حقوق الإنسان والتنمية البشرية في الإسلام

بواسطة عدد المشاهدات : 19974
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حقوق الإنسان والتنمية البشرية في الإسلام

إن منظومة حقوق الإنسان في الإسلام هي منظومة متكاملة، تلحظ بعين الاعتبار الجوانب المختلفة من حياة الإنسان وعلاقاته في إطار الجماعة التي يعيشها، والطبيعة المتغيرة والمتطورة للمجتمعات مع تقدم الزمن وتعقد جوانب الحياة.

حقوق الإنسان والتنمية البشرية في الإسلام

                                                                                                د. حسن لطيف كاظم الزبيدي

           

يعد مفهوم التنمية البشرية من المفاهيم الحديثة، وان وجدنا في الفكر الإنساني عموما ما يمكن عده ضمن أدبيات هذا الفكر. ومع ذلك فان المفهوم في مسيرة تطوره يعكس مسيرة تطور كل من نظريات التنمية والنمو الاقتصادي وان كانت جزءً مهما منهما وتطرح مدمجة فيهما. ذلك أن مفهوم التنمية البشرية ليس جديدا فقد نادى أرسطو (384-322   ق. م ) بان تحقيق « صالح البشرية » يجب أن يكون هو مقياس تقييم الأوضاع الاجتماعية. وحذر من الحكم على المجتمعات بأشياء لا تطلب لذاتها بل كوسيلة إلى تحقيق أهداف  أخرى مثل الدخل والثروة، حينما قال انه ((من الواضح  أن الثروة لا تمثل الخير الذي نسعى إلى تحقيقه، فهي مجرد شيء مفيد للوصول إلى شيء آخر )). ولقد طالب أرسطو بتبيُّن الفارق بين الأوضاع  السياسية الجيدة والأوضاع السياسية السيئة. من مدى النجاح أو الفشل في تمكين الناس من الوصول إلى «حياة مزدهرة».  أما ابن خلدون (1332-1406 م) فقد كرس الباب الخامس من الأبواب الستة في مقدمته للبحث  (( في المعاش ووجوهه من الكسب الضائع )) وركز الفصل الأول من هذا الكتاب للبحث (( في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وأن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية )).

لقد شيد مفهوم الإنسان في المرجعية الأوروبية في عصر النهضة وبالخصوص في تصورات ما يسمى بـ« النزعة الإنسانية » في القرنين السادس عشر والسابع عشر، على أساس اعتبار أن الفرد البشري بتحريه من الشعور بوزر« الخطيئة الأصلية » من جهة، وبإعادة الوحدة إليه بوصفه كائنا يتألف من نفس وجسد متحدين اتحادا لا انفصام له، وذلك بتحرير نفسه (أو حياته الروحية) من سلطة الكنيسة، وتحرير جسده (أو حياته المادية) من سلطة الأمير. ومن هنا كان أول حقوق الإنسان، في المرجعية الأوروبية، هو حقه في جسده، في ملكيته والتمتع به وتمتيعه. وأصبح ينظر إلى الإنسان على انه القيمة العليا التي تخدمها كل القيم الأخرى، على انه الكائن الذي يجب أن يتجه جميع أنواع نشاطه إلى تنمية جسمه وروحه، حريته وكرامته… وبكلمة واحدة، إنسانيته([1]). وعليه يمكن القول بتمايز هذا النموذج عما كان سائدا في العصور الوسطى المسيحية والذي كان جزءً من نظرة عامة قائمة على التمييز بين شيء اسمه مملكة الله وآخر اسمه مملكة الشيطان، والنظر إلى الإنسان على انه مشدود بروحه إلى الأولى وبجسده إلى الثانية. وان خلاص الإنسان يتمثل في التكفير عن الخطيئة الأصلية، وذلك بربط حياته بمملكة الله التي تمثلها الكنيسة على الأرض([2]).

 وخلال خمسينات القرن الماضي كان مضمون التنمية البشرية مرتبطا بمسائل الرفاه الاجتماعي، انتقل بعدها الاهتمام للتركيز على أهمية التعليم والتدريب ومن ثم على مسالة إشباع الحاجات الأساسية. ليقدم أخيرا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مضمون تشكيل القدرات البشرية وكذلك مضمون تمتع البشر بقدراتهم المكتسبة في جو الحرية السياسية واحترام حقوق الإنسان.

 

التنمية البشرية في المرجعية الإسلامية

عند مناقشة مفهوم ومضمون التنمية البشرية في المرجعية الإسلامية ينبغي التأكيد على إن هذا الذي سنفهمه من الآيات التي سنوردها كان دائما حاسرا فيها، بمعنى انه كان (( قابلا للتفكير فيه)) بل إن المفسرين القدماء قد فكروا فيه بالفعل بطريقتهم الخاصة وعلى ضوء مشاغلهم. ومع ذلك فإننا موجهون في قراءتنا للنصوص القرآنية ستكون موجهة في تأسيس مفهوم الإنسان وحقوقه في التنمية على جميع المستويات تأسيسا يجعلها ذات جذور في تراثنا وحضارتنا([3]).

 

إن ابرز نص يفرض نفسه كنص تأسيسي في إطار ما نفكر فيه الآن هو قوله تعالى ((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) (سورة الإسراء/ 70) لقد وردت تلك الآية في سيق مجادلة مشركي مكة الذين امتنعوا عن تلبية دعوة الإسلام وترك عبادة الأصنام، وفي إطار إقامة الحجة عليهم يذكرهم القرآن بجملة من الظواهر والأحداث التي تدل على إن الله وحده الإله وانه واحد لا شريك له. ومن جملة الوقائع التي يذكرها القران في هذا السياق والتي لها علاقة مباشرة بأية (تكريم الإنسان) واقعة امتناع إبليس عن السجود لآدم (( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا )) (سورة الإسراء/ 61-62) ويورد القران هذه القصة بعيدا عن هاجس الخطيئة الذي هيمن على الفكر الأوروبي في القرون الوسطى. كما يشتمل مفهوم الإنسان أبعادا عقلية وحضارية إضافة إلى أبعاد أخرى أبرزها استخلاف الله في الأرض وتعليمه الأسماء كلها والتوبة عليه ((وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني اعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ))، ثم  ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم )) (البقرة، /30 –32، و34 -37) أما الخلافة في الأرض فتعني إعمارها، أي إقامة العمران والحضارة فيها، وأما الخطيئة فقد محتها  توبة آدم فتحرر منها هو وذريته، ويبقى بعد ذلك عمله في الأرض التي أمر بالهبوط إليها لعمارتها هو وذريته وليحاسبوا على عملهم فيها إن خيرا فخير وان شرا فشر.

 

إن الإنسان في  القران روح وجسم ولم يرد في القران قط ما يحط من قدر الجسم، بل بالعكس يذكر الجسم في القران في معرض الأمور التي بها يكون الفضل والتفوق، ومن ذلك قوله تعالى (( لقد خلنا الإنسان في أحسن تقويم ))( التين/ 4) وأيضا : (( وصوركم فأحسن صوركم  ورزقكم من الطيبات )) (غافر/ 64). وبهذا المعنى فتكريم الإنسان يعني تمتيعه بجملة من الحقوق، للجسد حق وللنفس حق، ولكن ما هي هذه الحقوق، حقوق الإنسان في التصور الإسلامي؟ إن الجواب على هذا السؤال يمكن إيجازه بالقول: إن حقوق الإنسان في الإسلام هي جميع الأمور المادية والمعنوية التي تجب له بموجب تكريم الله له وتفضيله إياه على سائر خلقه. وفيما يلي عرض موجز لهذه الحقوق.

 

أولا: الحقوق العامة([4]): حقوق الإنسان بالإطلاق

 1.  حق الحياة: فالحياة هي هبة من الله إلى الإنسان فهي حق له (( وهو الذي أحياكم ثم يميتكم … )) (الحج/ 66) يجب  عليه الحفاظ على مقوماته الجسمية والنفسية، إذ ليس لأحد أن يمس حياته لا في جسمه ولا في روحه.

 2.  حق التمتع بالحياة: منح الله الإنسان الحياة ليحياها ويتمتع بها، وقد سخر له ما فيها  وفسح له المجال لإشباع رغباته وحاجاته منها ما عدا ما فيه ضرر له أو يتسبب بإلحاق الأذى بالمخلوقات، جمادا كانت أو نباتا أو حيوانا أو إنسانا، ويعبر القران عما يحق للإنسان أن يتمتع به بلفظ « الطيبات » وهي كل ما لم يحرمه الله وكل ما هو صالح لا ضرر فيه ولا إفساد. (( قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق )) (الأعراف/ 32)

 3.  الحق في حرية الاعتقاد: يقرر القران حرية الاعتقاد ويعتبرها حقا من حقوق الإنسان. ذلك الله خلق الإنسان وزوده بالعقل والقدرة على التمييز وأبان له السبل ثم ترك له حرية الاختيار.((إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاط نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هدينا السبيل إما شاكرا وإما كفورا))(الإنسان/ 2-3)

 4.  الحق في المعرفة: على إن إقرار القران حق الإنسان في حرية الاعتقاد لا يعني ان العقائد عند الله متساوية. لان الإسلام دين، وكجميع الأديان والمذاهب فان العقيدة الصحيحة هي التي يقررها ويدعو إليها: عقيدة التوحيد، وإذا كان القران يتوعد المشركين بالعذاب فانه يقرر من جهة أخرى إن الله لا يعذب من لم تبلغه الرسالة والدعوة، ومن هنا كانت المعرفة حقا من حقوق الإنسان فلا يؤاخذ ولا يعاقب عما لا معرفة له به، يقول تعالى (( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ))( الإسراء/ 15)

 5.  الحق في الاختلاف: يقرر القران الاختلاف كحقيقة وجودية، وكعنصر من عناصر الطبيعة البشرية، فاختلاف ألوان البشر ولغاتهم وجنسياتهم وتوزعهم إلى أمم وشعوب وقبائل، وكل ذلك أراده الله تعالى، تماما مثلما أراد الاختلاف في عناصر الكون ليجعل منه علامة على وجوده. هذا على الصعيد الطبيعي، أما على الصعيد العقيدي فان القران يقرر تعدد الأديان واختلافها في آيات عديدة. إن حق الاختلاف الذي يضمنه الإسلام لا يعني تشجيع الناس على الفرقة والتنازع، بل العكس، فالإسلام يحرص على وحدة الأمة ويشجب بقوة الاختلاف في الدين الذي يؤدي إلى النزاع والفتنة، يقول تعالى (( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا …))( آل عمران/ 103)

 6. الحق في الشورى: ويرتبط بحق الاختلاف الحق في الشورى وهو حق يقرره القران والحديث وتشهد له سيرة النبي وأعمال الصحابة. والشورى إحدى الصفات الجوهرية في المؤمن ويضعها القران في مستوى واحد مع اجتناب الكبائر والقيام بالواجبات الدينية. يقول تعالى (( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )) (الشورى/ 36 – 39) والواقع إن نقاشا طويلا جرى بين الفقهاء والمفسرين حول ما إذا كانت الشورى ملزمة، أي يجب على الحاكم العمل بالرأي الذي تفضي إليه أم أنها معلمة فقط بمعنى أن الحاكم إنما يستشير للاستنارة والاسترشاد لا غير وانه حر في أن يأخذ برأي من إستشارهم أو لا يأخذ به.

  7.   الحق في المساواة: يقرر القرآن المساواة بين الناس في آية شهيرة محكمة قاطعة هي قوله تعالى: (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))( الحجرات/ 13) ويعرف المفسرون معنى المساواة من هذه الآية إلى نفي التفاوت والتفاضل في الأنساب، مركزين انتباههم على الألفاظ التالية الواردة في الآية المذكورة: ذكر وأنثى، شعوب وقبائل. لكن سياق الآية يؤكد النفي العام لجميع أنواع التفاوت والتفاضل غير التقوى، والنهي عن التفاخر. وكما يؤكد القرآن المساواة بين الأفراد يقررها بين الأمم الشعوب فلم يفضل أمة الإسلام إلا بما تقوم من خير وأعمال معروفة عند الناس كافة بصلاحها واندراجها في دائرة الخير العام. يقول تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))( آل عمران/ 104).

 8. الحق في العدل: شغل العدل حيزا هاما في القرآن والحديث، وعند المفسرين والفقهاء والمتكلمين ولدى الكتاب والمؤلفين في الآداب السلطانية. ففي القران يتكرر الأمر بالعدل على جميع المستويات: فالرسول مأمور بالعدل ليس بين المسلمين وحسب، بل حتى بين غير المسلمين إذا احتكموا أليه (( وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم )) (الشورى/ 15). ويأتي الأمر بالعدل بصورة عامة ومطلقة في آيات عديدة مثل قوله تعالى : (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي )) (النحل/ 90) أما الأحاديث التي تروى في العدل فكثيرة ومتنوعة منها قول النبي (ص) ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ) وذكر في مقدمتهم (الإمام العادل). أما كتب الآداب السلطانية فإنها تكرر عبارة " العدل أساس الملك " وتورد في شرحها وتأكيد معناها أقوالا منسوبة إلى فلاسفة اليونان وحكماء الفرس والهند ورجالات الإسلام.

 

ثانيا: الحقوق الخاصة

هناك إلى جانب الحقوق العامة حقوق خاصة بفئة معينة من الناس هم: المستضعفون، المرأة، وحقوق الله وحقوق الناس. وهي لا تقل أهمية، إذ عليها تتوقف الممارسة الكاملة للحقوق العامة الأساسية([5]).

1. حقوق المستضعفين، الضمان الاجتماعي: وقد سمى القران أصنافا كثيرة من المستضعفين، بل لقد أحصاهم إحصاء، فهم الضعفاء من ذوي القربى ( العجزة من الآباء والأمهات وبقية الأقارب ) والفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل والسائلين والعبيد والأسرى… وقد خص القران هؤلاء بعناية بالغة فأكد مرارا وتكرارا حقوقهم وأوصى بالوفاء بها وتوعد كل من مسها أو هضمها. (( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ))( البقرة/ 177). والمستضعفون الذين ذكرتهم الآية هم: ذوي القربى (والمقصود المحتاجون منهماليتامــى؛ المساكـين (وهم الذين لا يملكون ما به يعيشون، وهو بالاصطلاح المعاصر العاطل الذي لا يجد عملا يكسب منه قوته وقوت عياله ابن السبيل (هو المسافر الذي تقطعت به الطريق، ويمكن ان يحمل عليه  « اللاجئ السياسي » بالمعنى المعاصرالسائلــين (الذين يسألون الناس الصدقة سواء بسبب فقر أو بسبب ظرف طارئ الرقــاب (أي العبيد، فقال بعض المفسرين ان المقصود هو شراء العبيد وعتقهم).

 

إضافة إلى الأصناف المذكورة وردت في القرآن أصناف أخرى من المستضعفين مثل  قوله تعالى (( فكلوا منها وأطعموا البائس والفقير ))(الحج/  28). فالبائس هو الذي أصابه عسر وشدة، أما الفقير فهو الذي لا يكفيه ما في يده لقوته وقوت عياله. وأما الزكاة فهي لأصناف ثمانية ذكرهم القرآن في قوله تعالى: (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وأبن السبيل فريضة من الله ))( التوبة/ 60). أما المساكين والرقاب وابن السبيل فقد سبق ذكرهم. ويبقى ذكر العاملين عليها أي الذين يقبضونها ويجمعونها ويأتون بها إلى ولي الأمر، وهؤلاء تدفع لهم الزكاة تعويضا لعملهم. وأما المؤلفة قلوبهم فهم بعض أشراف العرب كان الرسول يستألفهم بها ترغيبا لهم في الإسلام. وأما الغارمين فهم الذين كثرت عليهم الديون فأصبحوا لا يملكون شيئا بعدها. أما في سبيل الله فهم فقراء المجاهدين والحجاج الذين تقطعت بهم الطريق. وهكذا نرى إن  « حقوق المستضعفين » صنفان: حق في الزكاة، وحق في البر. والفرق بينهما هو أن الزكاة جعلها الله ركنا من أركان الإسلام مثل الشهادة والصلاة والصيام والحج، بمعنى أن إسلام المرء لا يكتمل إلا بالإقرار بها كفريضة من الله، وهي رمز لولاء الفرد المسلم نحو المجتمع الإسلامي ككل.

2. حقوق المرأة: فالإسلام يقرر مبدأيا، وكحكم عام ومطلق، المساواة بين الرجل والمرأة([6]). (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم )) (الحجرات/ 13) فالقرآن والسنة النبوية حررا النساء من الظروف غير المقبولة التي سادت في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وان الأخير منح النساء موقعا يفوق ما منحته لهن التعاليم الدينية الأخرى، إذ كان عليهن في الديانات الأخرى بذل مجهود عظيم لإحراز المستوى والوضع العالي الذي ضمنه لهن القرآن قبل أربة عشر قرنا. ومن ناحية الحقوق التي ضمنها الإسلام للنساء، حق الحياة، التعليم، إدارة الأعمال، الإرث، الاحتفاظ بالملكية، المحافظة على أسمائهن، في وقت ما زالت في العادات الاجتماعية السائدة تمنع الحصول على تلك الحقوق([7]).

3. حقوق الله وحقوق الناس: تطبيق الشريعة. فالأولى تشمل الإيمان وسائر الفرائض والسنن التي لها مظهر تعبدي. أما حقوق الناس فهي تنحصر في حق أولياء المقتول (قتل القاتل أو الدية)، حق الجروح في القصاص، حق الرجل لما يمس عرضه كاللعن والشتم، حق الزوجة على زوجها، حق الزوج على زوجته، وحقوق الورثة.

        بناءً على ما تقدم نجد إن منظومة حقوق الإنسان في الإسلام هي منظومة متكاملة، تلحظ بعين الاعتبار الجوانب المختلفة من حياة الإنسان وعلاقاته في إطار الجماعة التي يعيشها، والطبيعة المتغيرة والمتطورة للمجتمعات مع تقدم الزمن وتعقد جوانب الحياة.

 

الهوامش والمصادر

 



[1] محمد عابد الجابري، الروافد الفكرية العربية والإسلامية لمفهوم التنمية البشرية، في ندوة: التنمية البشرية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1995، ص  45

[2] المصدر السابق نفسه.

[3] المصدر السابق نفسه.

[4]  محمد عابد الجابري ومحمد محمود الإمام، التنمية البشرية في الوطن العربي: الابعاد الثقافية والمجتمعية، سلسلة دراسات التنمية البشرية رقم(2)، الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1995، ص61-65

[5] محمد عابد الجابري ومحمد محمود الإمام، المصدر السابق، ص65- 71

[6]  المصدر السابق، ص 68

[7] أيفون يزبك حداد وجون ل. اسبوزيتو [تحرير]، الإسلام والجنوسة والتغير الاجتماعي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2003، ص 54

الأكثر مشاهدة