إلغاء البطاقة التموينية: محاولات تنتهي بالفشل

بواسطة عدد المشاهدات : 3297
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
إلغاء البطاقة التموينية: محاولات تنتهي بالفشل

في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أصدر مجلس الوزراء العراقي قراره بإلغاء نظام البطاقة التموينية بصيغته الحالية واعتماد البدل النقدي بواقع (15000 ) دينار لكل فرد شهريا، ثم تراجع المجلس عن قراره بعد خمسة أيام من إعلان القرار.

بدأ نظام البطاقة التموينية بالتداعي منذ نيسان (ابريل) 2003 متأثراً بما جرى في البلاد في أعقاب الاحتلال الأمريكي وزادت سنوات التدهور الأمني وانتشار الفساد الكبير من مشكلاته، وأصبح الناس يستلمون مفردات البطاقة من السكر والزيت والطحين والرز وغيرها بشكل متأخر، فضلا عن رداءة المواد المقدّمة.

 

ومن جهتها أعتبرت الحكومة أن نظام البطاقة  هو جزء من تركة النظام السابق، فالحاجة السياسية لإنشائه لم تعد موجودة لاسيما بعد إلغاء مجلس الأمن الحظر الاقتصادي الذي تم فرضه على العراق منذ غزوه الكويت في آب (أغسطس) 1990.

 

لكن ظروفاً أخرى طرأت جعلت من الصعب إلغاء البطاقة التموينية، فالتدهور الأمني وما تركته الأوضاع الجديدة من آثار سلبية على مجمل النشاط الاقتصادي عززت الحاجة إلى وجود نوع من الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة والهشة في المجتمع، فضلا عن إدراك الحكومة الأهمية السياسية للبطاقة التموينية وتمسك المواطنين بها بغض النظر عن مستوى دخولهم وحاجتهم الفعلية لمفرداتها، باعتبارها من حقوقهم المكتسبة التي لا ينبغي التنازل عنها.

 

مع ذلك لم تسكت الأصوات الداعية إلى الإصلاح سواء من الداخل أو الخارج، فالنظام من منظور الحكومة يشكل عبئاً متنامياً بسبب زيادة أعداد المشمولين به بما يقدر بحوالي 800 ألف نسمة سنويا ناتجين عن الزيادة الطبيعية للسكان.

 

وأصبح نظام البطاقة يخدم قرابة ضعف عدد الأفراد الذين كان يخدمهم عند إنشائه، الأمر الذي يستلزم توفير موارد مالية وبشرية كبيرة لم تعد تتلائم ومتطلبات إعداد الموازنة العامة التي ابتعدت عن التركيز على مخصصات الدعم السلعي طبقا لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي التي اشترطها البنك الدولي ضمن حزمة الإصلاحات الضرورية لتكييف اقتصاد العراق وإلغاء ديون نادي باريس المتراكمة بذمة الحكومة.

 

أما وزارة التجارة العراقية فأصبحت هي الأخرى عاجزة عن تلبية متطلبات البطاقة تحت ضغط ثبات تخصيصاتها السنوية ضمن الموازنة العامة للدولة، واطراد حالات الفساد المستشرية في مؤسساتها والتي طالت كبار موظفيها.

 

لذا فهذه الوزارة لم تكن من الوزارات المفضلّة من الكتل السياسية أثناء تشكيل الحكومة ومع ذلك استمرت في إدارة النظام من دون كفاءة وبكلفة عالية سواء من منظور المجتمع أم من منظور الاستدامة المالية العامة.

 

ولم تفلح محاولاتها في الإصلاح الجزئي للنظام الذي تبنّته في البداية وألغت بموجبه بعض مفردات البطاقة غير الضرورية، فيما لم تتمكن من السيطرة على عمليتي الاستهداف والشمول بالبطاقة في ظل ضخامة عدد المشمولين بالنظام وتخلُّف قواعد البيانات الخاصة به وعدم القدرة على تلبية متطلبات إدارته التي طرأت منذ عام 2003.

 

حزمة الإصلاحات

بادرت وزارة التجارة بتنفيذ خطة تقضي بالشروع بحجب البطاقة عن الموظفين الذين تزيد رواتبهم عن مليون و500 ألف دينار، ولم تحقق هذه الخطوة تعديلات مهمة في قاعدة المشمولين بنظام البطاقة التموينية، إذ لم يزد عدد المشمولين بهذا القرار عن 60 ألف موظف فقط من الدرجة العليا.

 

فهناك أكثر من 31 مليون فرداً يحصلون على الحصة التموينية الموزعة بموجب نظام البطاقة التموينية، وحتى عندما تم توسيع الشمول بالحذف إلى أسر الموظفين من الدرجة الثانية فان عدد غير المستفيدين تراوح بين 270 - 300 ألف نسمة فقط.

 

 

من جهة أخرى فإن خطوة تقليص عدد مفردات البطاقة التموينية في عام 2010 لتصبح خمس مواد هي الطحين والرز والزيوت والسكر وحليب الأطفال لم تحسِّن الأداء.

 

وطبقا لمسح شبكة معرفة العراق عام 2011 فقد استلمت حوالي 80  في المائة من الأسر العراقية مادة واحدة على الأقل من مفردات البطاقة التموينية خلال المدة بين (2010-2011)، في حين استلمت 65 في المائة منها مادتين على الأقل، و25 في المائة فقط استلمت ما لا يقل عن ثلاث مواد.

 

فيما تتلقى أقل من 5% من الأسر مفردات الحصة التموينية كاملة، وهذا يؤشر حجم المشكلات التي بات يعاني منها النظام.

 

 وعلى مستوى المواد المستلمة من قبل الأسر، فان الطحين يعد أكثرها استلاماً بمعدل يصل إلى 71 في المائة كما أنه يشكل المصدر الرئيس للاستهلاك لثلاثة أرباع السكان، يليه الرز بمعدل 64 في المائة فيما بلغ استهلاك مادتي الزيوت والدهون 30 في المائة، وحصلت خمسة في المائة فقط من الأسر التي لديها أطفال بعمر أقل من سنتين على مادة حليب الأطفال الذي تستحقه.

 

وعلى مستوى المحافظات حصلت 90 في المائة من أُسر محافظتي المثنى والأنبار على الطحين، أما دهوك فحصلت 57 في المائة من الأُسر على الطحين وفي واسط لم تحصل على الطحين سوى 42 في المائة على تلك المادة.

 

ورغم أن الأُسر في بابل وكربلاء حصلت على الرز معظم الأشهر، لكن محافظتي واسط والنجف حصلتا على معدلات أدنى بكثير من الرز من نظام البطاقة التموينية بنسب تصل إلى 27 في المائة و 44 في المائة على التوالي رغم أن محافظة النجف تضم أكبر مزارع للرز في البلاد.

 

 

أثر إلغاء البطاقة على الفقراء

وطبقا لدراسات أعدت في سنوات سابقة فان إلغاء البطاقة التموينية يمكن أن يؤدي إلى زيادة حدة الحرمان الغذائي وبالتالي الفقر، ففي عام 2004 بينت الدراسات أن إلغاءها يمكن أن يزيد عدد الناس المحرومين غذائيا من 2.6 مليون نسمة أي (11في المائة من السكان) إلى 6.2 مليون نسمة.

 

وفي عام 2006 بين تقرير آخر أن هناك 4 ملايين نسمة أي ما نسبته (15.4 في المائة من السكان) يعانون من الحرمان الغذائي ويمكن أن يضاف إليهم 8.3 مليون آخرين عند إلغاء البطاقة التموينية.

 

أما التحليل الشامل للأمن الغذائي والفئات الهشة عام 2007  فكشف عن وجود 930 ألف نسمة في العراق من غير الآمنين غذائياً، ويمكن أن يُضاف إليهم 2.8 مليون نسمة آخرين عند إلغاء البطاقة التموينية.

 

وهناك دراسة مطوّلة أعدها خبراء البنك الدولي لتحليل أوضاع  المعيشة في العراق عام 2008 أظهرت أن الإلغاء المفاجئ والعشوائي للنظام من شأنه أن يقلل بشكل كبير من استهلاك الفقراء فضلاً عن استهلاك غير الفقراء.

 

 كما أشارت الدراسة أن هذا الخيار بمثابة طرح لقيمة الحصة التموينية، والتي تساوي (10,100) دينار عراقي من متوسط نصيب إنفاق الفرد من الفقراء (61,624) دينار عراقي و(126,944) دينار عراقي من غير الفقراء، مما يؤدي إلى زيادة في الفقر فضلاً عن ارتفاع عدم المساواة داخل المجتمع.

 

وأكدت الدراسة ذاتها أن استبدال النظام القائم بنظام نقدي يمكن أن يساهم في التخفيف من الفقر من خلال تخفيض مقاييس الفقر والتفاوت، لكن ذلك مرهون بمنع الأسعار من الإرتفاع.

 

ولا يمكن إلا التسليم بان قرار الإلغاء لنظام البطاقة التموينية سيكون له آثار سلبية وأخرى ايجابية، وستطال الأخيرة النظام الاقتصادي وتوجهه نحو تقنيات السوق، ويمكن أن تعزز من سيادة المستهلك.

 

لكن هناك جملة من الآثار السلبية التي يمكن أن تطال مستويات المعيشة في البلاد، فإلغاء البطاقة التموينية سيؤول إلى زيادة الفقر والحرمان الغذائي سيما وأن معظم الدراسات والتقارير التي أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء تؤكد احتمالية وقوع مشكلة الفقر.

 

فضلا عن ذلك لا توجد ضمانات بأن الاستبدال النقدي سيؤدي إلى تحسين أوضاع الفقراء والمحرومين غذائياً، فهؤلاء قد لا يصرفونها على الغذاء الذي يبقيهم عند مستوى استهلاك الغذاء نفسه الذي توفره البطاقة التموينية.

 

كما أن التوجه إلى البديل النقدي يمكن أن يؤدي إلى نتائج اجتماعية وديموغرافية سلبية فقد يدفع الأسر الفقيرة إلى المزيد من الإنجاب للحصول على أموال أكثر، الأمر الذي سيزيد معدل النمو السكاني المرتفع أصلاً ويتسبب في آثار تراكمية تتجاوز النتائج الإيجابية للتحوّل النقدي وبخاصة انعكاساتها على الموازنة العامة.

 ويمكن الاطلاع على المقال في موقع نقاش على الرابط الاتي

http://www.niqash.org/articles/?id=3156&lang=ar

 

الأكثر مشاهدة