الوقف الاسلامي وأثره في التنمية الاقتصادية

منذ سنتين
2641

الوقف الاسلامي وأثره في التنمية الاقتصادية

الدكتور حسن لطيف كاظم

السيد عقيل كنيوي طعيمه(*)

أولا: المقدمة

إن للأوقاف أثراً في البناء الحضاري والتنموي للدول الاسلامية، وتلبية حاجات المجتمع المتنوعة ودعم البرامج النافعة لعموم الناس، ويحفل التاريخ الاسلامي بتجارب الاوقاف التي حققت مصالح المسلمين منذ عهد النبوة الى عصرنا الحاضر، ويشهد بذلك الادلة ونصوص السنة النبوية، والتاريخ الاسلامي، والسجلات والوثائق الخاصة بالأوقاف التي شيدت لدعم اعمال البر والخير والتنمية مثل بناء المساجد والمدارس والمكتبات ورعاية الايتام والفقراء والخدمات الصحية بل وحتى رعاية الحيوانات وحماية البيئة.

ارتبط نظام الوقف بمجموعة كبيرة من الانشطة والمؤسسات والمشروعات، كان لها الاثر الكبير في تدعيم البناء الاجتماعي. بالإضافة الى اتساع نظام الوقف ليشمل مختلف أنواع الثروة من أراضي وعقارات ووسائل إنتاج, ومختلف مجالات الحياة الدينية والاقتصادية والاجتماعية وأنّ للوقف أثراً كبيراً في دعم مجال التعليم والمعرفة والبحث العلمي الذي له الاهمية الكبيرة في تقدم المجتمعات العربية والإسلامية وتطورها وبروز التشريعات الحديثة التي تسهم في مجال التنمية الاقتصادية.

يكتسب البحث اهميته من كون ان للوقف مكانة كبيرة لدى الباحثين في الاقتصاد الاسلامي لما للوقف من دور في التنمية الاقتصادية من خلال دعمه التعليم والصحة والتقدم العلمي، والمساهمة في نهوض القطاع الزراعي والصناعي والتجاري، والعمل على زيادة إنتاجية المجتمع ورفع مستوى التشغيل، وتخفيف الأعباء عن الدولة وغيرها، ولهذا يعد الوقف من الأنظمة التي كان وما يزال لها الأثر البالغ في تطوير الاقتصاديات الاسلامية وتميزها عن سائر الأمم، فضلاً عن ان معاناة البلدان الاسلامية من مظاهر التخلف تدفع باتجاه أن يكون للوقف دور اكبر في دعم التنمية الاقتصادية بما يخدم المجتمعات الاسلامية.

وينطلق البحث من فرضية مفادها ان للأوقاف أثراً كبيراً في التنمية الاقتصادية من خلال الدور الذي يمكن ان يلعبه في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية وبخاصة دعم التعليم والصحة وفرص كسب الدخل في المجتمعات الاسلامية.

 

ثانياً: مفهوم الوقف الاسلامي وأبعاده الفقهية

الوقف هو حبس الاصل وإطلاق منفعته، ويراد من ذلك ايقاف تملكه وجعل الاستفادة منه عامة، لا لفئة معينه وقد اعطى الفقهاء لهذه العملية شروطا، وضوابط تحكم عملية الوقف وسبل الانتفاع منه. ويعد الوقف ظاهرة اسلامية اصيلة، نص عليها الكتاب والسنة النبوية الشريفة واقرها الفقه ومنحها اسساً وضوابط وميز بين انواعه.

والوقف لغة هو الحبس ففي لسان العرب «وقف الارض: حبسها» ووقفت الدابَّة والأرض وكل شيء، فأما (اوقف) في جميع ما تقدم من الدواب والارضين وغيرهما فهي لغة رديئة، وتقول: وقفت الشيء اقفه وقفاً، ولا يقال (اوقفت) إلا على لغة رديئة([1]) .

والوقف: الواو والقاف والفاء: اصل واحد يدل على تمكن في شيء ثم يقاس عليه و وقفت اقف وقوفاً. ووقفت وقفي ولا يقال في شيء: ينتزع عنه: قد اوقف ثم اشتهر اطلاق كلمة الوقف على اسم المفعول وهو الموقوف، ويقال للموقوف (وقف) من باب اطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ولذا اجمع على اوقاف كوقت وأوقات.

وعرف الوقف بأنّه «ايقاف التمليك وحبس العين عن الانتقال، لان الملك في حد ذاته قابل للانتقال، ولو وقف سواء على الاولاد أو على العامة، وسواء أكان تحريراً للملك كما يعتق العبد، أم تمليكاً لجهة، فلا انتقال فيه ولا جريان، بل هو على كل تقدير ايقاف العين»([2]). ومن المنظور الشرعي فقد عرف بتعاريف مختلفة تبعاً لاختلاف مذاهب الفقهاء في الوقف من حيث لزومه وعدم لزومه، واشتراط القربة فيه، والجهة المالكة للعين بعد وقفها.

وقد عرف فقهاء الشافعية الوقف بأنّه «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته، وتصرف منافعه الى البر تقرباً الى الله تعالى»([3]). أي انّه يصرف في جهة خير أي ان الهدف من الوقف هو التقرب الى الله([4]). ومعنى ذلك انهم يرون انه متى تم الوقف فليس للواقف ولا لغيره ان يتصرف في العين الموقوفة تصرف المالك فلا يبيعها أو يرهنها، وإذا مات فإنّها لا تنتقل الى ورثته بل تصرف غلتها الى المستحقين سواء أكان الورثة للواقف أم غير ورثته، فالوقف يخرج المال الموقوف عن ملك واقفه بعد تمام الوقف، ومعنى ذلك ان الوقف عندهم لازما و مؤبدا.

في حين قال الحنفية «بأنّ الوقف حبس العين على حكم ملك الواقف والتصرف بالمنفعة بمنزلة العارية(*) ولا يزول ملك الواقف عن الوقف إلا ان يحكم الحاكم به أو يعلقه بموته»([5]). وعلى هذا فالوقف عند أبي حنيفة جائز إلا انه غير لازم، بمنزلة العارية، وهو حبس الملك شرعا, وعليه فان المنفعة تصرف الى جهة الوقف وتبقى العين على ملك الواقف, فله ان يرجع, ويجوز بيعه ويورث عنه لكنه يلزم بأحد ثلاثة أمور وهي: أن يحكم به حاكم، وأن يعلقه الواقف بموته, فيصبح كالوصية ويلزم من الثلث بموته، وأخيراً، ان يجعل وقفه مسجداً ويعززه عن ملكه ويأذن للناس بالصلاة فيه, فإذا صلى فيه واحداً أو أكثر فيزول بذلك عن ملكه([6]).

أما المالكية فقد عرفوا الوقف بأنّه «جعل المالك منفعة مملوكة، ولو كان مملوكاً بأجرة أو جعل غلته كدراهم لمستحق بصيغة مدة ما يراه المحبس»([7]). أي أنّ العين الموقوفة باقية على ملك الواقف يمكن الانتفاع بها، لكنه ممنوع من التصرف فيها([8]). ويتضح لنا ان المذهب المالكي يكون وسطاً بين المذهبين السابقين. أي يمنع الواقف عن التصرف في العين الموقوفة ويلزم بالتصدق بالمنفعة مع بقاء العين له فهم يتفقون مع الحنفية في ان العين الموقوفة لا تخرج عن ملك الواقف ولكن يمنع التصرف بها، ويلزم التصدق بمنفعتها ولا يصح له الرجوع فيها كما هو عند الصاحبين([9]).

أما عند الزيدية فالوقف «حبس مخصوص على وجه مخصوص بنية القربة»([10]). أي يخصص الوقف في وجه القربة الى الله تعالى. في حين عرف الحنابلة الوقف بأنه «حبس الاصل وتسبيل المنفعة على برً أو قربة»([11]).

أما عند الاباضية فهو «وقف مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه, لقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته لصرف منافعه في جهة خير تقرباً الى الله تعالى»([12]).

ومن التعريفات الحديثة للوقف ما جاء به محمد ابو زهرة بأنّه «منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها, وجعل المنفعة لها من جهات الخير ابتداء وانتهاء»([13]).

وهذه التعريفات لا تختلف في ان الوقف هو حبس العين والتصدق بمنفعتها وان هذه العين تبقى بعد الانتفاع بها وان يكون مصرفها مباحا موجودا, وان يقصد به القربة ونحو ذلك([14]).

 

 

 

ثالثاً: انواع الوقف

هناك انواع عديدة للوقف تباينت تقسيماتها وسوف نأخذ الوقف من حيث قصد الواقف أو الغرض المقصود من الوقف ومدة الوقف ونوع الشيء الموقوف. وفي ما يأتي سنحاول التعرف على هذه التقسيمات:

1: التقسيم العرضي: وهذا التقسيم عرضي اعتاد الناس عليه, ثم ثبتته القوانين بعد ذلك([15]). وهو تقسيم حديث يقصد به التنظيم والتمييز وهذا يفسر الرأي الذي يذهب اليه بعض الدارسين, إنّ تلك التقسيمات ما هي إلا اجراءات عرفية للوقف, وتحولت فيما بعد الى تقسيمات قانونية أو رسمية حكومية, وقامت الدولة الحديثة بتعريف التمايز فيما بينهم عبر التدخل في شؤون الوقف ومؤسساته أو لغرض إحكام السيطرة عليها, وقد تم لها ذلك ابتداء من اواخر القرن التاسع عشر الميلادي الى ان نقل نظام الوقف برمته من حيزه الاجتماعي الى الحيز السياسي, بمعناه الضيق, الذي تحتكره الدولة بحلول منتصف القرن العشرين ونتيجة لهذا التدخل ادى الى افقاد الوقف العناصر التي تميزه عن غيره من انواع التصرف في الملكية([16]). وبحسب هذا التقسيم هناك ثلاثة انواع من الاوقاف هي:

النوع الاول: الوقف الخيري: هو «الوقف الذي وقف على جهات الخير من حين انشائه»([17]). مثل المساجد والمستشفيات والملاجئ والمدارس. ويلاحظ ان هذه الاوقاف انشئت لجهة البر والتقوى وهما من مظاهر الخير.

النوع الثاني: الوقف الاهلي (الذري): وهو الذي يوقف على الذرية كأن يوقف على شخص أو شخصين معينين أي على اولاده ثم بعد ذلك على جهة خيرية ويكفي قبول الموجودين([18]). اذ يحافظ على كيان الاسرة ويحقق لأجيالها القادمة ما يساعدها في المستقبل([19]). ويهدف هذا النوع من الاوقاف الى ضمان التكافل الاجتماعي لذرية الواقف وذوي قرباه فضلا عن اشاعة عمل الخير كإعانة الفقراء وطلاب العلم.

النوع الثالث: الوقف المشترك: يقصد بالوقف المشترك هو الذي يكون بعضه خيرياً وبعضه أهلياً، ونلاحظ من ذلك ان الوقف المشترك يحتوى على جهتين احداهما خيرية والأخرى ذرية وتكون في وقف واحد([20]). ان هذا الوقف يكون على الذرية وعلى جهة من جهات البر في وقت واحد، أي جعل لذرية الواقف نصيباً من العين الموقوفة، وللبر نصيباً مطلقاً في الباقي وبخلافه([21]).

2: التقسيم الوظيفي: ويقوم هذا التقسيم على ملاحظة الغرض النهائي من الوقف، وعليه فهو يقسم على نوعين: الاول: الوقف الاستهلاكي وهو «الذي يقدم خدمات مباشرة تمثل الانتاج الفعلي أو المنافع الفعلية لأعيان الاموال الموقوفة نفسها وتمثل الاموال الوقفية بالنسبة لهذه المنافع الاصول الثابتة الانتاجية المتراكمة من جيل الى جيل»([22]). أما النوع الثاني: الوقف الاستثماري هو «ما يستعمل اصله في انتاج ايراد, وينفق الايراد على غرض الوقف»([23]). ويعرفه اخرون هو الوقف الذي يقوم على استثمار المال وإنشاء مشروعات اقتصادية وشراء الاسهم والسندات والصكوك على أن العائد ينفق على وجه الوقف([24]). أي ان الوقف الاستثماري هو الذي يستثمر امواله في المشاريع المختلفة منها الزراعية والعقارية والصناعية والمحافظة على الاموال من التلف والضياع. وقد اعطي هذا النوع من الوقف اولوية في الانفاق للمحافظة على الاموال وإنمائها. ويتضمن الوقف الاستثماري انتقال الاموال الى اجيال تتوارث المنفعة جيلاً بعد جيل وظهر هذا النوع من الاوقاف نتيجة التطور في المجالات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة فأصبحت الحاجة ملحة لاستثمار وتنمية الاموال الوقفية([25]).

2: التقسيم المادي: هو التقسيم الذي يقوم على اساس مادة الوقف وهذا يقسم على نوعين هما الوقف المالي والوقف العقاري. فالأول هو الذي يستثمر امواله بصيغة المضاربة والشركة وغير ذلك, وما تحقق من ارباح وعوائد تصرف بحسب شروط الواقفين, برقابة حكومية وضبط محاسبي ونظارة واعية([26]), وظهر هذا النوع مع بداية ظهور الدولة العثمانية, إذ لم يكن موجوداً في زمن الرسول ولا في زمن الخلافة الراشدة حيث كانت اغلب الاوقاف عقاراً([27]). أما الوقف العقاري فيمثل نواة اموال الوقف إذ ان اغلب موارد الاوقاف تكون في شكل عقارات ويقوم اصحابها بالتبرع بها من اجل الاجر والثواب من الله عز وجل ومن بين اهم هذه العقارات هي العقارات السكنية من خلال بيع المنازل وشرائها، وكذلك العقارات الاستثمارية التي تتمثل بالبنايات السكنية, وكذلك العقارات التجارية التي يتم تأجيرها من اسواق ومكاتب تجارية وبالتالي فإنّ الوقف العقاري له اهمية كبيرة في الاوقاف الاسلامية. وفي دراسة حول الاوقاف في بلدان العالم الاسلامي خلال المدة (1340-1947م) ظهر ان من بين 341 وقفاً لم يوجد سوى 5.5% وقفاً مالياً في حين وجد ان 93% فيها اوقافا عقارية([28]).

4: التقسيم الزمني: وأن أختلف في جوازه وهو على نوعين: النوع الاول: الوقف المؤبد هو الوقف الذي يتضاعف فيه الوقف اضعافا كثيرة, وتستمر خيراته طيلة وجوده , كما يجرى اجره بإذن الله للواقف ما أستمر جريانه([29]). أما النوع الثاني: الوقف المؤقت هو الوقف الذي يستهلك ويحدد الوقف بوقت من قبل الواقف.

 

رابعا: أركان الوقف وشروطه

اختلف العلماء في تحديد اركان الوقف على قولين: الاول، لجمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة والامامية والزيدية) إنّ اركان الوقف هي اربعة الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة([30]). على ان لكل ركن من هذه الاركان شروطاً خاصة به سوف نبينها لاحقا. أما القول الثاني فهو للحنفية هو ان للوقف ركناً واحداً هو الصيغة فقط، أي يحبس الاصل والانتفاع بالثمرة و ينتفع بها مع بقائها([31]). عليه فإنّ الحنفية لا ينكرون وجود بقية الاركان بل يذكرونها إلا انهم لا يعدونها اركاناً([32])، وإنما هي لازمة لوجود الصيغة.

وفي ما يأتي بيان لأركان الوقف وشروطه:

الركن الاول: الواقف: و «هو المالك للذات أو المنفعة التي اوقفها»([33]). فالواقف هو كالواهب و يشترط في الواقف عدة شروط:

1- العقل: فلا يصح وقف المجنون([34])، لنفي التكليف عنه، وعدم الاخذ بمقاصده وأقواله وأفعاله([35]) ولا يصح وقف الساهي، أو الغافل، أو السكران([36]).

2- البلوغ: فلا يصح وقف الصبي([37])، ولو كان مميزاً، لأنّ غير المميز فاقد لأهلية التصرف، والمميز غير البالغ ليس أهلاً للتبرعات([38]). ولا فرق بين ان يكون الصبي مأذوناً له بالتجارة، أو غير مأذون له، والى هذا ذهب العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية والامامية والزيدية([39]).

3- الاختيار: فلا يصح وقف المكره لأنه ليس اهلاً للتبرع, ومن شروط الواقف ان يكون الواقف اهلاً للتبرع([40]). ويكون هذا الشرط بالإجماع لكل الاراء المذهبية.

4- أن يكون حراً، فلا يجوز الوقف من العبد، لان الوقف ازالة ملك، والعبد ليس من اهل الملك([41]). وهذا الشرط بالإجماع للآراء المذهبية جميعا.

5- ألا يكون محجوراً عليه لسفه أو افلاس، لأنّ الوقف تبرع، والمحجور عليه ليس من اهل التبرع([42]). إلا ان العلماء ومنهم الحنفية, الشافعية، المالكية، والحنابلة، الامامية حرصوا بأن وصية السفيه تجوز في حدود الثلث اذ كانت كوصية الرشداء العاقلين([43]).

6- لا يجوز للواقف اذا اوقف على احد أو تصدق عليه ان يدخل عليه غيره، إلا ان يجيزوا أو يشترط ذلك ضمن عقد الوقف([44]).

7- لا يشترط في الواقف ان يكون مسلماً، فيصح وقف الكافر اذا كان واجداً للشرائط على الاقوى([45]).

8- لا يصح للواقف ان يأكل من الوقف ويتصرف فيه بعد تمام الوقفية([46]).

9- أن لا يسكن في الدار اذا تصدق بها إلا مع الاذن. وإذا وقف على ولده الصغار لزم على الكبار إلا بعد قبضهم([47]) .

الركن الثاني: الموقوف: أي «العين المحبوسة اما على ملك الواقف وأما على ملك الله تعالى والممنوع من عمله»([48]). والموقوف هو كل عين مملوكة ملكاً يحصل منها على فائدة مثل العقارات (الدور والأراضي والبساتين وكذلك الحيوانات والسلاح). وكذلك عرف الموقوف «الشيء المملوك سواء كان ذاتاً أو منفعة»([49]). ومن شروطه:

1- ان تكون عيناً موجودة، فلا يجوز وقف الدين([50]) ولا المرهون ولا المجهول([51]) يصح التصرف بها والانتفاع مع بقاء عينها([52]) انتفاعاً محللاً، فلا يصح وقف الاطعمة والخضر والفواكه([53]) بسبب استهلاكها الآني([54]). وهذا عند الامامية والحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية والزيدية([55]).

2- يجوز وقف الارض والعقار والدور والمصنوع (السلاح) والرقيق، وكل ما يعد سلعة معمرة ً ويمكن الانتفاع به([56]). فقد اتفق العلماء على صحة وقف المنقول لدوام العين مع الانتفاع به. إلا ان المذهب الحنفي يقول عدم وقف المنقول مطلقاً، وذهب ابو حنيفة بعدم جواز وقف الكراع وهي الخيل والسلاح في سبيل الله([57]).

وكذلك يصح الوقف في الكتب والحيوان والحلي وشبهها،ولكونها لا تستهلك عند استعمالها مرة واحدة([58]). ولا يصح وقف النقود, لان الموقوف عليه لا ينتفع بها مع بقاء عينها في يده أي انها تستهلك عند استخدامها مرة واحدة فالنقود لا تطلب لذاتها وإنما تكون منفعتها مشتقة من الاشياء التي تبادل بها([59]). ان المانع المهم هو لزوم الاحتفاظ بالأصل وإبقائه في الوقف وهنا غير ميسر في النقود اذا اريد الانتفاع بها المنفعة الرائجة كالتجارة بها، وأما اذا امكن الانتفاع بالتصرف بالمال مع الحفاظ على ماليتها فلا يصح لعدم صحة الوقف, وعلى هذا فوقف الاثمان على عائلة فقير ولكن اجاز لهم التصرف في اشخاص الاثمان لغاية التجارة بها حتى يعود نفعها للموقوف عليهم بشرط الحفاظ على المال في عامة المبادلات والبيع والشراء([60]). في حين قال الحنابلة لا يصح وقف سباع البهائم وجوارح الطير التي لا تصلح للصيد لأنّه نقلاً للملك في الحياة, فلم يجر كالبيع, ولان الوقف تحبيس الاصل وتسبيل للمنفعة, وما لا منفعة فيه مباحة فلا يحصل فيه تسبيل المنفعة([61]). أما القانون المصري رقم (46) لسنة 1946 فقد أخذ برأي أبي يوسف في جواز وقفه لمشاع القابل للقسمة على جهة خيرية كمستشفى أو مدرسة([62]).

3- يصح اقباض العين الموقوفة، فلا يصح ما لا يمكن اقباضه، كالطير في الهواء والسمك في الماء، لأنّ فيه سفهاً([63]).

4- ان يكون الموقوف معززاً غير شائع فقد ذهب الاحناف الى عدم جواز الموقوف معززاً غير شائع, اما الشافعية والحنابلة فقد ذهبوا الى صحة الوقف المشاع مطلقاً والمالكية ذهبوا الى جواز وقف المشاع المملوك مما يقبل القسمة فقط([64]) سواء أكانت مشاعية أو مقسومة([65]).

5- ويشترط على كونه في عين موقوفة يصح بيعها غير مصحفٍ، وينتفع بها مع بقائها، وتكون على جهة البر، كالمساكين، والمساجد، والقناطر، والأقارب([66]) وكل ما يصح وقفه يصح اعماره كالملك والعبد والإناث، حبس فرسه أو غلامه في خدمة بيوت العبادة وسبيل الله لزم ما دامت العين باقية([67]).

6- ان يكون مما ينتفع به مع بقائه اذ اتفق العلماء على اشتراط ان تكون العين الموقوفة مما يمكن الانتفاع بها منفعة محللة([68]).

الركن الثالث: الموقوف عليه: «هو المستحق بصرف منافع الوقف عليه, وذلك كالوقف على شخص معين من الناس أو على العلماء, أو على الفقراء, أو غير ذلك من جهات البر والخير, كالوقف على المساجد والمستشفيات ودور العلم»([69]).

ويشترط في الموقوف عليه:

1- ان يكون اهلاً للتملك، كالفقراء، والمدارس، لان الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك([70]) .

وكذلك يصح الوقف على القناطر والمساجد ,لان الوقف عليها لصالح المسلمين فالوقف عليها وقف على المسلمين([71]). وإنّ الوقف على المساجد من حيث كونها دور عبادة وكذلك تدرس فيها علوم الدين وتشمل تعليم الرجال والنساء والكبار والصغار([72]) .

2- ان لا يكون الموقوف عليه عاصياً، لأنّ الوقف قربة الى الله تعالى وان لا يكون العرف في المعصية مثل نسخ كتب الضلال ونشرها وشراء الآت الملاهي ونحو ذلك([73]) .

3- ان يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلا يصح الوقف على النفس، فيجب الوقف على المسلمين عامةً وتكون المنفعة للجميع([74]).

4- اذا وقف المسلم على الفقراء انصرف الى فقراء المسلمين دون غيرهم, ولو وقف الكافر كذلك انصرف الى فقراء نحلته, ولو وقف على المسلمين انصرف الى من صلى الى القبلة([75]).

ويصح وقف المسلم على المسلمين وهم من شهد الشهادتين([76])، اذا كان الواقف ممن يرى ان غير اهل مذهبه ايضاً من المسلمين([77]). ولو وقف على الجيران رجع الى العرف, ولو وقف في وجوه البر (وأطلق) صرف في الفقراء والمساكين, وكل مصلحة يتقرب بها الى الله تعالى، ومعنى وجوه البر وجوه الخير والطاعة لله تعالى, فيصرف الى القربات كلها كنفع الفقراء والمساكين وعمارة المساجد والمدارس ونحو ذلك([78]).

5- جواز الوقف على الذمي، وقد اختلف الاصحاب في ذلك على اربعة اقوال :

  • الاول: الجواز مطلقاً، لقوله تعالى ]لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[([79]).
  • الثاني: انه يصح على ذي الرحم دون الاجنبي، للحث على صلة الارحام.
  • الثالث: يصح على الوالدين دون غيرهم، لقوله تعالى ] وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[([80]) والحث على برهما.
  • الرابع: المنع المطلق بقوله تعالى ] لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[([81]) الاية دالة على النهي عن مودة الكافر وان كان أبا ([82]).

الركن الرابع :الصيغة: «هو كل لفظ يدل على التمليك المضاف الى ما بعد الموت, وذلك كقول الموصي لشخص اخر: اوصيت اليك بداري, بعد وفاتي ,او وهبت هذه المزرعة بعد وفاتي»([83])، اما الصيغة فيشترط فيها العقدُ – فالإيجاب «وقفت» و«حبست» و «سبلت» ونية التقرب وان الوقف عيناً مملوكة معينة ينتفع بها مع بقائها([84])، ومن شروطها:

1- التأبيد: ويقصد به التوقيت فقد اختلف العلماء في اشتراط التأبيد في صحة الوقف, ومنهم من اشترطه، ومنهم لم يشترطه، فالشافعية والحنفية والحنابلة والزيدية والامامية والظاهرية الى اشتراطه وعلى هذا فأن الوقف لا ينعقد اذا كان مؤقتاً بمدة معينة ,كأن يقول داري وقف على زيد لمدة معينة([85]). ولم يجعله منتهياً الى الفقراء، والمساكين، والعلماء، ومن يجري مجراهم([86]).

2- التنجيز([87]): أي لا يجعل الوقف مقرونا بمدة([88]) ولا يجوز تعليق الوقف. كقول: اذا قدم فلان، أو جاء رأس الشهر، فقد وقفت([89]). اذ لا يصح وقفه سنة أو شهراً ونحوها([90]), اذ نص علماء المذهب الامامي على التنجيز وكذلك الشافعية والحنابلة والزيدية, وخالفهم في ذلك المالكية فقد ذهب الى القول بعدم اشتراط التنجيز في الوقف([91]).

3- النية والتقرب به الى الله، ولا يصح الوقف على كتب التوراة والانجيل، وكتب الكفر والزندقة. اما عند الشافعية فيصح الوقف على جهة لا تظهر فيها القربة كالأغنياء وأهل الذمة، ويصح بالاتفاق الوقف على اهل الذمة([92]).

4- اخراجه عن نفسه، فلو وقف على نفسه أو عليه ثم على غيره فالوقف باطل، وكذا لو شرط الانتفاع به أو قضاء ديونه فيبطل الوقف([93]). وعند الامامية والشافعية والحنابلة، اما المالكية والحنفية والزيدية فقد ذهبوا بصحة ان يقف الانسان على نفسه([94]).

5- الالزام: أي لا يجوز وضع أي شرط في الوقف، فلو وقف بشرط ان يكون له الخيار، أو قال: وقفت بشرط ان يكون لي الحق في بيعه، أو حق الرجوع فيه في أي وقت اشاء فإن الوقف باطل([95]).

خامسا: تقويم أثر الوقف في التنمية الاقتصادية

من المواضيع التي ركز عليها العلماء والباحثون في الاقتصاد الاسلامي هو الاهتمام بموضوع التنمية، وهذا الامر نابع من حث الاسلام على تنمية الكون، وعمارة الارض([96])، كما قال تعالى: ]هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا[([97]) اي خلق لكم الارض لتقوموا بعمارتها واعمارها.

ويقصد بالتنمية لغةً: التوسع أو النمو أو التحسن في الملك أو الاوضاع([98]). بينما يقصد بها اصطلاحاً الزيادة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها([99]).

وتعرف أيضاً: بأنّها عبارة عن النمو علاوة على التغير. والأخير لا يقتصر على البعد الاقتصادي والكمي وحسب، وإنما يمتد ليشمل الابعاد الاجتماعية والثقافية والنوعية ايضاً([100]).

والتنمية الاقتصادية هي عملية بموجبها يستخدم المجتمع موارده المتاحة لتحقيق معدل سريع للتوسع الاقتصادي يؤدي الى زيادة مطردة في الدخل القومي، وفي نصيب الفرد من السلع والخدمات، وذلك عن طريق التغلب على المعوقات الاقتصادية، والعمل على توفير رؤوس الاموال والخبرة الفنية والتكنولوجيا([101]). وتعرف ايضاً بأنها الاستخدام الامثل للموارد([102]). ان المجتمعات الاسلامية في جميع أنحاء العالم تعرف الوقف، فمن الواضح أن المجتمع الاسلامي يدرك أن الوقف هو واحد من أنبل المجالات في الحياة وهناك حاجة خاصة في دين الإسلام لأنه يعود بالفائدة على المسلمين، اذ انّه يساعد المحتاجين والفقراء والأيتام وغيرهم([103]). ولما كان الوقف حبس العين والتصدق بالمنفعة تمثل ضماناً قوياً لجهات عديدة، تتماشى مع مبادئ التشريع الاسلامي فإنه يقوم بتحقيق هدفين هما هدف عام وهدف خاص:

ففيما يتصل بالهدف العام فإنّ للوقف وظيفة اجتماعية هي تحقيق التكافل الاجتماعي بين افراد المجتمع، ورعاية الاغنياء والقادرين للفقراء والمحتاجين، بهدف تحقيق المستوى المعيشي والاجتماعي والإنساني اللائق بهم، لهذا جاء المجتمع المسلم متكافلا متراحما ومتعاطفا كالبناء المرصوص يشد بعضه بعضا. وان هذا البناء يقوم على اسس منها الوقف الذي هو نتيجة للشعور بالمسؤولية الانسانية يدفع الفرد لأنّ يستقطع جزءً من دخله وتوزيعه الى هذه الجهة لتتحصل منفعة من ريع الوقف([104]). ومن الاهداف التي يسعى لتحقيقها الوقف هو ايجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق اهداف عديدة من اجل مصلحة المجتمع الاسلامي([105]).

اما الهدف الخاص: فالإنسان يدفعه الى فعل الخير دوافع عديدة – بجانب المثوبة من الله تعالى – منها الدافع الاجتماعي، ومنها الدافع العائلي.

وبعبارة أدق، ان الوقف يحقق اهدافاً اجتماعية واسعة تتمثل في الاتي:

1- ضمان بقاء المال، ودوام الانتفاع به، والاستفادة منه ودوام البر والصلة.

2- حماية المال من عبث العابثين، كإسراف ولد، أو تصرف قريب.

3- تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي بين المسلمين ويحفظ للكثير من الجهات العامة حياتها([106]).

وكذلك من الاهداف الخاصة للوقف هو الهدف الديني حرصا من الواقف ورغبة منه في نيل الاجر والثواب من الله على وقفه([107]). إذ إنّ احصائيات وزارات الأوقاف في بعض دول العالم الاسلامي، وخاصة الغنية منها لا يكاد يجد ما يشير الى الوقف في مجال الرعاية الصحية. وعلى سبيل المثال تشير الاحصائيات وزارة الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية الى ان نسبة 60.4% من الأوقاف المخصصة للشؤون الخيرية، غير المساجد وشؤون الدعوة، وقد خصصت للفقراء وان 31.2% مخصص للأربطة، ونسبة 8.2% مخصصة لأوجه اخرى([108]). ان نظام الوقف يقوم بصيغ جديدة ومبتكرة ومتطورة لتلبية حاجات المجتمع وظهر هذا واضحا مع زيادة الاهتمام العالمي بقطاع العمل الاهلي ومؤسسات المجتمع المدني, خاصة وان كثيراً من المرافق الخدمية والدينية والصحية والتعليمية, تكلف الدولة كثيراً من النفقات التي تشمل موازنة الدولة العامة اذ تستطيع الأوقاف الخيرية ان تغطيها فقد بلغ عددها في مصر ما يقرب من 22000 وقفاً خيرياً([109]).

إنّ تجربة الأوقاف الاسلامية يمكن أن تحقق اهداف متصلة مع تطوير التنمية مثل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والخدمات الاخرى([110]).إنّ الاموال والممتلكات الوقفية اصبحت، تمثل جزءً كبيراً من الثروة الوطنية ومن الحركة الاقتصادية لأغلب البلدان الاسلامية، اذ اصبح الوقف قوة اقتصادية فاعلة، اذ ان هذه الثروة يمكن ان توجه مسار الدولة نحو تحقيق التنمية الاقتصادية([111]). وذلك من خلال اسهام الوقف في عملية البناء والاعمار واستصلاح الاراضي الزراعية واستثمارها. وكذلك في المجال النقدي اذ وجدت أوقاف تمتلك اموال كثيرة خصصت لتسليف المحتاجين من دون فوائد، وتعد هذه قروضاً نقدية، والى جانب القروض النقدية هناك قروض عينية وقفها اصحابها من اجل اقراض المزارعين المحتاجين الى البذور([112]). فضلاً عن ان للوقف العديد من الفوائد التي تعود على المجتمع وله أثرٌ مهمٌ في رفع مستوى النمو في البلدان الاسلامية([113]). وأنّ للوقف أدواراً تاريخية معروفة في ميادين التعليم والصحة وتشجيع النشاط الاقتصادي وتأسيساً على ما تقدم سنحاول في ما يلي تناول أدوار الوقف في مجال دعم التنمية وتنشيطها في المطالب الاتية:

 

أثر الوقف في التعليم: عني الاسلام بالعلم عناية كبيرة ويعد الوقف من المؤسسات ذات الاهمية الكبيرة اذ ان للوقف الدور الاكبر في تنمية التعليم سواء داخل المدارس أو في المكتبات وغيرها من المؤسسات الخيرية([114]). ولم تقتصر المخصصات الوقفية على بناء المساجد بل شملت كثيرا من أوقاف الكتاتيب والمدارس لكون الانفاق على التعليم من صور التقرب لله تعالى([115]). ويعد المسجد مركز اشعاع علمي اذ ان حلقات العلم كانت تدرس في بعض المساجد، كما انتشرت المدارس انتشاراً كبيراً, وقد وفر الوقف المواد لهذه المدارس، أي ان التعليم في العالم الاسلامي منذ انشاء المدارس كان مديناً للوقف([116]).

من جهة أخرى، يعد الوقف مصدراً رئيساً لنشر العلم وتمكين الطلاب من اكمال دراسات متخصصة فقد وظف امواله لتكون سبباً في تحقيق انجازات رئيسة في كثير من الفروع([117]). وان الاموال الموقوفة على التعليم شملت مراحل العملية التعليمية جميعاً وسائر جوانبها، ابتداءً من انشاء المدارس وتجهيزها وتوفير العاملين فيها من مربين ومعلمين, وانتهاءً بإنشاء المكتبات وتجهيزها وإمدادها بالكتب والإصدارات العلمية المختلفة([118]), إذ يعد وقف المكتبات والكتب من مفاخر الحضارة الاسلامية ومآثرها التي فاقت بها سائر الحضارات([119])، وبهذا يرتبط النشاط الكبير الذي يقوم به الوقف ارتباطاً وثيقاً في المراحل التاريخية للحضارة الاسلامية جميعاً من خلال التعليم([120]). وفي العراق فقد أسهم الوقف في العملية التعليمية وذلك من خلال المدارس التابعة للأوقاف، فقد ارتفع عدد الطلبة المنتسبين الى مدارس الوقفين السني والشيعي من 12665 طالبا وطالبة عام 2005 الى 30483 طالبا وطالبة عام 2012([121]).

هذا وقد وفر الوقف في مصر خدمة التعليم بكل فروعه وتخصصاته لكل الافراد فبالإضافة الى تقديم التعليم فقام الوقف بتقديم خدمة السكن والمعيشة، وكذلك العلاج فضلا عن الرواتب المادية, إذ ان من المعلوم ان الوقف في مصر وغيرها من البلدان الاسلامية قام بتمويل كامل خدمة التعليم بالإضافة الى الخدمات الاخرى([122]).

لقد اسهم الوقف بشكل كبير بالعلم تعلما وتعليما وبحثا، اذ أسهم الوقف في الانجازات العلمية والحضارات التي شهدها العالم الاسلامي من خلال مرافق العلم والتعليم التي كانت تغذى عن طريق الوقف([123]). وقد انشئت الجامعات والكليات العلمية من اموال الوقف التي تهتم بتخريج ملاكات علمية ماهرة قادرة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وتسخيرها في خدمة المجتمع، ومن جهة اخرى تستخدم اموال الوقف وفوائده في تمويل مراكز البحث حيث ان المنح والوقفيات هي المصدر الرئيس لتمويل الجامعات وتمويل مراكز البحث العلمي. فعلى سبيل المثال، سعت جامعة الملك سعود الى تمويل مشروعها العلمي عن طريق برنامج الأوقاف بحيث تكون مواردها المالية الذاتية هي موارد يسهم بها الوقف ونقل الجامعة الى المستوى العالمي وكذلك دعم انشطة البحث والتطوير والتعليم([124]). وهذا يسهم في جعل الجامعة عالمية من خلال الابداع والتميز على مختلف الاصعدة حيث تمول البرامج البحث والتطور التقني بما يخدم المجتمع وهذا يؤدي الى تعزيز التنمية المستخدمة ومن نماذج أوقاف الجامعة نوضح مشروعا كلفته 133,300,000 دولار يقام على ارض مساحتها 180 الف متر مربع في موقع متميز، اذ استطاعت الجامعة ان تجمع لهذا المشروع اكثر من 39,990,000 دولار وكذلك ان الجامعة تدرس عدد من المشاريع في مواقع مختلفة منها في مختلف المجالات (العلمي، الخدمي، التجاري، الصحي) وتقدر قيمة هذه الأوقاف بحدود 6,665,000 دولار([125]).

اما في ديوان الوقف السني في العراق فقد سعى الى دعم البحث العلمي من خلال تأسيس قسم الدراسات العليا في كلية الامام الاعظم في العام الدراسي 2004-2005 اذ فتحت دراسة الماجستير، وفي العام التالي فتحت دراسة الدكتوراه الامر الذي يمثل نافذة مهمة على تعزيز أثر الوقف في مجال البحث العلمي الاكاديمي.

أثر الوقف في المجال الصحي: لقد أسهم الوقف اسهاما واسعا في تقديم الخدمات الصحية للمجتمع الاسلامي في جوانب مختلفة من جوانب الحياة، فالوقف يقوم بالاهتمام بالمعوقين وتقديم العلاج لذوي الامراض المزمنة، بالإضافة الى توفير الرعاية الصحية ووقف المستشفيات والإنفاق على تعليم الطب، ويستطيع الوقف الاسلامي من خلال الاسهامات سابقة الذكر ان يكون رافدا كبيرا للخدمات الصحية التي تقدمها الحكومة([126]).

ومن الجهات التي تهتم بالاستثمار في المجال الصحي البنك الاسلامي للتنمية, إذ عقدت الندوات التي تدعو الى تنشيط العمل الاستثماري للوقف. وقامت بعض التجارب في بلدان العالم الاسلامي جدير ان يستفاد منها، مثل مشروع «سنابل الخير» الذي خصص 15% من ريعه للخدمات الصحية، وكذلك المشروعات الوقفية التي تصرف على الخدمات الصحية للجنة مسلمي افريقيا الكويتية. ومن التجارب الفعالة ايضاً الصندوق الوقفي للتنمية الصحية الذي انشئ في الكويت للصرف على الخدمات الصحية بشمولها، اذ اهتم بإصدار النشرات في موضوعات التوعية الصحية، وتبني مشروعات لتعزيز الصحة. يضاف الى ذلك فقد حظيت مؤسسات الرعاية الصحية في مصر باهتمام كبير وذلك من خلال انشاء المستشفيات الحديثة والإنفاق عليها من ايرادات الأوقاف اذ توالت اسهامات الحكام والوزراء وأعضاء السلطة الحاكمة، ففي النصف الاول من القرن العشرين كانت قد انشأت ثلاثين مشروعاً طبياً اقامها مؤسسو الأوقاف([127]).

 

أثر الوقف في التشغيل: التشغيل هو الاستخدام الكفء للموارد، اي الذي يتضمن التخصيص الامثل للموارد فإذا انعدم شرط التخصيص الامثل للموارد فإن التشغيل لا يكون كفوء وان كان شاملاً لجميع الموارد المتاحة([128]). ويمكن للوقف ان يسهم في التشغيل من خلال الوقف النقدي، اذ يمكن ان تستمر هذه الأوقاف النقدية وفقا لصيغة المضاربة الشرعية، وصرف الارباح الخاصة بالوقف في تمويل مجالات وأنشطة اقتصادية واجتماعية كثيرة من شأنها ان توفر مزيداً من فرص العمل في الاقتصاد، كشراء آلات ومعدات وتأجيرها للقادرين على العمل، ويمكن للوقف النقدي ان يدعم جانباً مهماً من العاطلين عن العمل، من خلال توفير انواع مختلفة من صور الضمان الاجتماعي لهم.

 

أثر الوقف في دعم النشاط الاقتصادي: الأصل في الوقف هو حبس المال عن الاستهلاك والتداول في سبيل المقاصد العامة، لتحقيق المصالح الدينية الخيرية أو العلمية التي تحتاج الى اماكن تهيأ لها، والى نفقة دائمة تخصص لها([129])، اذ تقوم الزكاة كأداة لتحفيز النشاط الاقتصادي نحو التنمية، واستعمالها ينبغي ان يكون ضمن الضوابط الشرعية للزكاة([130]).

وحرم الاسلام الوسائل والأدوات التي تمنع من تداول المال وإنفاقه، أو حتى التداول المؤدي الى الاكتناز، فمنع الاخير لأنّه يمنع الثروة عن التداول، وتجميد الاموال، وتعطيلها عن وظيفتها الاساسية في دخول دورة الانتاج. وهو بذلك يحبس الثروة سواء أكان الانفاق استهلاكيا ام انتاجياً([131]). والوقف كونه نوعاً من التمويل الذي جاء به النظام الاسلامي يمكن الاستفادة منه في تحريك المال وتداوله، وذلك لان الاموال المدخرة عند الاغنياء اذا اوقفوها يمكن ان تستغل استغلالاً تجارياً، وهذا بطبيعته يؤدي الى زيادة الطلب، الذي ينتج عنه زيادة في الانتاج لتلبية حاجات المجتمع، ومع زيادة الانتاج فإن الاقتراض الربوي يقل بالإضافة الى زيادة المنافسة التي تأخذ اتجاهين: تنافس على النوعية، وتنافس على الكمية. وهذا التنافس ينتج عنه اقامة منشآت تجارية ومصانع، ومحال تجارية، وبالتالي تنشأ اسواق عمل لتلبية احتياجات هذه المنشآت التجارية الذي يترتب عليه تشغيل ايدي عاملة كانت في السابق تعاني من البطالة وقلة العمل، وهذه اليد العاملة يتحرك فيها المال ويصبح لديها احتياجات، فيزيد الطلب على السلع في الاسواق بسبب توفر السيولة النقدية([132]).

إنّ النظام الاقتصادي الاسلامي في تشريعه للوقف قد حقق عنصر التوازن من خلال التوزيع العادل للثروة بإيجاد مصارف متعددة لتقليب وتدوير المال في الايدي، وعمل على اعادة دوران حركة الاموال والنقود في ايدي الناس، كي لا يكون تداوله بين فئة معينة دون بقية افراد المجتمع، ولكن يجب توجيه اموال الوقف توجيهاً سليماً نحو المشاريع ذات النفع العام وما يحقق مصلحة المجتمع بأسره، اذ ان الوقف يهدف الى توليد دخل نقدي مرتفع، من حيث يضمن فرصاً افضل لخدمة المجتمع وتلبية احتياجاته([133]). ان ازدياد الأوقاف في المجتمع الاسلامي، والتوسع في الاموال الوقفية، والجهات الموقوف عليها، يؤدي الى حركة استثمارية كبيرة وشاملة من خلال انشاء الصناعات العديدة التي تخدم اغراض الوقف، وما يتولد عنها من صناعات خادمة ومكملة، وزيادة في دخل الافراد العاملين والفنيين، وكل هذا يؤدي الى مزيد من الاستثمارات الانتاجية، التي تعد دعامة لأي تقدم اقتصادي([134]). اذ ان الوقف يسهم في ايجاد حل مناسب لمشكلة تراكم الثروات المعطلة أو المكتنزة ومن انفاقها أو استثمارها في خدمة المجتمع، مما يسهم في تضييق الفجوة بين الادخار والاستثمار في الاقتصاد الاسلامي([135]).

وسوف نوضح اثر الوقف في النشاط الاقتصادي من خلال الدور المهم الذي يلعبه في مجالات: التجارة والصناعة والزراعة.

إنّ الاسلام يعطي التجارة اهمية كبيرة، لما لها من أثر كبير في المجتمع الاسلامي، وان من الطبيعي ان يكون الاسلام قد رسم لها القوانين، وبين لها الاحكام والضوابط   الدقيقة، ليجعلها قادرة على تحقيق الاهداف المتوخاة منها، في خدمة الانسان، والحفاظ على الانسانية([136]). فقد كان للوقف أثرٌ في تشجيع الهجرة الى بعض المناطق([137]). وكذلك الترابط بين المدن وانتقال الافراد من مكان الى آخر، ومن مدينة الى اخرى. وقد اسهم في رواج الحركة التجارية الداخلية عن طريق الاستثمار العقاري وذلك من خلال انشاء الفنادق والمراكز والأسواق التجارية التي تمثل نقاط التقاء بين جانبي العرض والطلب في السوق، وتمثل الاستثمارات في المجال العقاري في وقتنا الحاضر جل النشاط الاستثماري الوقفي، فعلى سبيل المثال نجد انه في المملكة العربية السعودية قامت بإنشاء الفنادق والأسواق التجارية في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة على الاراضي الوقفية بحسب الاهمية التجارية لموقع كل منها([138]). اما في لبنان فقد بلغت العقارات المستثمرة عام 1982 واغلبها محلات تجارية الى ما يقرب 1025 عقاراً وقفياً([139]).

ويظهر أثر الوقف بشكل كبير في عملية الانتاج وذلك من خلال الاستثمارات العديدة التي مولتها الاموال الوقفية في جانب الانتاج الزراعي، اذ توجد مدن متكاملة موقوفة بما فيها من اراض زراعية([140]). ونظراً لما تقوم به وزارات وإدارات الأوقاف في الدول الاسلامية من العمل على تنمية القطاع الزراعي الوقفي وفي زيادة انتاجيته، نجدها قد قامت باستثمارات عديدة، ومنها على سبيل المثال ما عملته وزارة الأوقاف الاردنية باستثمار ما مساحته 7460 دونماً من الارض الزراعية الوقفية بالتشجير والزراعة بمختلف انواع الخضراوات([141]). وفي تركيا توجد لدى مديرية الأوقاف العامة مزارع للزيتون والتفاح واللوز والعنب، تجني الادارة ارباحاً منها عن طريق بيع محصولاتها مباشرة أو عن طريق ما ينتج منها كالصابون والزيت([142]).

اما في اليمن فتبلغ مساحة الاراضي المستغلة من الأوقاف في القطاع الزراعي ما بين 400 الف الى مليون متر مربع، بالإضافة الى القطع المتفرقة في المدرجات الزراعية في السهول والوديان التي كانت وزارة الأوقاف اليمنية تعتمد على مواردها المالية من بيع المنتجات الزراعية في اعمار المساجد ودفع مرتبات القائمين عليها([143]). ان بعض عمليات الاستثمار في القطاع الوقفي الزراعي قد تواجه بمشاكل وعوائق اما فنية أو مادية كما هو الحال في الصومال اذ توجد الاراضي الزراعية الوقفية الواسعة التي لم تستغل لعدم توافر الامكانيات اللازمة لاستغلالها([144]). وفي ماليزيا نجد ان اغلب الاراضي الموقوفة تقع على ارض تمتاز بمواقعها الاستثمارية الجيدة في مركز المدينة، بينما يشمل الجزء الاخر على اراض زراعية في المناطق الريفية فمعظم هذه الاراضي مؤجرة لقاء مبالغ زهيدة لمدة تتراوح ما بين 66 الى 99 عاماً([145]).

أثر الوقف في التوزيع

لما يكون لعدالة التوزيع من اهمية كبيرة في الانظمة الاقتصادية عامة والنظام الاسلامي خاصة بوصفها فرعاً من فروع العدل، فإن احد معايير الحكم على كفاءة الانظمة المختلفة وأفضليتها يرتكز على مقدرتها على تحقيق هذا العدل، اذ ان عدالة التوزيع في الاقتصاد الاسلامي تشمل كلاً من التوزيعين الوظيفي الشخصي للدخل فيمتد لتشمل اتاحة فرص متكافئة لإنتاج الدخل، وكذلك اعادة توزيع الدخل والثروة لتصحيح الصورة التوزيعية النهائية على نحو يحقق العدل. ولا يقتصر هدف التوزيع على محاربة الفقر فقط، بل يشمل ايضاً تقريب الفوارق الطبقية بين الدخول والثروات وعلى نحو يحول دون ان يكون المال بيد الاغنياء فقط([146]). ويضع الاقتصاد الاسلامي مسألة التوزيع في مواجهة مسألة الانتاج، وهذا يعني ضمناً ان الاقتصاد الاسلامي هو اقتصاد انتاج واقتصاد توزيع([147]).

ان للوقف أثراً في توزيع الدخل على عدد كبير من افراد المجتمع الاسلامي. فيكون ذلك على النحو الاتي:

1- توزيع جزء من ريع الوقف على الجهات الموقوف عليها، كالوقف على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وطلبة العلم والمعلمين والمرضى أو ذرية الواقف، ويتم اعطائهم دخولاً من ريع الوقف تحقيقاً لرغبة الواقف([148]) .

2- اعطاء جزء من ريع الوقف للفئات التي تعمل لدى الوقف في شكل اجور ورواتب سواء أكان عملها بصفة دائمة كالناظر، أم بصفة مؤقتة كالمستخدمين والأجراء، وبالتالي فالوقف يقوم بتوزيع دخول لهذه الفئات سواء أكانت بصفة دائمة ام بصفة مؤقتة([149]) .

3- يمثل الوقف مصدر دخل للأطراف الخارجية المتعاملة مع الوقف في حالات الاستثمار المختلفة، كأن يدفع ناظر الوقف الارض للغير مزارعة أو مضاربة أو مشاركة في مشروعات وقفية.

4- يسهم الوقف في اعادة توزيع الدخل فيما يتصل بالمنتجين والمستثمرين والعمال وزيادة دخولهم وذلك عن طريق مشتريات الأوقاف وما يحصلون عليه من ريع الوقف في شراء السلع والخدمات، وهذا يؤدي الى زيادة الطلب الاستهلاكي من حيث يدفع المنتجين والمستثمرين الى زيادة الانتاج والتشغيل لتغطية حجم الطلب الاستهلاكي المتنامي فيؤدي الى زيادة اجمالي الدخل المتحقق لهم([150]).

 

سادسا: نحو تطوير الوقف وتفعيل أثره التنموي

انّ زيادة أثر الوقف في التنمية الاقتصادية تحتاج الى مزيد من الادخار، من حيث تكون عملية اعادة توزيع لصالح الفئات المرتفعة الدخل، لان ذلك يؤدي الى زيادة مدخراتهم، وان الاسلام عندما يحث على تحويل جزء من دخولهم اختياريا الى فئات اخرى من المجتمع، وهم ذوو الدخول المحدودة ويترتب على ذلك نقص الادخار لدى الفئات ذوي الدخل المرتفع وزيادة الاستهلاك لدى الفئات ذوي الدخل المحدود وهذا يؤدي الى نجاح عملية التنمية الاقتصادية([151])، وان الوقف وغيره من المدفوعات التحويلية التي تكون في اغلب الاحيان لصالح الفئات المحتاجة في المجتمع الاسلامي فلا يعني ان المدخرات في نظام الاقتصاد الاسلامي.

إنّ الدراسات التي تناولت الوقف اجتماعياً واقتصادياً قديماً وحديثاً أكدت أهميته وأثره في تقوية نسيج المجتمع الاسلامي لكونه يجسد عمقاً انسانياً كبيراً لإدارة الخير في نفسية المسلم. ومن الواضح ان ما قام به الوقف في بناء صرح الحضارة الاسلامية حينما كان مورداً تنموياً من الدرجة الاولى([152]). مع ذلك فقد خسرت المجتمعات الاسلامية كثيراً من الايجابيات التي كانت رفيقة هذا النظام الخيري وتوأمه([153])، ويرجع ذلك الى عدة أسباب منها، فقهية أو ادارية أو اجتماعية أو اقتصادية وسوف نذكر منها الآتي:

1- أسباب إدارية: وتشمل سوء الادارة وعدم كفاءتها من جانب كثير من النظار، والتي ادت الى اهمال العديد من الأوقاف، وعدم الحفاظ عليها، وهذا يدل على ان الغاية هو الحصول على المنافع الشخصية، دون النظر الى المصلحة العامة، بالإضافة الى ذلك فقد كان للنزاعات والتناحر بين النظار، تأثير كبير على الأوقاف مما يؤدي الى تدني فعالية الوقف([154]). من جهة أخرى فإن عدم وجود رقابة دقيقة على ادارة الوقف وتعوض المساحة المفقودة بين منافع المديرين ومصلحة الوقف. أدى الى ضياع كثير من اموال الأوقاف يمكن أن يرجع الى انعدام أو ضعف الرقابتين الادارية والمالية([155]).

 

2- اسباب قانونية: هنالك بعض الدراسات العربية الحديثة التي تناولت الأوقاف الاسلامية من عدة نواحي ابرزت مظاهر التدهور في قطاع الأوقاف في أغلب البلاد الاسلامية نتيجة اشكاليات قانونية، اذ صدرت قوانين وتشريعات في بعض البلدان الى الغاء الوقف الذري، وكان من المطلوب اصلاح نظام الوقف الذري، وضبطه، والاستفادة من وسائل التوثيق الحديثة، والتسجيل المتطور، وقد حدث في تسجيل املاك الدولة والأموال الخاصة، اذ ان هذه الوسائل تمكن من ضبط الأوقاف الذرية، وتحديد المستفيدين منها والإشراف على استثمارها وتطويرها([156]). كذلك فيما يتعلق بمرونة القوانين التي تتعلق بتنظيم العمل الوقفي، وعدم ملائمة هذه القوانين لضبط اداء المؤسسات الوقفية والجمعيات الخيرية بشكل عام، فقد تكون القوانين قديمة وغير صالحة للتطبيق، في ظل التطورات الحياتية والتكنولوجية دائمة التطور والتحديث في هذا العصر، وفي شتى المجالات([157]).

 

3- أسباب اجتماعية: وتشمل:

أ- سوء استغلال الوقف الاهلي، والتصرف فيه بالمخالفة لشرع الله، وذلك من قبل بعض الواقفين الذين قصدوا بوقفهم مضرة بعض الورثة، والتحكم في تركاتهم، وإخضاعهم لأهوائهم، هذا من الاسباب التي تقوض نظام الوقف الاهلي، وتصرفه عن مقاصده السامية([158]).

ب- اختلاف الطبقات الاجتماعية، وما تسببه من مشاكل تتعلق بمدى استيعاب رسالة المؤسسة الوقفية، تبعاً للمستوى الثقافي للأفراد والمجموعات المستهدفة، والتي تتمثل في اختلالات التوزيع لمشاريع الاستثمار والخدمات والمرافق العامة، فمؤسسات الوقف ومؤسسات العمل الخيري عموماً تقوم بدعم مشروعات التنمية في المناطق الحضرية ذات الضغط الديمغرافي، على حساب المناطق غير المكتظة([159]).

 

4- أسباب اقتصادية

أ- تركيز اصول الأوقاف في أغلب الدول الاسلامية في مجال الاستثمار العقاري. إذ ان العقارات تمثل في معظم الاحيان الجزء الاكبر من الأوقاف فقد بلغت نسبتها من اجمالي الأوقاف 100% في عمان و 85% في قطر و 60% في الكويت و74% في اليمن، وفي مصر كانت الأوقاف العقارية تمثل 95% ولكن انخفضت نسبتها في الوقف الحاضر الى 50% نتيجة لإيقاف العديد من شهادات الاستثمار أو الودائع أو الاسهم، وإن الاستثمار العقاري دون غيره نابع من انها اقل خطورة وأوضح دخلاً([160]).

ب- غياب الوعي للواقفين في معرفة احتياجات المؤسسة الوقفية وهذا يؤدي الى عدم التنويع في المرافق الوقفية وبالتالي عدم القدرة على تحقيق الاستفادة القصوى من المدخرات المحلية لدى الافراد، بسبب ضيق مجالات الاستثمار، وجذبهم الى انواع اخرى من الاستثمارات الوقفية، التي ترضى بمستوى الخدمات في مؤسسات الوقف، وتسد اكبر قدر ممكن من الحاجات الاجتماعية المختلفة([161]).

ج- ان الواقع الفعلي لإيرادات الأوقاف الإسلامية هو من الضآلة أنها لا تفي باحتياجات النفقات الإسلامية للوزارة، بل حتى رواتب الموظفين، الأمر الذي اضطر الحكومات في العراق وسورية والأردن، وحتى في لبنان بصورة جزئية إلى تبني مصروفات وزارة الأوقاف وصيانة المساجد ضمن الموازنات العامة للدولة.

تتطلب عملية ابراز أثر الوقف تنشيط أثر الوقف التنموي، وذلك من خلال إسهامه في تخفيف الاعباء المالية عن الدولة من خلال فتح ابواب البر والخير امام الميسورين من افراد المجتمع المسلم للمشاركة الايجابية في انجاز المشروعات الاستثمارية، التي بطبيعتها تؤدي الى تخفيف الاعباء عن الموازنة العامة للدولة، وكذلك لتحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي إذ ان نظام الوقف يعمل على العدالة في توزيع اموال ريع مشروعاته على ابناء المجتمع المسلم من الفقراء والمساكين جميعاً، من خلال كفالة الحد الادنى لمستوى المعيشة لهذه الفئات المحرومة، وذلك بهدف عدم تركيز الثروة في يد فئة قليلة من الاغنياء([162]). كما وتتطلب عملية أبراز أهمية الوقف نشر الوعي الديني بين أفراد الامة لاسيما مع توفر الوسائل التقنية المتطورة من أجهزة اعلامية وغيرها، وإيقاظ الشعور الديني بوجوب التكافل ذلك لان الوقف على العلم من سبل الانفاق في سبيل الله، بالإضافة الى وجوب تطبيق الشريعة الاسلامية فالأنظمة الوضعية المعمول بها في اكثر البلاد الاسلامية، بالإضافة ترك الحرية للواقف في ادارة وقفه والاهتمام بالأوقاف الموجودة وتنميتها على وفق معطيات الواقع ومستجدات عصرنا([163]).

 

سابعا: الخاتمة

يعد الوقف الاسلامي مؤسسة عريقة في الحضارة الاسلامية، مارس خلال الادوار التاريخية المختلفة أدواراً كبيرة في دعم التطور الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الاسلامية، غير أن هذا الدور شهد تراجعا مع توجه تلك المجتمعات أكثر نحو الحياة المادية والابتعاد عن السعي في بذل المال قربة الى الله تعالى.

انسجاماً مع الفرضية، فقد توصل البحث الى نتيجة مفادها أن الوقف الاسلامي يمكن أن يكون له أثر مهم في دفع عجلة التنمية في البلدان الاسلامية، إذا ما أحسن استخدام المؤسسات الوقفية، والتوجه بها نحو النشاطات التي تعزز التنمية.

 

رابط تحميل البحث (https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=86024)

التصنيفات : البحوث والدراسات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان