الشرق الأوسط الكبير ودوره في صياغة قرار الحرب الأمريكية على العراق: إختبار فرضيات

منذ سنتين
1385

أولا: تمهيد

كثيرة هي الأسباب التي دعت الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش وإدارته إلى اتخاذ قرار الحرب على العراق مطلع عام 2003، رغم أن الشرق الأوسط الكبير لا يعد سببا أوليا، أو مرتفع الأهمية بين العوامل الدافعة لاتخاذ القرار، إلا انه يعد سببا مهما بحسبان الأهمية الستراتيجية والجيوستراتيجية للمنطقة وموقع العراق منها، وهي أمور حاولنا فحصها وتبيان دورها في تشكيل القرار.

ومن وجهة النظر الأمريكية فان المصالح الدائمة للولايات المتحدة الاقتصادية والنفطية والعسكرية والاستراتيجية، والاستقرار السياسي وضمان امن حلفائها كلها عوامل حرجة في صنع السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط وفي صوغ قرار الحرب على العراق.

 

من الناحية التاريخية تعد منطقة الشرق الأوسط الكبير أهم مناطق العالم لموقعها الجيوستراتيجي ولأهميتها الاقتصادية للسوق العالمية، وخصوصا بعد اكتشاف النفط الذي تختزن المنطقة معظم الاحتياطي العالمي منه. والحقيقة أن هذه المنطقة كانت وما تزال مسرحا للصراع بين الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ لدرجة أنه ساد الاعتقاد بان من يريد ان يسيطر على العالم يجب ان يسيطر أولا على هذه المنطقة. وقد زادت من أهميتها وجود كتلة بشرية متجانسة وكبيرة أدت أدوارا حضارية في مراحل تاريخية مختلفة واستطاعت في زمن ما أن تهيمن على العلاقات الدولية لفترة طويلة قبل أن ينجح الغرب في الحلول محلها.

ثانيا: الدلالات: الاصطلاح والموقع

ينبغي لنا في البدء الإشارة إلى إن اصطلاح الشرق الأوسط The Middle East يستخدم في الأدبيات الجغرافية الأوروبية لتوصيف منطقة معينة تقع بين الشرق الأدنى  The Near East والشرق الأقصى The Far East وتشير جميعها إلى كل ما يقع شرق أوروبا. أما اصطلاح الشرق الأوسط الكبير الذي يسود حاليا في الخطاب الأمريكي فانه يشمل المنطقة الممتدة من المغرب إلى باكستان وتشمل أيضا أفغانستان وتركيا وإيران وإسرائيل، وبهذا المعنى فهي تشمل العالم الإسلامي وتغطي الأقطار العربية أيضا. عليه يمكن تحديد الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية بأنه تلك المنطقة الجغرافية التي تتوزع على ثلاث قارات والفواصل بينها من الناحية الطبيعية تكمن في ضيق البر حتى اختفاءه: الدردنيل والبسفور بين آسيا وأوربا، والسويس بين أسيا وأفريقيا، وجبل طارق بين أوروبا وأفريقيا. بينما تنفتح هذه المنطقة في مساحات صحراوية شاسعة بما يربك الاعتبارات الجغرافية التقليدية لتتحول الجغرافية فيها الى مثير للأزمات كانت على الدوام سمة ميزت المنطقة، بحيث يعتبر الشرق الأوسط جغرافيا من أهم المناطق التي تتقاطع عندها الجغرافية السياسية الإسلامية مع الجغرافية السياسية العربية، لذا فقد اختزنت مساحة كبيرة من حركة التاريخ ومخزوناته الصراعية والفكرية والثقافية والسياسية والمجتمعية للأمتين العربية والإسلامية. فلقد (( كان الشرق الأوسط دائما وقديما للنشاط الإنساني الشاسع، والتركيبات المعقدة للشعوب ، وللطوائف الدينية، والجماعات العرقية، واساليب الحكم، وللمصالح الخارجية والولاءات، والتي لا تنطبق على كل دولة في المنطقة وحسب، بل على كل مقاطعة أو منطقة أو بلدة. وتكشف حتى أكثر المسوحات تعجلا للتطورات التي حدثت في المنطقة عن تعدد وتنوع حقيقي لتهديدات أمنية محلية وإقليمية. فالأحداث المثيرة التي وقعت على مدى الخمسين سنة الاخيرة تلقي الضوء على القواعد الهشة الضعيفة للاستقرار في المنطقة كخط سياسي جغرافي متصدع ومعقد في الغلاف الأرضي.)) وعبر القرن الأخير شهدت المنطقة تحولات كبيرة وحساسة، فمنذ أوائل القرن العشرين ثم اندلاع الحرب العالمية الأولى والقوى الكبرى تحاول إعادة رسم خارطة المنطقة. لكن التطور الحاسم في تاريخ وجغرافية المنطقة جاء مع حقبة ما بين الحربين العالميتين والأزمات والمتغيرات والمشاكل التي جرتها وأثرت على حالة الاستقرار والصراع في المنطقة، وصلت ذروتها في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية عبر عنها تعميم نمط الدولة القومية في المنطقة.

خارطة رقم (1) الشرق الاوسط
CIA – The World Fact book  2004 –  Middle    East

ثالثا: المنطقة في الاهتمام الأمريكي

في وقت مبكر من القرن الماضي تواجدت الشركات الأمريكية في المنطقة وتكثف وجودها بعد اكتشاف حقول النفط الواسعة عام 1927 في كركوك، وأعلن عندها عن قيام اتحاد دولي للاستثمار باسم (( شركة نفط العراق )) لتطوير واستثمار هذه الحقول. وفي عام 1932 أسست شركة (( ستاندارد أويل كاليفورنيا )) لاستثمار النفط في البحرين، ونجحت عام 1933 في الحصول على اتفاقية مع الملك عبد العزيز أل سعود يعطيها الحق في التنقيب عن النفط في مناطق واسعة من الأرض السعودية، لكن الشركات الأمريكية لم تحصل على الحصة الأهم إلا عام 1938 حين تمكنت من اكتشاف حقول النفط الضخمة في الدمام. وامتد النفوذ الأمريكي بعد ذلك إلى إيران، وعاد ليتعزز في الخليج بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس بعد عام 1971.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة إلى جرّ بعض بلدان المنطقة إلى ما سمي آنذاك  « مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط »، بقيادتها بعدما ضعف دور بريطانيا وتراجعت عن الكثير من مواقعها التي كانت مهيمنة عليها في وقت سابق. وتكشف الوثائق الرسمية الصادرة عن وكالة التنمية الدولية الأمريكية AID عن إمكانية إقامة نظام يعبر عن مصالح العالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة من خلال ربط دول الشرق الأوسط إلى نظام إقليمي لمواجهة الخطر الشيوعي، الذي كان الغرب والولايات المتحدة بالذات، يعتبره العدو الأساسي. وتحركت الولايات المتحدة بشكل تدريجي نحو المنطقة عبر ممارسات عديدة ومتلاحقة من خلال رعاية عملية السلام بين العرب وإسرائيل، دعم إسرائيل، المحاولات الدءوبة للحصول على قواعد عسكرية في أماكن عديدة منه واستخدام المعونات الاقتصادية الأمريكية لدول المنطقة لتهيئتها للقبول بالمشروع الأمريكي في المنطقة. لذا « حاولت الولايات المتحدة منذ عام 1979 الارتباط باتفاقيات رسمية مع الصومال وكينيا وعمان من أجل الحصول على تسهيلات عسكرية لسفنها الحربية ومن اجل تخزين المعدات والأسلحة والذخيرة، وهو ما حاولت القيام به أيضا مع مصر.»

وخلال الحرب العراقية الإيرانية تشكلت الحقبة الأهم لبداية النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج بالذات من خلال إقامة بعض الخيوط مع النظام العراقي الذي وجدت فيه الولايات المتحدة البديل لنظام الشاه الذي أطاحت به الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. لذا عمدت الحكومة الأمريكية إلى تقديم الدعم الاستخباري وبعض الدعم الاقتصادي للعراق خلال الحرب. ومع غزو العراق للكويت أصبح التواجد الأمريكي مرغوبا في منطقة الخليج أولا لإخراج صدام من الكويت، وثانيا لإدامة الاستقرار في المنطقة.

تظهر الكتابات الأمريكية بشكل واضح أهمية منطقة الشرق الأوسط الكبير الجيوستراتيجية والاقتصادية، وتعتبرها واحدة من مفاتيح القوة والهيمنة الأمريكية على العالم. فالشرق الأوسط، وخاصة الخليج، هو جزء مهم من السياسة الخارجية الأمريكية ومتعلقا جوهريا بمصالح الولايات المتحدة لذا لن تسمح بحدوث تغيرات جذرية فيها تؤثر سلبا على مصالحها. الأمر الذي يعني أن على وزارة الدفاع الأمريكية أن تسيطر على جميع شرايين الاقتصاد الحيوية في العالم لان الأمن القومي أصبح في الأساس مرتبطا بالاقتصاد. فالولايات المتحدة ضد قيام أي هيمنة إقليمية من قبل دولة واحدة أو عدة دول قادرة على الاستيلاء على منابع النفط، أو تهديدها، وهذا يتطلب منظومة أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار وضع إسرائيل.

تشكل منطقة الشرق الأوسط في نظر الولايات المتحدة منطقة اضطرابات. وغالبا ما كانت النزاعات في المنطقة تتخذ أبعادا سياسية عنيفة. لذا نجد الولايات المتحدة حاضرة فيها. لكن المنطقة لم تكن يوما هامشية بالنسبة للنظام العالمي سواء كمخزن كبير للنفط أو كمصدر للبترودولارات، أو كسوق لصادرات البلدان الصناعية. فالتطور الصناعي قد رفع من أهمية مساهمة المنطقة في المنظومة الرأسمالية.

وطبقا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية Center for Strategic and International Studies   فان للولايات المتحدة ثلاثة مستويات من المصالح في الشرق الأوسط:

المصالح الحيوية Vitel Interests: وتشمل:

1.     امن الطاقة فالتوقعات تشير إلى إن المنطقة هي من سيوفر الطاقة من النفط والغاز في المستقبل.

2.     أمن إسرائيل

3.     استمرار دور الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة: مصر، السعودية، والأردن.

4.     وأد الإرهاب Counterterrorism: وما يمثله من تهديد في المستقبل واحتمال تقويض بعض النظم الموالية للولايات المتحدة.

المصالح المهمة Important Interests: وتشمل:

1.     عملية السلام.

2.     سوق الطاقة (السعر والعرض من النفط).

3.     أمن الخليج.

4.     استقرار المغرب وشمال أفريقيا.

5.     العلاقات مع تركيا.

6.     التحرير السياسي.

المصالح النافعة Beneficial Interests: وتشمل

الإصلاح الاقتصادي

رابعا: هل يمكن أن يكون الشرق الأوسط الكبير سببا في قرار الحرب

تحكم عملية اتخاذ القرار السياسي الأمريكي مناهج متكاملة ينبني أولاها على المصالح الاستراتيجية ويتبع منهجا شموليا في تعامله مع القضايا الدولية اعتمادا على علاقة تلك القرارات بصراعات الولايات المتحدة مع القوى الأخرى. في حين يقوم المنهج الثاني على دور جماعات الضغط والمصالح والرأي العام والكونغرس في تشكيل السياسة الخارجية. ويقوم المنهج الثالث على السياسات البيروقراطية ودور المؤسسات الإدارية في وضع وتنفيذ السياسة. وأخيرا هناك المنهج الذي يعلي دور الرئيس الأمريكي وإدارته في صنع السياسة الخارجية الأمريكية. وتولي الدراسات العربية المنهجين الثاني والرابع وتمزجهما بالعامل الاقتصادي في تفسير السياسة الخارجية وصناعة القرار السياسي الأمريكي. ولربما يكون قرار شن الحرب أوسع من مجرد سياسة خارجية واكبر من مجرد قرار واخطر من أن تتحمله جهة بنفسها. ومهما يكن من أمر فانه يمكن تشخيص فرضيات متنافسة في داخل الولايات المتحدة على صلة وثيقة بصناعة القرار الامريكي وصناعة قرار الحرب على العراق ترتبط بهذا القدر أو ذاك بالشرق الأوسط الكبير:

الفرضية الأولى: فرضية الحرب من أجل الحرب:

إن الولايات المتحدة تستمد قوتها من الحروب ومن مبيعات السلاح ومن الإنفاق العسكري، فالحروب عند صانع القرار الأمريكي محرك فعال للكثير من الأنشطة الاقتصادية. فالعلاقة حميمة بين الاقتصاد الأمريكي والحروب وهما مرتبطان بالانتعاش الاقتصادي. فرغم أن الحرب الباردة كلفت 15.82 تريليون دولار بأسعار عام 2002 إلا أن نتيجة ذلك إن الإنفاق العسكري في مجالات البحث والتطوير منح المجتمع الأمريكي سبقا بين الأمم في التقدم العلمي والتقاني (التكنولوجي). ومن الجدير بالذكر إن مبيعات السلاح في العالم الثالث وبالأخص الشرق الأوسط كانت وما زالت العنصر المهم في بناء التحالفات السياسية. وهناك من يرى أن الولايات المتحدة قد أدركت (( أنها بحاجة لإعادة صياغة عقيدتها العسكرية بعد اندحار الشيوعية، ليس لأنها بحاجة لإنفاق عسكري وحروب ومبيعات سلاح تضمن لها تفوقها فحسب، ولكنها كذلك بحاجة إليها لضمان استمرار الصدارة للغرب)). وهي الصورة التي عززتها أحداث 11 أيلول وعبر عنها الأمريكي والتر لاكوور W.Laqueur .

لقد سجل الاقتصاد الأمريكي في الربع الثاني من عام 2002 أسوأ أداء له منذ ثمان سنوات، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي نسبة نمو بلغت 0.2  في المائة. ومع ارتفاع أسعار النفط تفاقمت أوضاع الاقتصاد حيث تراجعت مؤشرات أسواق المال الأمريكية بصورة عامة إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة. ويشير روبرت صامويلسون إلى ان خسائر سوق الأسهم كانت كبيرة، وابتداء من 22 حزيران 2002 ، انخفض أجمالي راس مال السوق ( قيمة الأسهم المتداولة ) بنسبة 47 في المائة أي بمقدار 8 تريليون دولار منذ وصوله إلى الذروة في آذار/مارس  2000 . وفي نهاية أيار 2002 كان المبلغ المسترد حوالي 170 مليار دولار. وإزاء الأوضاع الاقتصادية المتردية بلغ عجز الإدارة الأمريكية ذروته مع إقالة وزير الخزانة الأمريكي بول أونيل الذي فشل في إخراج الاقتصاد من ركود ما بعد أحداث أيلول بعد أن وعد في أكثر من مناسبة بأنه سوف يعيد الاقتصاد الأمريكي إلى طبيعته بعد الاضطرابات قصيرة الأجل الناتجة عن هجمات أيلول/سبتمبر !! ومع ذلك فقد حاول جورج ووكر بوش تبني سياسة مجربة شبيهة بتلك التي تبناها ريغان في الثمانينات، بهدف إنعاش اقتصاد بلاده من جهة، تقوم على ازدواج الزيادة في الإنفاق العسكري والتخفيض المطرد في الضرائب. وأعلن مطلع عام 2003 عن خطة جديدة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي من خلال خفض الضرائب إلى 670 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، وهي سياسة من شأنها أن تدعم أسعار الأسهم. وفي ظل قرار الحرب على العراق أصبحت السياسة الإنفاقية توسعية أكثر من أي وقت مضى. لذا تبدو الحرب الوسيلة الأسرع والأكثر تأثيرا لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من براثن أزمته الحالية لأنها توفر لبوش إمكانية لزيادة الإنفاق إلى مستويات فلكية كانت بشائرها موافقة جورج بوش إضافة مبلغ 38 مليار دولار كما أضاف مبلغ 50 مليارا إلى ميزانية الدفاع، وهي الميزانية الأعلى منذ عقدين.

من جهة ثانية فان أحداث أيلول وفرت فرصة ينبغي اغتنامها تستطيع الولايات المتحدة إن أحسنت ذلك تحقيق أهداف استراتيجية متعددة، وبخاصة وأنها جربت الحرب ضد العراق (1991)، وذاقت طعم النصر عليه. عليه نقول إن الأحداث وفرت تبريرات إضافية للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية. وفرصة لـ (( المركب الصناعي- العسكري الأمريكي )) الذي تأتي منه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بعدما كان مهددا بتراجع كبير لمكانته ونفوذه وقوته الاقتصادية. وان استمر في دعم اليمين المتشدد في النخبة الأمريكية التي وجدت خير تعبير لها في (( المحافظين الجدد )) استمر في الدفع نحو مزيد من الحروب الجديدة في الخليج، والبلقان وأفغانستان. وهي حروب أرضت المركب الصناعي- العسكري الأمريكي وخلقت بشكل مباشر، طلبا متجددا على السلع العسكرية التي ينتجها، فضلا عن أن استمرار النفوذ الأمريكي في هذه المناطق يساعد على إنعاش الطلب على استيراد الأسلحة الأمريكية، مثلما يساعد على خلق طلب على السلع والخدمات الأمريكية الأخرى. فلا غرابة ان تكون دول الخليج العربية أهم مستوردي الأسلحة الأمريكية من خارج الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العقد الأخير من القرن الماضي.

شكل  رقم 1: الارتفاع في قيمة أسهم شركات السلاح الأمريكية أيلول/ سبتمبر 2001
1

وفقا لهذه الفرضية فان قرار الحرب على العراق للخروج من المأزق الاقتصادي. وهو أمر يدعمه وجود النفط في المنطقة والرغبة في تأمين إمداداته. والعراق يحتل مرتبة أولى في التفكير الاستراتيجي فهو يتمتع بثروات نفطية هائلة تجعله ينضوي تحت استراتيجية الطاقة، فضلا عن أنه يتمتع بمخزون ثقافي وحضاري هائل يصنع له ثقلا وحضورا سياسيا في النظام الإقليمي الشرق أوسطي يجعل هزيمته والانتصار عليه ذا دلالات مهمة.

الفرضية الثانية: فرضية الهيمنة العسكرية:

إن المنطقة تشكل موقعا عسكريا متقدما يمكن استخدامه لإدامة الهيمنة العسكرية الأمريكية على العالم. ويوفر العراق قاعدة متقدمة يمكن استخدامها لتأديب الدول المارقة أو التي يمكن أن تمرق من وجهة النظر الأمريكية. وفي مثل هذا الوضع يمكن توقع أن تعمل الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها الاقتصادية بالضغط بقوتها العسكرية أو حتى باستخدامها مباشرة. طالما أن مصلحة أمريكا تتقدم على المثل والقيم والايدولوجيا في السياسة الدولية. لذا يرى هنري كيسنجر -وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (1973-1977)- ضرورة إزالة صدام حسين حفاظا على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم. فالولايات المتحدة قد وضعت سياسة تتفق مع أهدافها، تقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقا للقيم ونمط الحياة الأمريكية. وان الحرب على العراق هي الخطوة الأولى في هذه السياسة. لذا فالولايات المتحدة تسعى من خلال الحرب إلى إقامة منطقة تسيطر عليها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وتتبدى أهمية العراق في إطار إستراتيجية الهيمنة الأمريكية في ان الأمريكيين لم يعد باستطاعتهم تحمل صدام حسين أكثر، وبخاصة وأنهم يعتقدون أن لدى العراق القدرة على تطوير أسلحة دمار شامل، وان وجود نظام مناهض للولايات المتحدة في ظل هذه القدرة سوف يشكل تهديدا كبيرا على الولايات المتحدة. من جهة أخرى فان العراق يعد مرشحا لتقويض حكمه كغيره من النظم الاستبدادية (الضعيفة) التي بات الإسلام السياسي يهددها الامر الذي يعني تهديدا للمصالح الامريكية.

الفرضية الثالثة: فرضية جعل العراق ساحة للحرب على الإرهاب:

منذ الحادي عشر من أيلول دأبت الإدارة الأمريكية إلى ربط النظام العراقي السابق بالإرهاب وحاولت تصوير العلاقة القائمة بينه وبين بعض التنظيمات الإرهابية، وأعادت إلى الأذهان تعامل نظام صدام حسين مع الأكراد والشيعة واستخدامه الأسلحة المحظورة ضد شعبه. لكنها مع ذلك لم تقدم دليلا يدعم تورط هذا النظام بأحداث أيلول، كما ان الولايات المتحدة عدلت استراتيجيتها للأمن القومي، بعد الحادي عشر من أيلول لتضع مكافحة الإرهاب في مقدمة اولوياتها وحرصت على تشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب. بيد انها رأت الولايات المتحدة ان توسع من ساحة الحرب لتغطي الشرق الأوسط كله، الذي عدته منبع للإرهاب والكراهية للولايات المتحدة .

وبناءً على هذه الفرضية فان العراق يقدم مكانا مناسبا من زاوية مكافحة الإرهاب يمكن إن يجعله ساحة لمنازلتهم بعيدا عن الأرض والسماء الأمريكيتين. فالعراق يقع في قلب منطقة الشرق الأوسط ويقترب كثيرا من معقل التنظيمات الإرهابية ومصادر تمويلها في الخليج، كما إن له تاريخا وارثا حضاريا يغري كلا الطرفين بأهميته ويعزز نظرة الإرهابيين تجاه تحريره ويجعلهم يتوافدون عليه طلبا لقتال الأمريكيين الذين ستعينهم جغرافيته غير المعقدة على تصفيتهم بأقل الخسائر. وطبقا لهذه الفرضية نجد ان الولايات المتحدة تخوض حربها ضد الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط والهدف “الاسمى” لها هو توسيع رقعة الديمقراطية لتشمل العالمين العربي والإسلامي الذين تتطابق حدودهما مع حدود المنطقة والتي باتت منبع تهديد جديد للولايات المتحدة والغرب. لذا فان الخطوة الأولى من اجل إقامة المشروع الشرق أوسطي هي بالحرب على أفغانستان والعراق واستبدال الأنظمة فيهما بنظم ديمقراطية تمهيدا لتعميم النموذج بصورة او بأخرى على باقي دول المنطقة.

الفرضية الرابعة: فرضية السيطرة على منابع النفط في الخليج وتأمين نفط القوقاز

لم يؤثر شيء في أوضاع المنطقة بمثلما أثر النفط، فمنذ اكتشافه والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البنى والقيم والمؤسسات تترى على المنطقة سواء في الأقطار النفطية أو غير النفطية. وجعلت من المنطقة مضمار تنافس بين القوى العظمى في العالم. ويكتسب النفط أهميته من طبيعته كسلعة حيوية أثرت وتؤثر في صياغة المشهد العالمي، فالنفط وصناعاته تتصف بعدد من الخصائص لعل أهمها: انه يعتبر المصدر الأساسي للطاقة في العالم، إذ يعتبر مصدر الطاقة الأساسي الأول للآلة الرأسمالية العالمية ولولاه لتوقفت عجلتها وتلاشت قوتها؛ ويرجع استمرار أهمية النفط في سوق الطاقة العالمية إلى سيطرته على قطاع المواصلات الذي ينفرد فيه بحوالي 96 في المائة من حصص السوق وكذلك يشكل النفط 27 في المائة من إمدادات الطاقة في القطاع الصناعي و9 في المائة منها في قطاع توليد الطاقة الكهربائية(). ويعتبر النفط أيضا مصدرا مهما من مصادر العائدات النقدية والمالية وتمارس مدفوعاته تأثيرا بالغ الأهمية على موازين المدفوعات لكل دول العالم؛ كما أن صناعاته تعتبر أضخم الصناعات في العالم، إذ إنها تنتج أكثر من عشرة آلاف سلعة وتوظف ملايين الأشخاص في قطاعاتها المختلفة وتمتاز بميزات تجعلها تتمتع بحرية العمل تحت كل الظروف والأنظمة الاجتماعية؛ لذا تعتبر شركات النفط الأضخم بين الشركات متعدية الجنسية وأكبرها نفوذا وقوة؛ وهذه الشركات رغم تأميم الدول النفطية لبعض أعمالها وبروز الشركات النفطية الوطنية التابعة لتلك الدول فان الشركات العالمية ما تزال رغم انحسار قوتها النسبية أضخم كتلة اقتصادية في العالم، حيث إنها تحتفظ بتصدرها قائمة اكبر الشركات متعدية الجنسية في العالم ففي عام 1998 بلغت مبيعات ثلاث شركات نفطية عملاقة هي الأكبر بين اكبر 25 شركة تجارية وصناعية في العالم 217.8 مليار دولار ووظفت حوالي 242400 شخص وهذه الشركات هي رويال داتش شل وBP Aramoco  وموبيل()؛ وأخيرا تؤثر سلع النفط على جميع الدول سواء كانت منتجة أم مستهلكة له وتزداد أهميته مع النمو المطرد في إنتاجه واستهلاكه وهو ما سيؤثر على كل ما يرتبط بهذا الإنتاج والاستهلاك وسيؤثر تاليا في قرارات وسياسات الدول المنتجة والمستهلكة معا.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية IEA ارتفاع الطلب على النفط من مستواه الحالي لكي يتراوح بحلول عام 2010 ما بين 92 و 95 مليون برميل يوميا في حين يصل إلى 110 مليون برميل يوميا بحلول عام 2020، وان الطلب على نفط الأوبك سوف يصل بحلول العامين المذكورين 41 و 53  مليون برميل يوميا على التوالي، وان ست دول فقط من أعضاء أوبك سيكون بمقدورها الوفاء بنصف احتياجات العالم من النفط بحلول العام 2010 وهذه الدول هي: السعودية، الكويت، الإمارات، العراق، وإيران، وفنزويلا.(انظر الجدول (1)).

        ويعرض الجدول رقم (2) تقديرات الطاقة الإنتاجية للنفطOil Producing Capacity  على وفق دراسة أعدتها هيأة معلومات الطاقة العالمية لإنتاج النفط إلى نحو 95 مليون برميل يوميا عام 2010 ونحو 104 ملايين برميل عام 2015 ستصل الى 112 مليون برميل يوميا عام 2020. وهي تؤكد ارتفاع طاقة أوبك الإنتاجية وسيطرة الدول الست على الإنتاج المستقبلي والوفاء بنحو ثلث احتياجات العالم، ونحو 88 في المائة من الطاقة الإنتاجية لهذه الدول الست في منطقة الخليج (( مما ينقل تنسيق العرض العالمي للنفط بصفة أساسية إلى تلك المنطقة. وإذا أضيف إليها من الدول العربية من سوف تسعفه احتياطياته النفطية للمساهمة في تلك الاحتياجات مثل عمان والجزائر وليبيا، فقد لا نبالغ إذا توقعنا أن المنطقة العربية ومعها إيران، يمكن ان تمسك بمفاتيح الإمدادات النفطية بحلول 2020 ))(

جدول رقم (1)

مقارنة تقديرات الطلب على النفط بين أوبك و ووكالة الطاقة الدولية

                                                                                    (مليون برميل يوميا)

المنطقة تقديرات أوبك تقديرات وكالة الطاقة  الدولية
1997 2010 2020 1996 2010 2020
أمريكا اللاتينية 22.7 25.5 26.8 22 27.4 30.2
أوروبا الغربية 14.3 15.9 16.7 13.7 15.3 16
اليابان واستراليشيا 6.7 7.1 7.7 7.1 7.5 8.3
جملة الدول الصناعية الغربية OECD 43.6 48.5 51.2 42.7 50.1 54.5
الاتحاد السوفييتي سابقا وشرق أوروبا 5.7 6.7 7.5 5.7 6.4 6.9
الاتحاد السوفييتي سابقا 4.2 4.8 5.4 4.4 4.7 5.2
شرق أوروبا 1.5 1.9 2.1 1.3 1.7 1.7
البلدان النامية 24.1 32.7 40.3 23.1 37.0 48.7
إجمالي العالم 73.4 87.9 99 71.5 93.5 110.1
نصيب أوبك من الإجمالي ( مليون برميل ) 39.6 51.2 41.5 53.5
نصيب أوبك من الإجمالي (%) 45.1 52.0 44.4 49.0

المصدر/ حسين عبد الله، مستقبل النفط العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، الملحق، الجدول رقم 8، ص 294.

جدول رقم (2)

توقعات نمو الطاقة الإنتاجية للنفط خلال المدة 1997 – 2020   (مليون برميل يوميا)                                                                                                                   

الدولة / المنطقة إنتاج  1997 2010 2015 2020
السعودية 9.09 14.1 16.2 20.0
العراق 1.18 3.8 4.7 5.9
إيران 3.75 4.5 4.9 5.5
الإمارات 2.48 3.4 4.2 4.9
الكويت 2.12 3.2 4.3 5.2
فنزويلا 3.44 5.1 5.4 5.8
مجموع الدول الست  الرئيسة 22.05 34.1 39.7 47.3
نصيب الدول الست من  إنتاج العالم (%) 30 36 38 42.0
باقي أعضاء أوبك 7.3 9.2 9.0 8.6
جملة أوبك 29.35 43.3 48.7 55.9
نصيب أوبك من الإنتاج  العالمي (%) 40 46 47.0 50.0
الولايات المتحدة 9.46 9 8.9 8.7
أوروبا الغربية 7.03 7 6.4 5.9
الاتحاد السوفييتي  (سابقا ) 7.42 10.1 12.1 13.1
باقي العالم 20.39 25.6 27.4 28.6
جملة غير الأعضاء في  أوبك 44.3 51.7 54.8 56.3
إجمالي العالم 73.65 95.0 103.5 112.2

المصدر/ حسين عبد الله، المصدر السابق، الملحق، الجدول 297

 بإزاء هذه التوقعات، يتسق التوقع بأهمية النفط كعامل مهم في صياغة قرار الحرب فالنفط يكتسب أهميته بما قد يجلبه توقع نفاذه من مشاكل تتعلق برغبة الإطراف الدولية الأقوى للسيطرة على النفط بعدما دشنت مرحلة جديدة من الهيمنة عبر احتلال العراق وارتهان موارده النفطية واحتمال تعرض دول أخرى لما تعرض له العراق وان اختلفت الذرائع والمبررات(). وبخاصة وان الدول المتقدمة تتوقع استمرار اعتمادها على استيراد النفط (انظر الجدول رقم (3))   

الجدول رقم (3)

                                        الاعتماد على استيراد النفط                       (نسبة مئوية)

  2001 2010 2015 2025
الولايات  المتحدة 55.7 60.7 64.1 68.5
الصين 31.5 47.5 58.8 73.2
بلدان  آسيا الأخرى(أ) 64.7 73.6 82.4 86.9
أوروبا  الغربية 50.1 57.7 61.8 68.6
اليابان 98.5 98.6 98.7 99.0

(أ‌)      تشمل الهند وكوريا الجنوبية وبلدان جنوب شرق آسيا الأخرى

 ARAB OIL & GAS MAGAZINE ,Vol. XXXX , October 2003 , P. 3  << www. Arab-oil-gas.com >>>

 

        يبدو أن الولايات المتحدة بادرت لمواجهة احتمال نضوب النفط فنجحت، وابتداءا من مطلع الثمانينات في تكريس وإدامة الاختلال البنيوي في السوق الدولية للنفط وتحويله إلى سوق مشترين، واضمحلت على نحو لافت للانتباه قوة أوبك. كما إن محاولة السيطرة على منابع النفط أمر مرغوب فيه من وجهة كبار كتاب واستراتيجي الولايات المتحدة لأن ” الديمقراطيات الصناعية ” يجب أن لا تسمح لقوة أخرى أن تسيطر عليها(). هذا الضمان مهما اختلفت شدته سيهدد الدولة بشكل ربما تكون باستخدام القوة العسكرية مباشرة، وبالتالي منع بروز أية قوة مناوئة للغرب. وربما يكون من خلال تبني سياسات ترمي إلى الحد من سيطرة الدول النفطية على ثروتها من خلال دعم خصخصة شركاتها النفطية الوطنية والسماح لرأس المال الأجنبي بالاستثمار في القطاع النفطي وتقديم تسهيلات مالية مقابل رهن النفط.  

تعد الولايات المتحدة أكبر مستهلكي النفط في العالم (حوالي 25 في المائة ) رغم ان سكانها لا يشكلون سوى 2 في المائة، بينما تستهلك وزارة الدفاع الأمريكية لوحدها ما يزيد عن الـ80% من كل الطاقة التي تستخدمها الحكومة الأمريكية، يصل إجمالي المخزون من البترول الاستراتيجي الأميركي الحالي ( 660 ) مليون برميل في المخازن الضخمة في ولايتي تكساس ولويزيانا، والتي تصل قدرتها إلى حمل (700) مليون برميل، في حين يصل الاستهلاك اليومي إلى ما يزيد عن ( 20 ) مليون برميل، وعلى ما يبدو ان النفط سيكون السلعة الأهم في العالم. على ان الرغبة في السيطر

التصنيفات : النشاطات العلمية
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان