الفقر ونظام البطاقة التموينية

منذ سنتين
2099

الفقر ونظام البطاقة التموينية

أ.د. كامل علاوي كاظم الفتلاوي

د. حسن لطيف كاظم الزبيدي

جامعة الكوفة/ كلية الإدارة والاقتصاد

منشور في: مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والإدارية، كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة الكوفة، العدد (22)، السنة (8)، 2012.

 

مقدمة
نظام البطاقة التموينية: خلفية تاريخية
مؤشرات الفقر في العراق
نظام البطاقة التموينية بين العدالة والكلفة والعالية
دعوات الإصلاح: الأسس والمبررات
سيناريو الإصلاح
·        جعل النظام أكثر استهدافا للفقراء
·        أهمية سلع البطاقة بالنسبة للفقراء
·        الآثار المباشرة وغير المباشر للإلغاء نظام البطاقة
الخاتمة

 

 

 

 

 

 

مقدمة

 

 

 

نظام البطاقة التموينية: خلفية تاريخية

جاء تأسيس نظام البطاقة التموينية أداة لمواجهة الظروف الاستثنائية التي نتجت عن الحظر الشامل الذي تعرض له البلد عقب أحداث آب/ أغسطس 1990، على الرغم من المشكلات التي اعترضت تنفيذها إلا إنها سرعان ما تحولت إلى اكبر نظام للتوزيع في العالم يحصل من خلاله شعب بأكمله على احتياجاته الأساسية التي كانت عند تطبيق النظام تشكل الأداة التي منعت وقوع مجاعة كبيرة في البلد.

لقد أريد لنظام البطاقة التموينية أن يكون وسيلة آنية لحالة طارئة، لم يدر في خلد صناع القرار آنذاك إنها ستستمر 13 عاما!. مع ذلك فان ما شيد على عجالة كان سيشكل نظاما اعتادت الدولة والشعب على إعلان الالتزام به. فمن الطريف أن يجيب غالبية المستطلعين مهما ارتفعت دخولهم أو مكانتهم السياسية أو الاجتماعية بأنهم يستلمون حصصهم مهما كانت تافهة قياسا إلى دخولهم ومرتباتهم.

 

مع ذلك فان لهذا النظام مزايا عديدة فهو نظام يحقق العدالة المطلقة لأنه يساوي بين جميع العراقيين، غير إن ذلك شكل واحدة من نقاط ضعف النظام، فالمطلوب هنا هو وصول المساعدة إلى من يحتاجها فعلا، وأن يستثني النظام غير المحتاجين.

 

تشكل البطاقة التموينية جزءً مهماً من نفقات الحكومة، وهي من السعة بمكان بحيث باتت توجه حركة أسعار المواد التموينية في السوق، فالقصور في توزيع واحدة أو أكثر من سلع البطاقة ينعكس في صورة ارتفاع دراماتيكي في أسعار تلك السلعة في السوق المحلية. فضلا عن أن توفر الغذاء في البلد بات يعتمد بشكل كبير على هذا النظام، كما إن التزام الحكومة بتوفير مفرداتها أسهم في خفض أسعار السوق لما دون المستوى العام للأسعار في البلدان المجاورة([1]).

 

إن طول المدة التي طبق فيها نظام البطاقة التموينية قد رسخ اعتقاد الأسر العراقية بالأهمية الاستثنائية له، وخلق اعتمادا لدى الأسر المتوسطة والفقيرة على مفرداتها، وفي ظل اتساع حجم الفقر في البلد فان التفضيل سيستمر. كما إن الدولة وهي تمتلك موارد هائلة تتأتى من الريع النفطي قد استحسنت القيام بدور توزيعي يشمل لقمة العيش أيضا. وإذا ما كانت الحكومات التي جاءت بعد سقوط النظام لا تحبّذ ذلك، فإنها حاولت التحرر من جزء كبير مما خلفه النظام السابق من تركة كان عليها التعامل معها. ولان القادة العراقيين الحاليين يدركون الأهمية السياسية لنظام البطاقة التموينية فانه من الصعب تصور القيام بتغيير جذري فيها رغم صعوبة إدامة عمل النظام في ظل المشكلات التي سبقت الإشارة إليها. لذا نجد الحكومة الحالية وحتى الحكومتين السابقتين أعلنت التزامها بنظام البطاقة التموينية وأنْ تراجع اتساق هذا النظام والانتظام الذي طبع عمله طوال السنوات حتى عام 2003، فلم تتخذ إجراءات جدية لمعالجة تباطؤ توزيع المواد الغذائية، كما أنها لم تفلح طوال السنوات الأربع الماضية في تقديم حصة شهرية كاملة، وقد أدى ذلك إلى تفاقم مشكلة الفساد في هذا النظام وهيأ إمكانية التحايل عليه، وكل ذلك يصب في غير صالح المواطنين الذين يتعرض الأضعف فيهم للاستغلال الأكبر([2]).

 

 

 

مؤشرات الفقر في العراق

 

وفرت بيانات المسح الإجتماعي والإقتصادي للأسرة في العراق 2007 إمكانية احتساب خط الفقر الوطني وباعتماد طريقة كلفة السعرات الحرارية الضرورية لإدامة صحة الفرد العراقي. وتمَّ تقدير خط فقر الغذاء بـ 2332 سعرة حرارية في المتوسط (مع الأخذ بنظر الاعتبار العمر، والجنس، والوزن، والنشاط البدني، سواء في الحضر أو في الريف)، وعلى أساس إن كلفة السعرة الحرارية الواحدة قدرت بحوالي 0.482 ديناراً، يكون معدل كلفة الاحتياجات الغذائية الأساسية الشهرية للفرد الواحد 34250 دينارا ويساوي هذا خط فقر الغذاء. وعلى أساس إنفاق الأسر التي تقع عند خط فقر الغذاء، قُدر خط فقر السلع والخدمات غير الغذائية بـ 42646 ديناراً للفرد الواحد شهرياً. وبجمع كلفة الاحتياجات الغذائية الأساسية مع كلفة الاحتياجات غير الغذائية، فان خط الفقر في العراق يساوي 76896 دينار/فرد/ شهر.

 

وهو ما يعني أن 22.9% أي حوالي 6.9 مليون من العراقيين (حوالي 16.5% من الأسر) يقعون تحت مستوى خط الفقر. علماً إن الإنفاق الذي احتسب على أساسه هذا الخط يعتمد التعريف الإقتصادي للإنفاق المعمول به دولياً والذي يتضمن إضافة إلى المشتريات النقدية الإنفاق غير النقدي بما في ذلك قيمة الإيجار التقديري للأسر التي لا تدفع إيجاراً لسكنها لأنها تقيم في مساكن تملكها أو لأسباب أخرى، وقيمة السلع الاستهلاكية التي تحصل عليها الأسر بدون دفع بدل نقدي كالسلع التي تنتجها والسلع التي تحصل عليها مقابل العمل أو كمعونات. كما إن الإنفاق قد تم حسابه على أساس أسعار السوق وليس الأسعار المدفوعة بما في ذلك الإنفاق على سلع الحصة التموينية والتي تبلغ 12100 دينار شهريا.

وقد اظهر تحليل الفقر فرادة وضع الفقر في العراق حيث:

  • يقع العراق ضمن البلدان متوسطة الدخل إلا إن الظروف الاستثنائية التي شهدها خلال ربع القرن المنصرم جعلت هؤلاء الناس أكثر فقرا نتيجة هبوط متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي. وقد ترافق ذلك مع انخفاض مستويات الرفاه الإجتماعي.
  • إن توزيع الأفراد حسب متوسط إنفاق الفرد كشف إن معظمهم يتركزون حول خط الفقر، وقلة منهم يقعون بعيداً عن هذا الخط. ويعني ذلك أن تعرض نسبة كبيرة من غير الفقراء إلى انخفاض في دخولهم (فقدان العمل أو فقدان المعيل أو مرض احد أفراد الأسرة…الخ) أو ارتفاع في احتياجاتهم الاستهلاكية يتوقع أن يؤدي إلى وقوعهم تحت خط الفقر(انظر الشكل). وإذ قدرت فجوة الفقر في العراق بـ 4.5% وهو ما يعني أن استهلاك غالبية الفقراء قريب جدا من خط الفقر، وأن التحسن النسبي في دخولهم أو زيادة نصيبهم من الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة يستطيع انتشالهم من الفقر. إلا إن حجم الفجوة يتباين بين المحافظات بشكل حاد. وتعتبر المثنى أفقر المحافظات إذ تبلغ نسبة الفقر 50% للأفراد، تليها بابل (42%) وصلاح الدين (41%).
  • أن الفقر في العراق، خلافا للفقر في معظم البلدان الأخرى، لا تصاحبه مستويات مرتفعة من التفاوت الإجتماعي. فالبلد متجانس بشكل ملحوظ في التوزيع العام للرفاه الإجتماعي.

 

جدول (1): أهم مؤشرات الفقر في العراق 2007

المؤشر القيمة
خط فقر

(ألف دينار/فرد/ شهر)

الوطني 76.9
الغذاء 34.3
غير الغذاء 42.6
نسبة الفقر (%) الإجمالي 22.9
الحضر 16.1
الريف 39.3
عدد الفقراء

(مليون نسمة)

الإجمالي 6.9
الحضر 3.5
الريف 3.4
فجوة الفقر (%) الإجمالي 4.5
الحضر 2.7
الريف 9.0

رغم وجود مقاييس متعددة لقياس التفاوت إلا إن معامل جيني يُعد الأكثر شيوعاً، والذي تتراوح قيمته بين الصفر لحالة المساواة الكاملة، والواحد لأقصى حالة تفاوت في توزيع الدخل (الأنفاق)، وبالتأكيد فان هاتين حالتين متطرفتان جداً وبعيدتان عن الواقع العملي. ويعد التفاوت بين الفقراء والأغنياء منخفضاً في العراق مقارنة بباقي بلدان العالم، إذ إن مقارنة قيمة معامل جيني بتلك الخاصة بـ 128 بلدا توفرت عنها قيمة المعاملات أظهرت إن العراق جاء بالمرتبة الثامنة عشر حيث بلغت قيمة المعامل 0.309، مقارنة مع 0.344 مصر، 0.353 الجزائر، 0.377 اليمن، 0.384 إيران، 0.388 الأردن، 0.395 المغرب، و0.436 تركيا.

 

ويعبر منحنى لورنز بشكل بياني عن التفاوت في الدخل (الإنفاق)، وكلما كان هذا المنحنى اقرب إلى خط التساوي دلَّ ذلك على إن التفاوت أقل. ونظريا يؤشر انطباق منحنى لورنز على خط المساواة إلى انعدام التفاوت أي تحقق المساواة التامة. ويشير قرب المنحنى في الشكل (6) من خط المساواة إلى إن التفاوت في الإنفاق منخفض في العراق.

 

شكل (6) منحنى لورنز للأنفاق في العراق لعام 2007

 

 

 نظام البطاقة التموينية بين العدالة والكلفة والعالية

رغم إن نظام البطاقة التموينية يمثل شبكة أمان فاعلة، إلا إنها غير كفوءة ومكلفة، ذلك إن إيصال دولار واحد من المواد الغذائية إلى فرد واحد من الفقراء يكلف نحو 6.30 دولار وهي كلفة مرتفعة حسب المقاييس الدولية. وبحسب دراسة للبنك الدولي ثمة ثلاثة جوانب لعدم الكفاءة يعاني منها النظام([3]):

(1) حيث أن النظام متاح لجميع الأسر دون تمييز بين فقيرها وغنيها، لذا فإن الكلفة أعلى مما في حالة شبكة الأمان المستهدفة للفقراء.

(2) تخلف النظم المحسابية ونظم الاتصالات والمتابعة واشتمالها على خلل وظيفي بحيث تجعل من الصعب التأكد مما إذا كانت الأسعار المستوفاة مناسبة، وما إذا نفذت العقود، وما إذا كانت هناك ازدواجية في الدفع، وما إذا كانت هناك كميات مناسبة من المواد موجودة حيث يفترض أن تكون، وهذا ما جعل النظام عرضة لحالات الهدر والسرقة والفساد([4]).

(3) عدم تنافسية عقود توريدات مواد البطاقة التموينية التي تعتمد على مجموعة من شركات القطاع الخاص العراقية والشركات العامة الأمر الذي يؤدي إلى تراجع المنافسة والكفاءة تاليا. فضلا عن تهميش القطاع الخاص العراقي وعدم حصوله على الخبرة اللازمة لبناء قدراته نتيجة استبعاده عن المجالات التي تتولاها شركات القطاع العام.

 

يحصل كل فرد عراقي بموجب نظام البطاقة التموينية على سلة غذائية شهرية تقدر عدد سعراتها بحوالي 2150 سعرة حرارية لكل شخص يوميا([5])، بكلفة رمزية تصل إلى 757 دينار عراقي يدفعها الفرد طبقا لنتائج المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة([6]) (0.64 دولار فقط)، تدار من قبل وزارة التجارة، وتوزع عبر (55580) وكيل هم من أصحاب الدكاكين أو المحلات المنتشرين في كافة أنحاء العراق. ويشير الجدول (2) إلى توزيع المستفيدين من نظام البطاقة التموينية حسب المحافظة لغاية شهر حزيران 2009. فيما يشير الجدول (3) إلى سلة السلع التي يفترض أن يحصل عليها كل مواطن بموجب هذا النظام.

جدول (2): توزيع المستفيدين من نظام البطاقة التموينية (2009)

المحافظة المراكز

التموينية

عدد

العوائل

عدد الأفراد متوسط عدد

أفراد العائلة

عدد الوكلاء
الأفراد أطفال دون عمر سنة المجموع الغذائية الطحين المجموع
دهوك* 14 166660 916696 21290 937986 5.6 1360 498 1858
السليمانية* 32 363987 1573102 23972 1597074 4.4 3431 902 4333
اربيل* 31 307487 1368519 25571 1394090 4.5 2872 1078 3950
نينوى 56 575983 3155107 75794 3230901 5.6 2786 2779 5565
كركوك 23 260922 1260049 26496 1286545 4.9 1182 383 1565
ديالى 24 242434 1340396 26047 1366443 5.6 1733 731 2464
الانبار 28 243876 1422071 26717 1448788 5.9 1587 553 2140
بغداد 130 1418724 7067629 92472 7160101 5.0 8448 5379 13827
بابل 24 324500 1685700 33700 1719400 5.3 1667 876 2543
كربلاء 12 192451 981179 18456 999635 5.2 920 398 1318
واسط 22 207934 1131077 24837 1155914 5.6 1316 504 1820
صلاح الدين 11 182571 938734 15760 954494 5.2 1114 342 1456
النجف 20 222681 1192102 27168 1219270 5.5 981 340 1321
القادسية 21 210234 1094980 24962 1119942 5.3 984 321 1305
المثنى 18 103075 701472 16287 717759 7.0 593 202 795
ذي قار 25 286125 1804375 38299 1842674 6.4 1665 470 2135
ميسان 22 151768 990005 20705 1010710 6.7 1030 262 1292
البصرة 34 423645 2436105 41157 2477262 5.8 2735 2741 5476
المجموع 547 5933893 31354481 585293 31939774 5.4 36689 18891 55580

* لغاية تشرين الثاني 2008                المصدر: وزارة التجارة، بيانات داخلية.

جدول (3): سلة السلع الموزعة بموجب نظام البطاقة التموينية

المادة الحصة الشهرية

(كغم)

الحصة اليومية

(غرام)

بروتين

(غرام)

عدد السعرات الحرارية
طحين 9 300 32.4 1065
رز 3 100 7.6 363
سكر 2 66.7 257
شاي 0.2 6.7 1.4 23
زيوت 1.250 41.7 368
بقوليات 0.25 8.3 1.6 29
حليب كبار 0.25 8.3 2.1 42
المجموع 15.95 531.7 45.1 2147
حليب الأطفال 1.8 60 8.5 290

 

 

هذا يعني أن كل فرد يحصل على 5.8 دولاراً شهرياً (6840 دينارا بسعر السوق)، في حين إن التكلفة الإجمالية لإيصالها للمواطن تعادل 25.82 دولار (30467 دينارا). كلا المبلغين هو مرتفع قياسا على التجارب المشابهة ففي مصر يحصل الأفراد المشمولون بالبطاقة التموينية على دعم سنوي يصل إلى 84 جنيه (16.8 دولار)، أي ما  يعادل 7 جنيهات شهريا (1.4 دولار).

 

 

دعوات الإصلاح: الأسس والمبررات

ومنذ سقوط النظام تعالت الأصوات الداعية إلى إصلاح نظام البطاقة التموينية أو إلغائه، وكانت الحجة من وراء ذلك هي العيوب التي شابت النظام، كما إن التكلفة العالية للنظام تحد من إمكانية تطوير الخدمات التعليمية والصحية مع ملاحظة أن حكومة البعث حاولت الربط بين نظام البطاقة والخدمات الصحية عبر تأسيس نظام البطاقة الصحية التي واجهت صعوبات أدت إلى فشلها وإلغاء العمل بها. كما أن هذا النظام بدأ يواجه صعوبات لوجستية في عملية التوزيع وبخاصة في ظل تدهور الوضع الأمني وتعرض أساطيل شاحنات وزارة التجارة لعمليات إرهابية أو أعمال نهب وسلب. كما يشير المنتقدون أن تطبيق هذا النظام أحدث تشوهات في بنية سوق المواد الغذائية، فمن جانب العرض أوجد فائضاً في عرض السلع التي يقدمها نظام البطاقة الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعارها إلى ما دون سعر الكلفة، وأدى إلى تدهور إنتاجها على المستوى المحلي. ومن جانب الطلب أدى نظام البطاقة إلى انخفاض في الطلب المحلي على السلع الغذائية المنتجة محليا، الأمر الذي أجبر الكثير من الفلاحين على ترك مزارعهم والبحث عن عمل في المدن العراقية الكبرى.

 

لم تفلح الأصوات الداعية لإصلاح نظام البطاقة أو إلغائه في تقليل إغراء المواطنين تجاه تفضيل نظام البطاقة التموينية، فعقب سقوط حكم البعث طرح البعض استبدال الحصة التموينية ببديل نقدي يقدم إلى الأسر المستفيدة من نظام البطاقة. وقد أثبتت دراسة أجريت عام 2005 إن أكثر من 95 % من الأسر العراقية ترغب في استمرار حصولها على مواد البطاقة التموينية على استبدالها بالنقود([7]).

 

وفي آب (أغسطس) 2005 شكلت الحكومة لجنة وزارية لبحث موضوع استبدال نظام البطاقة التموينية ببديل نقدي، وقد رفعت اللجنة توصياتها إلى مجلس الوزراء الذي وافق على عدد من الإجراءات منها: الشروع في عام 2006 بتطبيق محدود لنظام التحويل النقدي يشمل ثلاث محافظات هي دهوك والمثنى وأجزاء من محافظة صلاح الدين في ظل احتفاظ الأسر بحرية الاختيار بين استمرار الحصول على المواد الغذائية أو استلام البدل النقدي. كما أوصت اللجنة بالتطبيق الدوري لهذا القرار مع الأخذ بنظر الاعتبار تأثيراته على أسعار السوق واتجاهات تفضيل الأسر لأي من البديلين. ويجادل خبراء البنك الدولي بضرورة تقليص عدد المواد التي توزع من خلال نظام البطاقة التموينية، بالتزامن مع زيادة الكمية الموزعة من مواد أخرى. على أن يجري حذف المواد رخيصة الثمن (أي التي لا تخفض بشكل حاد القدرة الشرائية للأسرة) والمواد غير الأساسية للتغذية الجيدة([8]).

 

يشكل نظام البطاقة التموينية عبئا كبيرا على الموازنة العامة للدولة، ورغم انخفاض مخصصاته في كل سنة منذ عام 2004 إلا إنها ما تزال تشكل نسبة تقترب من 7% من إجمالي الإنفاق العام، وهي بذلك تزيد على نسبة الإنفاق على الصحة إلى إجمالي الإنفاق العام. وتقترب من نسبة ما ينفق على التعليم (باستثناء عام 2009) كما يتضح من الجدول (5). لذا قررت الحكومة إجراء تعديلات جذرية على هذا النظام، وطبقا لما جاء في الموازنة الاتحادية لعام 2009 (المادة -34-أ-) (( على وزير التجارة الاتحادي إعداد خطة خلال خمسين يوما من تاريخ إقرار الموازنة العامة الاتحادية والمصادقة عليها يتم بموجبها توجيه تخصيصات البطاقة التموينية إلى الطبقات الأكثر حاجة وعدم منحها إلى المواطنين الذين يزيد دخلهم الشهري على مليون ونصف المليون دينارا عراقيا سواءً من منتسبي الدولة أو منتسبي القطاع الخاص وأصحاب المهن والتجار والصناعيين وغيرهم))([9]) وهو ما يعني تعديل نظام الاستهداف العام بما يتوافق مع تحقيق هذه الغاية.

 

جدول (5): مخصصات دعم البطاقة التموينية في الموازنة العامة 2004-2009

السنة مقدار دعم البطاقة التموينية نسبة الدعم إلى إجمالي الإنفاق العام نسبة الإنفاق على التعليم إلى إجمالي الإنفاق العام نسبة الإنفاق على الصحة إلى إجمالي الإنفاق العام
2004 6.000 16.8 5.2 5.22
2005 6.000 16.7 2.4 1.7
2006 4.500 9 5.1 3.7
2007 3.900 7.5 8.3 5.0
2008 6.985 8.6 8.6 4.9
2009 4.200 6.9 11.9 6.7
متوسط 2004-2009 5.26 10.92 6.91 4.53

 

 

سيناريو الإصلاح

وقد بادرت وزارة التجارة إلى تنفيذ خطة تقضي بالشروع بحجب البطاقة عن الموظفين الذين تزيد رواتبهم عن 1.5 مليون دينار، مع ذلك فانه لا يتوقع أن تحقق هذه الخطوة تعديلات ذات دلالة على عملية الاستهداف، إذ يتوقع أن يتم شمول 50 ألف موظف فقط (من الدرجة العليا (أ) وحتى الدرجة الثانية كما مبين بالشكل رقم 6) من أكثر من حوالي 32 مليون فردا يحصلون على الحصة التموينية الموزعة بموجب نظام البطاقة التموينية. وحتى لو افترضنا توسيع الشمول إلى اسر أولئك الموظفين فان العدد سيرتفع إلى حوالي 270 ألف نسمة فقط بافتراض أن متوسط عدد أفراد الأسرة هو 5.4 فردا (أنظر الجدول (6)).

ومع ضآلة عدد المشمولين بالحجب فان وزارة التجارة قدمت بديلين، يقوم الأول على حجب حصة الفرد من بطاقة الأسرة من الموظفين الذين يزيد راتبهم عن (1.5) مليون دينار وأعضاء الغرف التجارية والصناعية والنقابات المهنية ممن يزيد دخلهم الشهري عن (1.5) مليون دينار([10]).

أما البديل الثاني فانه يقوم على استبعاد جميع أفراد الأسر للأفراد المشمولين بالبديل الأول. وبالنسبة لبقية المواطنين فتقوم وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي بالاشتراك مع وزارة التجارة بإعداد الإمكانيات والملاكات اللازمة لتوزيع استمارة طلب الشمول بالبطاقة التموينية وفرز المشمولين من غير المشمولين، على أن تبدأ هذه العملية في النصف الثاني من عام 2010 وتستكمل مع نهاية العام نفسه. وعلى أساس نتائج تلك العملية يتخذ قرار بدفع البديل النقدي للمشمولين بالحصة خلال عام 2011 على أساس احتساب كامل مفردات الحصة التموينية وتوزيع المبالغ على مصارف القطاعين العام والخاص لتوزيعها على المواطنين. ويخصص مبلغ إضافي بمقدار 50% من المبلغ المخصص للعوائل المشمولة بالحصة التموينية لغرض توفير المواد الأساسية للمواطنين بسعر الكلفة مضافا إليها النفقات الإدارية وهامش ربح الوكلاء، وذلك لزيادة خيارات آراء للمواطنين، فيما يتولى القطاع الخاص متنافسا مع الوزارة (وتحت رقابتها) بتوفير مواد البطاقة الأخرى.

وعلى ما يبدو أن وزارة التجارة لم تفلح حتى الآن (أيلول 2009) في انجاز عملية استهداف موظفي الدولة وما تزال عملية حصرهم عدديا تمهيدا لوقف شمولهم بالحصة التموينية تواجه صعوبات لوجستية مع تأخر الكثير من الوزارات والهيئات في تقديم البيانات المطلوبة. وبطبيعة الحال ستكون الصعوبات اكبر في حالة الانتقال إلى القطاع الخاص بالاعتماد على بيانات النقابات المهنية والاتحادات التجارية والصناعية، اذ تبقى التقديرات متواضعة وغير دقيقة بالنسبة لهذه الفئة (أنظر جدول 7).

 

 

 

  • جعل النظام أكثر استهدافا للفقراء

 

  • أهمية سلع البطاقة بالنسبة للفقراء

 

 

  • الآثار المباشرة وغير المباشر للإلغاء نظام البطاقة

 

 

الخاتمة

 

 

 

 

[1] الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات وآخرون، التحليل الشامل للأمن الغذائي والفئات الهشة، برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، 2008، ص17

([2]) حسن لطيف كاظم الزبيدي، نظام البطاقة التموينية: 95% من العراقيين يريدونها

(http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=28&id=2006&lang=1)

[3] البنك الدولي، دراسة لمستقبل نظام التوزيع العام العراقي، وحدة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، دائرة الشرق الأوسط، منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، البنك الدولي، ص4

[4] طبقا لبيانات هيئة النزاهة جاء ترتيب وزارة التجارة سادسا من حيث عدد الاخبارات التي وردت بشأن حصول انتهاكات، وعاشرا بالنسبة للاخبارات الواردة في المحافظات، وقد أحيل 99 من تلك القضايا إلى المحاكم عام 2008.

انظر: جمهورية العراق، هيئة النزاهة، التقرير السنوي 2008، مطابع ديوان الوقف السني، بغداد، (د.ت)

[5] كانت تعادل هذه السعرات حوالي 60 % من السعرات اللازمة للفرد طبقا لتقديرات عام 2006، انخفضت إلى 51% عام 2007.

[6] يتباين متوسط كلفة الحصة التموينية بين المحافظات إذ يرتفع في ميسان إلى 1073 دينار، وينخفض في كركوك إلى 444 دينارا، كما انه يتناسب عكسيا مع حجم الأسرة، فيرتفع إلى 1148 دينارا بالنسبة للأسر التي يبلغ حجم أفرادها (1-2)، وينخفض إلى 619 دينارا بالنسبة للأسر التي يبلغ عدد أفرادها 13 فردا فأكثر، وهو أمر قد يعود إلى انخفاض أجور النقل بالنسبة للفرد.

انظر: الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة العراقية 2007، جدول 7-5، ص456-457

[7] برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة و الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، تحليل الأمن الغذائي والفئات الهشة في العراق، ص34

[8] انظر: وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خارطة الحرمان ومستويات المعيشة في العراق، الجزء الأول: التقرير التحليلي، ص190

[9] قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية 2009، الوقائع العراقية، العدد (4117) في 13 نيسان 2009، ص14

[10] وزارة التجارة، خطة وزارة التجارة لتوجيه تخصيصات البطاقة التموينية للفئات الأكثر حاجة.

التصنيفات : البحوث والدراسات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان