع الدولة البحث العلمي ورعاية التفوق والإبداع (المادة 34)

       q   اعتماد سياسة مناسبة للإنفاق الاجتماعي، تتضمن قيام الدولة بتأمين الخدمات الاجتماعية الأساسية، وإنشاء شبكات الأمان الاجتماعي الضرورية، بالتلازم مع تمكين الناس وتقوية قدراتهم. (( تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم )) ( المادة 30/ ثانيا)

 

إن أهم المهام المستقبلية للدولة العراقية في المستقبل هو خلق البيئة السياسية التي تمهد الطريق لتحقيق التنمية البشرية المستدامة، عن طريق تحسين قدراتها في عملية الاندماج الاجتماعي والاقتصاد وحماية البيئة، وفي خلق الالتزام لإصلاح الاقتصاد العراقي، وتوفير البنية التحتية، وتحقيق اللامركزية، وتعزيز القدرات المالية والإدارية، ومكافحة الفساد.

 

المصادر:

- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية، سنوات مختارة.

 

- الجمعية الوطنية العراقية، مسودة دستور جمهورية العراق، أب/ أغسطس 2005

الأكثر مشاهدة